history موضوعات سابقة
send to friend .ارسل الموضوع لصديق

محمد هشام عبيه

ميزة هذا الفيلم أنه مصري جدا، وكيف لا يكون كذلك وثلاثة أرباع أحداثه تدور في أحياء القاهرة الأصيلة "الحسين- السيدة زينب" بل والأهم أن كل أحداثه وقعت في شهر رمضان الكريم؟..

لكن عيب هذا الفيلم أنه حاول "التفذلك" بعض الشيء، وإعطاء رموز ودلالات لا يتحملها، رغم أن القصة في مجملها طازجة على عكس المعتاد، وتحمل تشخيصا جديدا لنماذج لم تتطرق إليها السينما من قبل.

فهناك "صباح" تلك الجميلة الرقيقة –"ليلى علوي" طبعا!- التي تتابع بشغف وبحزن شفاف وبانتظام يقترب من حد "الافتنان"، العروض التي يقدمها "بكر"/ "فاروق الفيشاوي" فنان التنورة المتميز، فتحلق مع كل لفة يقوم بها وسط موسيقى وغناء فرقته إلى السماء -ربما تكون السابعة- متحررة من كل خطاياها وذنوبها الأرضية، وربما يكون الفيلم هو أول من ظهر فيه فنان التنورة في دور بطولة، فيما كان معتادا أن يكون -إن ظهر- فقرة في عرض ما أو تمهيدا لما قبل ظهور الراقصة في أحد أفراح الكبار، وهي نقطة تحسب بالقطع لعيون وأنامل المؤلفة "زينب عزيز" التي التقطت هذه الشخصية الغنية وصاغتها بقدر كبير من الإحكام.

هو نفس الأمر الذي حدث مع "صباح" التي سنكتشف في منتصف الفيلم تقريبا -وهو زمن طويل نوعا- بأنها "فتاة ليل" تريد أن تتوب عن عملها السيء هذا، وتبحث عن أي وسائل لتطهر روحها من كل آثامها، فتهجر الفودكا وتشرب بدلا منها "الكركديه"، وتنخرط في وصلات رقص على إيقاع موسيقى صوفية -تشبه تلك التي يرقص عليها فنان التنورة- يصعد بها إلى السماء، وإن كانت السينما المصرية قد تناولت من قبل قصص توبة بنات الليل -أشهرها فيلم "التوبة" لـ"صباح" و"عمادحمدي"- فالجديد هذه المرة أن التوبة تأتي من داخل الشخصية وليس بفعل عوامل خارجية، أي أن الرغبة في التطهير نابعة من كونها "قرفت" -على حد تعبير البطلة- وليس بفضل عناصر خارجية كالوقوع في الحب أو التعلق بالأطفال الذين يمثلون عادة في مثل هذه الأحوال المادة الخام للبراءة المضادة لحال بنات الليل.

ورغم نعومة قصة الفيلم إلا أنه وقع في فخ "المباشرة" والمقارنة الفجة، كأن يعمد صناع الفيلم إلى التركيز على مشهد حميمي بين حبيبة ابن "بكر" وأحد جيرانها، مع عرض مشاهد من ليالي "صباح" الساخنة بشكل مظلل غير واضح، للتأكيد على أن الشر لايقع فيه من يبدو شريرا فقط، وإنما قد يقوم به وبشكل صريح من يبدو أكثر قربا للخير، وكذلك ذلك المشهد -المقحم بشكل مستفز!- لما تقارب "بكر" مع "صباح" في لحظة اعترافهما بالحب المبتادل هنا يلتقط الأخ "بكر" فجأة -لا أحد يعرف من أين؟!- تفاحة حمراء لمجرد أن تقول له "صباح" حكمة الفيلم "التفاحة نزلت بآدم وحواء الأرض وإحنا هنطلع بيها للسما"!.. ياسلام!

ثمة مشهد آخر ثان كان يمكن أن يكون "ماستر سين" للفيلم لكن صناعه كان لهم رأي مختلف، ففي اللحظة التي تتوقع فيها كمشاهد أن البطلين سيتطهران معا بالحب ولاشيء غيره، تفاجأ بهما يمارسان الجنس في أريحية شديدة، وهو مشهد صادم ويضرب فكرة "التطهير" في عمقها، بغض النظر عما إذا كنت مشاهدا "متحفظا" أو "ليبراليا"!

وبعيدا عن ذلك، حظي الفيلم بطاقم فني عال المستوى، خصوصا في التصوير والموسيقى والإخراج، الأول كان منسوبا لمدير التصوير الكبير" رمسيس مرزوق"، والثاني للموهوب "تامر كروان" الذي كانت موسيقاه أكثر عناصر الفيلم قربا من السماء، ثم هناك الإخراج "سعد هنداوي" الذي قدم فيلما أكثر ما سيعيش منه ذلك الجو الرمضاني الفريد لأحياء القاهرة الشعبية، وهو جو -ياللغرابة- نادر الوجود في السينما المصرية، ولم يظهر من قبل إلا في فيلم وحيد فقط (في بيتنا رجل).
ظهرت "ليلى علوي" بشكل ناعم رقيق، ونجحت بشكل كبير في تقديم دور الفتاة ذات الماضي الملوث الذي تريد أن تتطهر منه، ظهر هذا في لمحة حزن واضحة ظلت مرسومة على ملامحها طوال أحداث الفيلم، فيما كان الوزن الزائد لـ"فاروق الفيشاوي" حاجزا في تقبل فكرة أنه فنان تنورة محترف، والغريب أن صغر حجم ووزن "شريف رمزي" يعطيك نفس الانطباع حتى ولو كان لايزال في أول خطوات احتراف التنورة، ويبقى أن "حسن مصطفى" كان "غول" التمثيل الأكبر في الفيلم رغم أن عدد مشاهده كان قليلا مقارنة بباقي أبطاله.

(ألوان السما السبعة) رغم أنه يبدو فيلما مغايرا ومختلفا اجتهد صناعه في تقديمه بشكل يتماس مع الصوفية دون إغراق فيها، قريبا من الواقع دون انغماس فيه، فإن أزمته الكبرى تكمن في أنك تخرج منه بدون "حالة" يمتد أثرها معك، وهو ما يعني أن هناك شيئا ما -أو أشياء ما- لم تكن على مايرام، ربما يكون بطء الإيقاع في بعض الأحيان سببا في ذلك، ربما يكون الاختيار الخاطئ لبعض الممثلين سببا آخر، ربما يكون الإلحاح في تحميل الأشياء البسيطة دلالات أكبر منها سببا آخر -لاحظ رمزية أسماء الأبطال.."صباح" التي ستشرق عليها شمس جديدة بعد التطهر، و"بكر" الذي سيصبح بكرا كالمولود للتو بعد أن أن تطهر هو الآخر- وربما كل هذه الأشياء معا، هي التي كانت السبب وراء أن الفيلم وقف بالقرب من السماء ولم يصعد إلى أولها.



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني