شريف عبد الهادي

فجأة، وبلا أي مقدمات وجه د. "أشرف زكي" نقيب الممثلين "كرسي في الكلوب"؛ لينقلب عرس الفن والفنانين الذي أقامته مصر منذ بداية الفن، واستضافت فيه كل فنان وفنانة من المحيط إلى الخليج إلى مأتم وسرادق عزاء اتشح فيه الكل بالسواد أمام قرار وصفه العديد من الفنانين والنقاد وكبار الكُتاب بالعنصرية: "مش معقول تكونوا ما سمعتوش عنه، لكن على الأقل اللي ما يعرفش فالقرار يهدف إلى تقييد كل الفنانين العرب بتقديم عمل فني واحد بمصر على الأكثر في العام، مهماً كانت نجومية هذا الفنان العربي وجماهيريته"..
وفي غمضة عين تحول د. "أشرف زكي" لنجم -بالإكراه- وضيف أساسي في كل الحوارات التليفزيونية والصحفية، بالإضافة لكون قراره مادة خصبة للمناقشة، ومؤتمراته الصحفية بمثابة مغناطيس لكل الصحفيين والإعلاميين والأضواء وفلاشات الكاميرات، في أكبر "شو" وفرقعة شهدتها نقابة الممثلين على مدار السنوات الأخيرة، وراح د. "أشرف زكي" يسوق مبرراته -التي يراها منطقية- بشأن إصدار مثل هذا القرار الخطير والذي يقضي بمشاركة الفنانين العرب في عمل مصري واحد فقط طوال العام؛ حيث رأى د. "أشرف" أنه يحمى الفنانين المصريين من "الغزو العربي" وإقبال المنتجين المصريين على الفنانين العرب بشكل جنوني، وقدوم السوريين واللبنانيين سواء كانوا فنانين أو مخرجين أو حتى فنيين، واحتلالهم لمعظم الأعمال الدرامية والسينمائية بشكل يقضي على أمل الفنانين المصريين وموهبتهم، ولا يعطي الفرصة لشباب معاهد التمثيل المصريين في الحصول على أي فرصة بأي عمل فني، وأصدر بياناته البليغة المنمقة لتوضيح موقفه، لكنه لم ينسَ في كل بيان، وأي خطبة عصماء أن يلمح من قريب أو من بعيد إلى حاجة النقابة لدعم المتبرعين ورجال الأعمال وأهل الخير -بكل ما يجودون به- للنقابة حتى تمتلأ صناديقها بالأموال اللازمة لخدمة الفنانين المصريين ومساعدتهم في احتياجاتهم الصحية في حالة الحاجة لعمليات جراحية أو ما شابه ذلك من ظروف قهرية.
ثم جاء ختام تصريحاته حاملاً ترسانة من الأسلحة الفتاكة عندما أكد أن بعض الفنانات العرب دخلن الوسط الفني لأهداف أخرى غير الفن، وأن الوسط الفني غير مستعد لاستقبال العاهرات والقوادين!
ولعل هذه القرارات كان لها بالغ الأثر في الفنانين العرب الذين أبدوا استياءهم من مثل هذا القرار، فاندهش "جمال سليمان" منه ووصفه بالمفاجئ، وخاصة مع ترحيب الأعمال المصرية طوال تاريخها بالممثلين العرب والوجوه الجديدة سواء مصرية أو عربية، ولم يحدث من قبل في أي فترة من فترات التاريخ الفني المصري أن يتم تحديد الأعمال التي يقوم الفنان غير المصري بتقديمها. مضيفاً أن هناك أدوار عربية بالسيناريوهات المصرية يرفضها الفنانون المصريين إذن فمن سيقوم بتقديمها.
وكذا وصفها المنتج "هاني جرجس" بالعشوائية بالإضافة إلى أنها قرارات غير مسبوقة ولم يتم العمل بمثل هذه القرارات في أي دولة في العالم التي تبحث عن الموهبة وليس الجنسية، ولو كان ذلك يحدث في أمريكا لما ظهر "عمر الشريف" مشيراً إلى أن هذا القرار ليس علاجاً للبطالة؛ لأن الفنانين الذين يعانون من البطالة يكون بسبب مغالاتهم في أجورهم.
في حين تفرغت "يسرا" للدفاع عن السوري "محمد عزيزية" مخرج مسلسل "قضية رأي عام" والذي قدمته في رمضان الماضي. وتحدث "رياض الخولي" لعدد كبير من الفضائيات وظل يكرر نفس الكلام مما أعاد للأذهان هجومه مع زميله "أحمد ماهر" على كل من هو سوري. ثم تحدث "توفيق عبد الحميد" عن مساندته لصديقه "أشرف زكي" في القرار الذي اتخذه مؤكداً أنه قرار صائب؛ لأنه يحفظ للفنان المصري كرامته، ورفض الفنان الكبير "عادل إمام" قرارات د. "أشرف" جملة وتفصيلاً، وأكد أن أي فنان يأتي بحب الجمهور له وإقباله عليه، بغض النظر عن جنسيته، أو البلد التي جاء منها.
والآن لماذا لا نأخذ نفساً عميقاً، ونرصد ما حدث بعد ذلك؟ لقد فسر البعض قرارات د. "أشرف زكي" بالقرارت السياسية التي تعادي وتناهض الفنانين العرب بشكل قد يؤثر على علاقات مصر السياسية مع أشقائها العرب، واتهم العديد من النقاد قرارات د. "أشرف" بالعنصرية التي تميز جنسية على جنسية تحت مسمى الفن؛ إذ إنه ليس ذنباً أن يُقبل الجمهور المصري والعربي على فنان غير مصري؛ لأن الفن مثل أي سلعة في الدنيا "عرض وطلب"، فإذا أقبل الجميع على فنان أو فنانة بعينها فإنما يرجع ذلك للموهبة والحضور، وإذا كان نقيب الممثلين المصريين يثق في قدرات الفنانين المصريين لما اضطر لإصدار قرار يحميهم ويجبر المنتجين على الاستعانة بهم، ولو كانوا يستحقون الفرصة لأخذوها برغبة الجمهور وطلبه لهم بالاسم، وأن قرارت د. "أشرف" ستؤكد أن مصر لم تعد قِبلة الفنانين العرب أو هوليود الشرق كما تعودنا أن نقول على مدار ما يزيد عن نصف قرن من الزمان؛ إذ صارت طاردة لإخوانها وأشقائها، ولا ترحب بهم.
فقد أعلن الأستاذ "ممدوح الليثي" نقيب السينمائيين رفضه لقرار نقيب الممثلين بدعوى أن هذا سيؤثر على الأفلام السينمائية التي يتم تسويقها خارج مصر.
كما اجتمع وزير الثقافة بالجمعية العمومية لنقابة الممثلين، وطالبت وزارة الثقافة أن يتم تغيير القرار؛ حتى لا يؤثر ذلك على وضع الكتاب والمثقفين المصريين في الوطن العربي، بل وتدخلت وزارة الصناعة والتجارة في الأمر، وأكدت أن مثل هذه القرارات العنصرية من شأنها أن توجد قرارات مماثلة من الدول العربية ضد السلع والمنتجات المصرية؛ إذ إن مثل هذه القرارات قد ينعكس مردودها على خارج الوسط الفني، ويمتد إلى باقي السلع والصناعات.
ورغم تأكيدات د. "أشرف زكي" الدؤوبة والمستميتة على أنه لن يتراجع عن قراراته مهما كان، ولن يخضع لأي تأثير إلا أنه تراجع مؤخراً بشكل جزئي؛ إذ قرر أن يمنح عضوية نقابة الممثلين بالانتساب للفنانين العرب الذين أثروا الفن المصري، مما يتيح لهم تقديم أكثر من عمل فني في العام بعد حصولهم على العضوية المنتسبة، وهنا تفرض العديد من الأسئلة نفسها:
هل سيشفي هذا التراجعُ الجرحَ المصري العربي الذي سالت دماؤه بفعل قرار نقيب الممثلين؟ هل ستعود النفوس إلى ما كانت عليه من حب وودٍّ أم سيتكدر الصفو ويتعكر المزاج ويظل اللي في القلب في القلب؟


