عارف فكري

بعد قيام الثورة فطن رجالها لأهمية السينما، ودورها الريادي في غرس قيمها ومبادئها في نفوس الشعب، وهو أمر فعلته كل الشعوب تقريباً.. فالمخلصين للشيوعية استخدموا الشاشة الفضية؛ لنشر أصول مذهبهم، وحتى على مستوى الحروب، شاهدنا الكثير من الأعمال السينمائية التي صُنعت عن الحربين العالميتين الأولى والثانية ما بين مؤيد ومعارض ومحايد بقدر الإمكان، وهذا ما فعلته السينما المصرية بعد قيام الثورة بسنوات قليلة جدّاً، فرأيناها سبّاقة في تنبيه صنّاع السينما للثورة، والتركيز عليها، وسرد محاسنها، وما ستحققه للشعب الذي يحتفظ بذكريات سيئة من أيام الحكم الملكي! فخرجت أفلام كثيرة معبرة عن ذلك من أشهرها (رد قلبي) على سبيل المثال.
ويأتي في الأهمية قبله -من وجهة نظري- فيلم (الأيدي الناعمة)، وهو في الأصل تحويل لعمل أدبي يحمل نفس الاسم كتبه " توفيق الحكيم".
حكاية البرنس " شوكت"
لدينا هنا البرنس" شوكت"، وهو من الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية.. أقصد كان من هؤلاء، وأحد النبلاء قبل أن تأتي الثورة لتضرب كل "الهيلمان" الذي كان يعيش فيه، وبرغم الحالة المادية السيئة التي يعيش فيها، فقد أبى عليه كبرياؤه أن يتغير أو يتقبل الوضع الراهن.

ما زال يحتفظ بعجرفته وغلظته في التعامل مع الخدم، ويتركونه يعيش على أطلال الذكريات، ويضطر أن يبيع مقتنياته الثمينة واحدة بعد الأخرى، رافضاً مساعدات ابنتيه" ميرفت" و"جيهان"، وقد أعلن غضبه عليهما بسبب زواج الأولى من مهندس لديه ورشة صغيرة، مما جعل الأخت الثانية تعيش معها.
تكون نقطة البدء عندما يظهر في حياته الشاب الظريف " حمودة"، والذي يعزم على الأمير الجائع بكوز ذرة، ويتقبله منه " شوكت "بتواضع، ولتتطور العلاقة بينهما.
لقد تحولت لصداقة من طراز فريد: أمير سابق، ورجل من عامة الشعب. الأول لا يفهم أن الوضع قد تغير تماماً عن ذي قبل، بينما الآخر يعيش عاطلاً بسبب تخصصه الدقيق في النحو، حيث إنه نال دكتوراه في " حتى"!..
طبعاً يقع "حمودة" في غرام ابنته، بينما يقع البرنس في حب شقيقة زوج ابنته...
تحدث بعض التغييرات في شخصية "شوكت"، ويبدأ في تفهم الوضع ببطء، وتبدأ تصرفاته تتغير للأفضل.
ويعرض حبه على حبيبته، لكنها ترفض هذا الحب من رجل عاطل، مما يجعله يحاول -بكل الطرق- أن يستثمر مواهبه، لكنه لا يجد لها قبولاً حتى ينتهي به الأمر كمرشد سياحي، وينتهي الفيلم نهاية سعيدة، حيث يعرف البرنس أن "الأيدي الناعمة لا مكان لها، وأن الشرف كله في الأيدي العاملة!"..
فكرة تقليدية.. سيناريو قوي
سأحاول هنا سرد النقاط التي جعلت هذا الفيلم واحداً من أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية، حتى أنه تم ترشيحه لنيل جوائز في مهرجان برلين الدولي:
• صنع هذا الفيلم على "رواقة"، حيث مرّ على الثورة ما يقرب من عشر سنوات، وبالتحديد تمّ إنتاجه عام 1963، ولأن القصة ذات أصل أدبي، وتحتاج لعصا ساحر؛ حتى يتم تحويلها إلى عمل مرئي، فقد دُفِعت لواحد من أهم كتّاب السيناريو في الوطن العربي وهو" يوسف جوهر"؛ ليحولها لشيء آخر يذخر بالدلالات، والجمل الحوارية، والتي خلدت إلى الآن، وتشعر كل يوم وكأنها جديدة، وكأنها خارجة من الفرن لتوها!
• من هذه المشاهد مثلاً: لقاؤه الأول بالشاب، خفيف الدم "حمودة"، حينما يعرض عليه "كوز درة"، وحديث لا ينقطع عن لوكاندة الأمراء!
• ومشهد شراء" شوكت" لطعام من رجل مكافح، ويقابل ابنه الذي يبدو سعيداً بخطيبته، وحديث عن البيت الذي "هنبنيه سوا.. طوبة دهب، وطوبة فضة"!!
• ولا ننسى مشهد "شوكت" أيضاً وهو يشتري الخضار متنكراً، وهو يجادل البائع فيها من حيث الجودة!!
• أما عن الإفيهات التي حفل بها الفيلم، فحدث ولا حرج:
ـ خونة!
ـ ويا ترى بقى "حتى" بتاعتك دي مشوية ولا مقلية؟!
ـ أكلتُ السمكة حتى ذيلها!!

• السيناريو كان دقيقاً في وصف الشخصيات، ووضع خلفية مناسبة لها تتحرك على أساسها، وساعد على توهجّ النصّ وجود طاقم من الممثلين العظام. فقد رأينا "أحمد" مظهر" وهو يؤدي دور النبيل الذي يرفض تقبل الواقع، والتعامل معاه، وبرغم قسوته الظاهرية فستجده طيب القلب، ومرحاً، وكان دوراً عظيماً للعبقري الذي كان يؤدي في نفس العام دور "الناصر صلاح الدين"، ومن الطريف أن الفيلمين دخلا قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما!
• "صباح - الشحرورة" تؤدي دوراً جيداً فمساحة الدور وجودته جعلها تتألق في دور الحبيبة، والتي شدَت في الفيلم بقائمة من أجمل أغنياتها مثل " الدوامة" وغيرها.
• هناك "صلاح ذو الفقار" في دور الدكتور " حمودة" العاطل، والذي يتمتع برؤية وبصيرة تتفوقان كثيراً على البرنس الذي يعيش على أمجاد الماضي.
• بقية الممثلين: "مريم فخر الدين"، "ليلى طاهر"، و"أحمد خميس" كانوا جيدين، ولهم حضور ملحوظ.
• تصوير " وديد سري" كان معبراً وجميلاً، وليس هذا بمستغرب على واحد من أفضل مديري التصوير في السينما المصرية.
• موسيقى " علي إسماعيل" كانت مرحة وخفيفة، تناسب الجو المبهج، وإن لم يمنع وجود فكرة تقليدية، أن تكون صياغة السيناريو القوية ساعدت بقية الطاقم على إبرازه، وساعدت الموسيقى المتميزة على تأكيد هذا.
• "محمود ذو الفقار "المخرج العظيم يتألق في واحدٍ من أجمل أفلامه.
سيظل هذا الفيلم خالداً في ذاكرة السينما؛ لأنه صنع بضمير، بينما ألقيت أفلام حديثة لم يمضِ على صنعها الكثير في غياهب النسيان.. هذا لأن العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة، حتى ولو بعد حين، مع الاعتذار للدكتور"حمودة" !!

فيلموجرافيا |
|
| اسم الفيلم | الأيدي الناعمة |
| قصة | "توفيق الحكيم" |
| سيناريو وحوار | "يوسف جوهر" |
| بطولة | "أحمد مظهر" "صباح" "صلاح ذو الفقار" "مريم فخر الدين" "ليلى طاهر" "أحمد خميس" |
| إنتاج | الشركة العامة للإنتاج السينمائي العربي |
| تصوير | "وديد سرّي" |
| مونتاج | "فكري رستم" |
| مناظر | "أنطون بوليزوس" |
| موسيقى | "علي إسماعيل" |
| سنة الإنتاج | 1963 ـ ملون |
| إخراج | "محمود ذو الفقار" |


