history موضوعات سابقة
send to friend .ارسل الموضوع لصديق

محمد صلاح

احترت كثيراً قبل أن أنطلق في الحديث عن هذا الفيلم، كما كنت قلقاً من دخوله وذلك لكثرة اللغط الذي دار حوله، وتباين الآراء بين من يرونه أفضل الأفلام التي قدمت في الفترة الأخيرة وبين من يرونه أنه ليس الأفضل، ولكن الحقيقة الوحيدة التي تأكدت منها هي أن الفيلم سوف يحمل رسالة جديرة بأن تجازف بالعشرين جنيها، خاصةً بعدما ساعدني على تقوية ذلك الشعور وجود اسم المخرج المتميز والتلميذ النجيب للأستاذ الكبير "يوسف شاهين" المخرج "خالد يوسف".

تطرف ديني، ومخدرات، ودعارة، وأطفال شوارع.. عشوائيات بقى!!

تدور أحداث الفيلم في إحدى المناطق العشوائية والتي انتشرت في مصرنا، إما بسبب الزلزال أو بسبب غلاء المعيشة أو... وتشتهر هذه المناطق بتبني الأفكار المتطرفة بالإضافة إلى رواج المخدرات والدعارة، بما يعنى أنه في هذه المنطقة اللا إنسانية بالمرة يمكنك أن تجد كل شيء (على كل لون يا بطسطا)..

بدأ الفيلم بمطاردة تبدو مقنعة بين سيارتين الأولى يستقلها "عمرو سعد" بطل الفيلم، والثانية يستقلها شاب يحاول اغتصاب "سمية الخشاب"، ينجح "عمرو" في إنقاذ "سمية" ويسقط هذا الشاب بسيارته في الماء.. "عادل" -الذي يسكن في غرفة واحدة في إحدى المناطق العشوائية هو وأسرته- تتوطد علاقته بـ"سمية الخشاب" التي تركت بيتها خوفاً من بطش زوج أمها لتحمل طفلاً من "عادل" الذي يعدها بأنه إذا تحسنت الأمور سيعترف بها زوجة له وسيعترف بالولد، أما إن بقى الوضع على هو عليه فحينها سيكون "حين ميسرة".

يزداد العبء على "عادل" خاصةً بعد قتل أخته وغياب أخيه "رضا" الذي سافر إلى العراق، واختفت معه أخباره، حتى أن "عادل" بدأ يفكر في تجارة المخدرات، لأن عمله كميكانيكي أصبح لا يكفي قوت يومه، بالفعل يأتي "عادل" بالبضاعة من أحد التجار، ولكنه يشربها كلها ولايبيع شيئاً، مما يجعل المعلم صاحب البضاعة ينفجر غضباً ويرسل برجاله إلى "عادل" الذي يوسعهم ضرباً ويكسر عين معلمهم، ويصبح "عادل" هو الكبير، ويتعاون مع الحكومة ليضمن عدم غدرهم به، ولكن أحد الضباط "أحمد سعيد عبد الغني" يضطهد "عادل" ويدخله السجن لخمس سنوات في قضية مخدرات.. في هذا الوقت تترك "سمية الخشاب" ابنها في أحد الأوتوبيسات وتعود لبيت أهلها مرة أخرى.. تتصاعد الأحداث، ويتورط "عادل" مع الحكومة تارة، ومع العناصر الإسلامية المتطرفة تارة أخرى.. ويدخل في صراعات كثيرة، منها بحثه الدائم عن ابنه وزوجته، بينما تتورط "سمية الخشاب" في علاقات مشبوهة، وتعمل كراقصة وتتعرض للاغتصاب.. بينما يكبر ابنهما بين ناس غرباء، ويهرب منهم ليكون الشارع ملجأه الوحيد.. كل هذا ومازالت "أم عادل – هالة فاخر" تنتظر عودة "رضا" ابنها الكبير من العراق محملاً بالأموال ليفك كربهم وكرب كل سكان المنطقة.. ولكن دائماً ما تأتي الرياح بما لاتشتهي السفن.

الحل إيه..؟ "حين ميسرة"

حاول كل من الكاتب الرائع "ناصر عبد الرحمن" ومعه المخرج المتميز "خالد يوسف" إزاحة النقاب عن أكثر من قضية مهمة أصبحت تشكل خطراً كبيراً على مجتمعنا، فالفيلم قدم صورة واضحة وصريحة للأحياء العشوائية بناسها وأسلوبها وفكرها ولغتها، وقدم صورة في رأيي مصغرة عن هؤلاء الناس التي أحياناً كثيرة (بتبات من غير عشا) -كما جاء على لسان أحد المشاركين في الفيلم- وإن كان فعلاً الواقع أفظع من ذلك كثيراً..

أبطال العشوائيات

كل من شارك في هذا العمل أعتقد أنه أضاف لنفسه إنجازاً يكتب له بداية من الممثل الشاب "عمرو سعد– عادل" الذي قدم صورة للشاب المصري ابن البلد والتي أجبرته الظروف في أن يعمل منذ الصغر، وأن يتحمل مسئولية إخوته خاصة بعد سفر أخيه الأكبر، بالإضافة الى استعداده التام للقيام بأي شيء حتى يضمن لإخوته (لقمة العيش)

"سمية الخشاب" قدمت دوراً رائعاً عن الفتاة التي تعاني من بطش وتحرش زوج أمها بها، وبتلقائية شديدة في أدائها تجعلك تتعاطف معها ومع الظروف التي أجبرتها على ذلك.

أبدعت "هالة فاخر– أم رضا" في تقديم دور الأم التي تخاف على أولادها، والتي تنتظر رجوع ابنها الأكبر "رضا" بفارغ الصبر، معتقدة أن الخليج كله أصبح ملكه، ومعتقدة أن السفر لهذه البلاد فيه السبع فوائد، ومع ذلك ترفض أن تترك دارها حتى لو أصبحت هي ودارها متساويين بالأرض.

نجح "عمرو عبد الجليل" في تقديم دور الرجل الذي ظل طيلة حياته يحلم بطفل يحمل اسمه حتى أنه يضطر للزواج من اثنتين ولكنه يكتشف أنه إذا أنجب طفلاً سيأتي للدنيا دون أن يعرفه أحد وسيخرج منها بدون أن يعرفه أحد أيضاً كما حضر هو للدنيا، كما برع في تقديم دور صديق "عادل" المتفاني في الدفاع عنه.

خرجت علينا "وفاء عامر" من جديد بدور يحسب لها، فقدمت دور زوجة "عمرو عبد الجليل" التي تحبه رغم عجزه، وعدم قدرته على الإنجاب، ومع ذلك ترفض أن تتركه أو تتخلى عنه، وتتحمل أن تكون هناك "ضرة" لها في البيت على أن تواجه زوجها بحقيقة عجزه.

رغم أن هذه ليست المرة الأولى التي يقدم فيها "أحمد سعيد عبد الغني" دور الضابط إلا أن هذه المرة نجح باقتدار في استخدام كل مقومات السماجة والغتاتة في أن يكرهك في كل ضباط الشرطة الذين لا يهمهم شيء سوى مصلحتهم الشخصية.

الشيء الوحيد الذي تأكدت منه هو أن القائمين على هذا العمل نجحوا تماماً في البعد -كل البعد- عن القصور ومشاكل الثروة والتخمة النقدية التي يعاني منها الأغنياء.. وهي الأشياء التي باتت الشغل الشاغل لصناع السينما والتليفزيون في مصر والتي لا نراها إلا على شاشات التلفاز.. وكأن البلد كلها بتفطر "ساليزو".. وهم لا يعلمون أن هناك من ينام بدون (عَشَا)!

تفتكره عيب ولا ميزة؟!

كما ناقش الفيلم العديد من القضايا كما طرق الأبواب على أكثر من مشكلة، وحاول جاهداً استعراض الكثير من الأمور التي باتت تؤرق الشارع المصري، وتسبب صداعا في العمود الفقري للمصريين، وهو ازدياد العشوائيات التي تحمل بداخلها الآلاف من الفيروسات الثقافية والعرقية والتعليمية والصحية والنفسية والدينية.. فهل هذا عيب أم ميزة أن يقوم صناع فيلم بمناقشة كل هذه الأمور في فيلم واحد؟

 


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني