هند صلاح نور
![]()

في مصر...
لا جديد في أن تشاهد فيلماً متواضعاً!!
ولا ضير أن تدخل السينما مصطحباً ابتسامة بلهاء وتخرج دون أن تفارقك!!
ولا عجب في أن تشاهد فيلماً يجعلك تتساءل ما الذي دفع المنتج أن يقوم بإهدار ماله -الذي من المفترض أنه يكون شقي فيه- وعليه يقوم أيضاً بإهدار وقتنا وشوية التفكير اللي فاضلين!!!
كل ما سبق يندرج تحت بند العادي –في مصر فقط- أما أن تشاهد فيلماً يحترم عينك وأذنك وعقلك فأنت أكيد أكيد مش في مصر... هكذا ارتبطت لدينا السينما في الفترة الأخيرة تماماً كما ارتبط اسم أفلام المقاولات بمرحلة الثمانينيات!!
وعلى طريقة لكل قاعدة شواذ يخرج علينا من حين لآخر فيلم "شاذ" يحمل فكرة ويقدم أداءً تمثيلياً راقياً مصحوباً بموسيقى تصويرية لا تخرج إلا من مبدع ومخرج يجيد استخدام كل ما هو متاح وغير متاح لتكتمل التفصيلات الواحدة بعد الأخرى لتخرج الصورة النهائية متمثلة في "الجزيرة".

"الجزيرة" فيلم من بطولة "أحمد السقا"، "محمود ياسين"، "هند صبري"، "خالد الصاوي"، "عبد الرحمن أبو زهرة"، "زينة"، "باسم سمرة"، "محمود عبد المغني" ووجوة أخرى كثيرة من ضمنها وجه صاعد اسمه "آسر ياسين" نرجو ألا يظل وجهاً "جديداً" حتى يأكل الدهر عليه ويشرب كما هو الحال مع كثير ممن سبقوه!!!

ووجه آخر نصف جديد اسمه "نضال الشافعي" وإن كنت لا تذكره فاعلم أنه "سيد" شقيق "شوقية" في المسلسل الرمضاني "تامر وشوقية"، إنه "سيد" الذي عندما كنت أراه كنت أصاب بغثيان بسبب تقليده الفاشل لـ"لمبي محمد سعد"، ليتحول في "الجزيزة" ليس إلى ممثل جيد بل إلى قنبلة تمثيلية في دور شاب صعيدي وأخرس ليكون حضوره طاغيا على آخريين تكلموا وملأوا هذا الفيلم وأفلاماً أخرى كلاماً كانت (قلته أحسن!!)
وقد صاحب تصوير الفيلم الكثير من الضجة نظراً لإصابة الفنان "أحمد السقا" إصابة كادت تطيح ببصره نهائياً وذلك لرفضه أن يقوم دوبلير بأداء الأكشن نيابة عنه، وقد بدا الفرق في الفترة الزمنية بين تصوير مشاهد ما قبل الإصابة ومشاهد ما بعد الإصابة واضحاً ومتمثلاً في وزن "أحمد السقا" الزائد، ثم جاء الإعلان عن اشتراك الفنان الكبير "محمود ياسين" والذي تم إقصاؤه من السينما تماماً كمن تقاعد على المعاش بحكم السن وليس بحكم الخبرة.. فكانت سعادته وفرحتنا بعودته في دور يحترمنا ويحترم تاريخه الطويل الذي سيضيف له الفيلم ولن يأخذ منه!

تدور أحداث الفيلم في منطقة الصعيد وتحديداً في منطقة "الجزيرة" والتى اكتسبت اسمها من كونها قرية تحيطها الأسرار من كل جانب وليس المياه بعكس الحقيقة الجغرافية، فأهل البلدة لا يشي أحدهم بالآخر حتى ولو قُتِل أحدٌ من أهله، فمشاكلهم لا تخرج عن نطاق "كبيرهم" الذي يقوم بدوره في الربع الأول من الفيلم "محمود ياسين" الذي يسلم الراية بعد ذلك الى ولده "أحمد السقا"... ويبدأ الفيلم بمانشيت يتصدر الصحف عن "عصابة مسلحة تقوم بإيقاف قطار الصعيد"!!!

لتنقلب الدنيا بعدها بحثاً عن هذه المجموعة الإرهابية الآثمة لتنتقل بنا الأحداث إلى الصعيد لنتعرف على "الجزيرة" وكبيرها "منصور الحفني" الذي تراوحت الأقاويل عنه تارة بأنه "مجرم" وأخرى بأنه "الخير" المؤهل لنيل لقب "الكبير"... فهو من يقوم بمواساة الصغير قبل الكبير، ويساعد المحتاج كما يؤمن الوظائف وأكل العيش لكل أهالي البلدة حتى ولو كانت الوظيفة هي زراعة الأفيون أو حتى تجارة السلاح فبالنسبة لهم "منصور الحفني" قد وفر ما عجزت عنه "الحكومة"!!!!

تتصاعد الأحداث لنرى العلاقة المتشابكة بين وزارة الداخلية وكبير الجزيرة التى ينهيها "منصور" بعد أن رأى أنه كده كفاية على الحكومة ليصبح "هو الحكومة"!!!!
يتميز الفيلم بإيقاعه السريع، أحداثه غير المتوقعة، نهايته الجديدة والواقعية وهي مواصفات لا علاقة لها بكتالوج أفلام السينما المصرية!!

كما جاء الأداء التمثيلي لكل من "محمود ياسين"، و"خالد الصاوي" على أعلى مستوى، أما "محمود عبد المغني" فلم يستطع أن يظهر نفسه وسط الغيلان السابق ذكرهم، ربما لأن الدور نفسه غير واقعي فالاعتقاد بوجود ضابط شرطة "شريف ونزيه" للدرجة التى تجعله يقف في صف الحق على حساب والده وزوج شقيقته يحتاج إلى ما هو أكبر من "محمود عبد المغني" حتى نصدق!!!

"هند صبري" يوماً بعد يوم تزداد بريقاً وثقلاً سينمائيا وتمثيلياً يجعلها مؤهلة لأداء أي دور حتى ولو كان دور صعيدية تملك عرق الصعايدة النافر على الجبين وهي تونسية الأصل والفصل.
وعملاً بمقولة "ختامها مسك" نتحدث عن أداء "السقا" الذي جاء رفيعاً معجوناً بكثير من عبقرية "أحمد زكي" خصوصاً عندما فاض به الكيل من تصرفات الداخلية وصرخ فيهم قائلاً: "من انهارده مفيش حكومة، أنا الحكومة".. لنتذكر عبقرية "زكي" وهو يعلن للعالم "أنا الإمبراطور يا بهايم"!!

"الجزيرة" فيلم تجمعت له كل العناصر التي تؤهله لأن يكون واحداً من أفضل أفلام 2007، وأهم هذه العناصر رغبة القائمين عليه بأن يقدموا لنا فيلماً ممتعاً لا نندم عند مشاهدته على ثمن تذكرة السينما... تحية للقائمين على الفيلم بدءاً بالمخرج الرائع "شريف عرفة" ومروراً بالمبدع "عمر خيرت" ووصولاً الى كل ممثل وتقني وحرفي ساهم في خروج الفيلم بهذا الشكل.



