هند صلاح نور
![]()

ظل "يوسف شاهين" علامة استفهام كبيرة وحقيقية بالنسبة لي على مدار سنوات طويلة! فكيف يكون صاحب مدرسة وفكر وعبقرية تحدث عنها الكثيرون من الممثلين والصحفيين والنقاد، وفي ذات الوقت لا يتفاعل مع أفلامه وأفكاره جمهور السينما الذي من المفترض أن يكون هو الهدف من وراء صنع هذه الأفلام وتكون النتيجة واحدة في كل أفلام "شاهين" أفلاما غير مفهومة وإيرادات لا تغطي تكاليف الإنتاج وجوائز من مهرجانات محلية وعالمية!!!

إلا أن هذه المعادلة تغيرت بعد ما يقرب من 60 عاماً من الإخراج والرؤى الفنية والأفكار الـ"شاهينية" الخالصة ليطل علينا "يوسف شاهين" بفيلمه الأخير "هي فوضى..؟!" ولا أدري هل السبب في هذا التغير الجذري من حيث الفكرة، والمباشرة في الطرح، والإيرادات التى تجاوزت العشرة ملايين جنيه –وهو بالمناسبة رقم مهول مقارنة بأفلام "شاهين" السابقة- هو اشتراك "خالد يوسف" تلميذ "شاهين" النجيب أم أن التغير بدأ من عند "الأستاذ" وأضاف له "التلميذ"..!!

على كل حال أياً كان السبب في هذه الطفرة الفنية، فنحن نحمد الله على أننا كجمهور استطعنا أن "نتذوق" فيلماً ممهوراً بإمضاء "شاهين" قبل أن تترسخ في أذهاننا أننا كما وصفنا "شاهين" في أحد حواراته "مابنفهمش" وأن المشكلة "فينا" وليست في "أفلامه"!!

جاء فيلم "هي فوضى..؟!" في وقت أصبحت فيه "الفوضى" منهجا وقانونا تنتهجه الحكومة قبل الشعب، فصور لنا الفيلم بشاعة الواقع الذي نعيشه بلا رتوش تجميلية وبلا مبالغة في أحداثة مصوراً كيفية استغلال ذوي السلطة في مصر لنفوذهم من أول "أمين الشرطة" وحتى "............."!!

وعلى الرغم من المباشرة الشديدة الموجودة في الفيلم، وعلى الرغم من توقع الأحداث من أول دقيقة إلا أنه فيلم جيد الصنع سواء من الناحية الإخراجية أو التمثيلية. وقد تفوق الأداء التمثيلي لنجوم الفيلم للحد الذي جعل كلاً منهم بطلاً للفيلم، وإن كان تميز "خالد صالح" قد طغى بشكل أكبر في دور أمين الشرطة "حاتم" إلا أن "هالة صدقي" تمكنت من أن تكون "قصة تانية" للحد الذي جعل الكثيرين يعتبرون أن هذا الفيلم هو الـ Master Movie لها، ونفس الحال يسري مع كل من "هالة فاخر" والمبدعة الصغيرة "منة شلبي" التى استطاعت أن تحدث تحولاً في شكلها وأدائها وأدوارها يستلزم سنوات أكثر بكثير من عمرها الفني.

تضاربت آراء الجمهور والنقاد معاً حول الفيلم والرسالة التي يبعث بها لمشاهديه، فمنهم من رأى أن الفيلم تحريضي من الدرجة الأولى وأنه يشجع من لا حيلة له ويلعب دوره الشعب المصري للانتهاج الفوضوى حتى يحصل على أبسط حقوقه، والبعض الآخر رأى أنه فيلم تحذيري للحكومة في حال تمسكها ببقاء الوضع كما هو عليه والإيمان بمبدأ "على المتضرر أن يضرب دماغه في أجدع حيطه" فقد تتحول نهاية الفيلم إلى نهاية واقعية للفوضى التي يعيشها الشعب المصري يومياً، وأراه أنا فيلماً "وثائقياً" يؤرخ للحالة المتدهورة التي وصل لها الشعب المصري المغلوب على أمره بيده لا بيد "عمرو".. وأبلغ تعبير عن مدى التدهور تغيير تحية العلم المعروفة من "تحيا جمهورية مصر العربية" إلى "تحيا جمهورية حاتم العربية" لأن "اللي ملوش خير في حاتم ملوش خير في مصر"!!!

الفيلم في مجمله حالة فنية خاصة، وإن كان به بعض الهنات التي يمكن التجاوز عنها دون غضاضة إذا وضعت في الاعتبار أن "الحلو ما يكملش"، بالإضافة إلى اشتراك اثنين من المخرجين كل منهم صاحب فكر مختلف حتى وإن كان أحدهما تلميذاً للآخر، فهذا لا يعني أنه نسخة مقلدة من أستاذه وهو الأمر الذي يحسب لـ"خالد يوسف" الذي استطاع أن يفلت بجلده من "لعنة يوسف شاهين" كما يطلق عليها أهل الفن والصحافة، فعلى الرغم من الاختلاف إلا أنك لن تشعر بهذا الاختلاف في الفيلم، فمشاهده متناسقة ومتجانسة، وتمثل وحدة عضوية واحدة.

استوقفتني طريقة كتابة اسم الفيلم على الأفيشات "هي فوضى..؟!" وما استوقفني تحديداً هو علامة الاستفهام، وقلت في نفسي إن كان صناع الفيلم يتساءلون في براءة "هل هي فوضى فعلاً ولا لأ؟".. فيسعدني أن أجيب عن تساؤلهم ببراءة مماثلة وأقول: "نعم!!"




