history موضوعات سابقة
send to friend .ارسل الموضوع لصديق

محمد هشام عبيه

التحدي الرئيسي في مثل هذه النوعية من الأفلام القائمة على الغموض والضبابية، هو القدرة على فكّ رموز اللغز المستمر طوال الأحداث بشكل منطقي، من دون تسرّع أو استغفال للمشاهدين أو حشر للحل بطريقة: "أهو ده اللي عندنا"! وقياساً على هذا فإن "نقطة رجوع" فيلم متميز جدّاً محبوك جدّاً، وبه قدر كبير -جدّاً أيضا- من المتعة البصرية والذهنية.

 

أنت أمام حادث سيارة مروع، تم تنفيذه بشكل مبهر ومقنع جدّاً لم يسبق تكراره كثيراً بهذه الطريقة في السينما المصرية، تنجو منه "ليلى" وزوجها "هاشم" بأعجوبة، لكن الأخير تكون إصابته أقوى وأخطر، وقد طالت النيران وجهه؛ لتشوهه بالكامل، كما أصيب بما يعرف بـ"فقدان الذاكرة النفسي الجزئي"، ستتابع مراحل عملية التجميل في مستشفى أمريكي -تم تقديمها بشكل جيد- ومحاولات الزوجة التي تبدو مخلصة، وهي تساعد زوجها في استعادة ذاكرته شيئاً فشيئاً، لكن الأمور لا تسير رتيبة هكذا حينما يظهر في الصورة "همام" ضابط الشرطة المتقاعد الذي كلفه الزوج قبل الحادث بتتبع زوجته، فيقدم له مجموعة من الصور تجمعها في شكل حميمي مع شخص لا تظهر ملامحه، ثم تطلّ أيضاً "سهام" عشيقة الزوج التي لا يتذكرها، وهو ما يثير جنونها، ويؤكد الشكوك لديها بأن حادث السيارة كان مدبّراً، وتزداد الأمور غموضاً عند ظهور طيف "سليم" ذلك الرسام الذي وقعت الزوجة في هواه، وتضاربت الأقاويل حول حقيقة اختفائه.


لا يريحك كاتبا السيناريو الشقيقان "محمود " و"إبراهيم حامد" طوال الأحداث المتتابعة السريعة، وكلما ظننت أنك وقعت على مفاتيح الحل، ابتعدَتْ عنك، فقط في آخر ثلث ساعة يمكنك التوصل إلى أولى خطوات فكّ شفرة اللغز خاصة إذا استطعت أن تربط بين الإشارات التي نثروها بذكاء وعناية في عدة مشاهد متتابعة.


بعيداً عن قصة الفيلم المغايرة، والتي تبدو غريبة على السينما المصرية بعض الشيء -وإن كان هذا لا يعني أنها مقتبسة من أفلام أجنبية- فالأجواء كانت مصرية جدّاً، وأماكن التصوير الخارجي تم اختيارها بعناية "المقطم ـ المريوطية"؛ لتؤكد ذلك، أما تنوع وتباين وشذوذ الشخصيات في بعض الأحيان، فهو أمر وارد وطبيعي، ومن الممكن أن يحدث في أي أفلام أجنبية أخرى، سيتقبلها الجمهور بمزاجه؛ لمجرد أن الفيلم غير مصري! خاصة وأن ذلك من المنطقي جدّاً -من الناحية السينمائية- في التعامل مع الشخصيات المعقدة -مثل الزوجة "ليلى"- خصوصاً وأن السينما لا يمكن أن تقوم –دوماً- على الاقتباس التام من شخصيات الواقع دون أن يفعل فيها الخيال شيئاً ما.


في أولى تجاربه السينمائية الطويلة، يقدّم "حاتم فريد" نفسه كمخرج من طراز مختلف، قادر على التحكم في التفاصيل الفنية بشكل جيد جدّاً، صحيح أنه مال إلى الاستعراض بعض الشيء في بعض المشاهد "مثل مشهد نزول شريف منير من السيارة لأول مرة عائداً من أمريكا.. فليس هناك أي داعٍ ليكون بالتصوير البطيء، أو ليركز على قدميه فقط"، إلا أنه قدم فيلماً نموذجيّاً في مجال الدراما النفسية التشويقية، محافظاً على إيقاعه الذي جاء كوتر مشدود ينقل إحساساً بالترقب والتوتر للمشاهد، هو نفس الأمر الذي طال عناصر الفيلم الفنية الأخرى بدءاً من تصوير" نزار شاكر"، ومونتاج "منى ربيع" اللذين ساهما بشكل كبير في استمرار حالة الغموض المسيطرة على الفيلم أطول وقت ممكن، وتوّج هذا كله بموسيقى "خالد حماد" المضبوطة جدّاً على "موجة" الفيلم.


تميّز "شريف منير" في دوره المركب، مكرراً ما فعله من نجاح من قبل في نفس الدور في "ويجا"، وتألّقت "نور" في دور "ليلى" الزوجة التي تعاني من كتلة أمراض نفسية خصوصاً في مشاهد النهاية التي أصبحت فيه "نمراً متوحشاً جميلاً"، كما بدا "محمد شومان" لافتاً في دوره كضابط شرطة متقاعد، المشكلة أنه تحمل عبء تغليف الفيلم بإطار من المرح، فاقتطع هذا الأمر جزءاً من قدراته الدرامية الكبيرة التي تجلّت في ذلك المشهد الذي تذكّر فيه زوجته المتوفاة.


وهكذا في ثاني عمل لهما -بعد فيلم متوسط هو "شباب على الهوا"- ينجح الشقيقان "محمود" و"إبراهيم حامد" في تقديم تجربة مميزة، مضبوطة سينمائيّاً بها جرعة كبيرة من الغموض والإثارة، ولا تخلو في نفس الوقت من حسّ إنساني، وهو ما ظهر بوضوح في مشهد النهاية عندما يكتشف البطل أن عليه أن يختار إما أن يكون "هاشم" فقط، أو "سليم" فقط، أو أن يكون" هاشم" بقلب.. "سليم"!

 


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني