عمر مصطفى
كان عمرها 8 سنوات عندما اكتشفت موهبتها مديرةُ مدرستها، عندما سمعتها تغني في الطابور. ويدور الزمن مع البنت البورسعيدية التي أحبت الموسيقى وهوتها بإتقان، لتدرس في كلية الطب وتبتعد كثيراً، ثم يعود الغناء مجدداً ويناديها، لتقرر هي أن تمنحه المكان الأول في حياتها اليوم..
اسمي "فيروز كراوية"، ولدت في بورسعيد وعشت فيها معظم سنوات حياتي. أسماني والدي باسمي هذا (فيروز)؛ لشدة حبه للمطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" والتي انتقل حبها لي منذ الطفولة. لم يكن أحد قد لاحظ درجة حبي للغناء ولا حتى أنا، حتى سمعتني ذات يوم مديرة مدرستي الابتدائية في بورسعيد وأنا أغني في الطابور، فاهتمت بي واستمرت في تدريبي بشكل يومي على الغناء لفترة طويلة.
لحد سن 12 سنة، كانت علاقتي بالغناء تنحصر في غنائي بالمدرسة وسماعي لفيروز، إلى أن استمعت يوماً بالصدفة إلى "نجاة الصغيرة" لأول مرة، فقربتني كثيراً للموسيقى الشرقية وجعلتني شغوفة بها أكثر من ذي قبل، فصرت أجمع الموسيقى والأغاني النادرة وأسمعها، ثم جذبتني تجربة جيل الوسط مثل تجارب "محمد منير" و"علي الحجار" و"حنان ماضي" و"مدحت صالح"، وأخذتني الهواية إلى دراسة الموسيقى بشكل حر في معهد الموسيقى العربية لمدة 3 سنوات، فحصلت على دبلومة في العود والصولفيج، بين حماس كبير منّي وتشجيع من الأسرة..
عندما حصلت على مجموع كبير في الثانوية العامة، لم تكن دراسة الموسيقى مطروحة لسببين، أولهما أن أسرتي كانت تتمنى لو أدرس الطب أو الهندسة مثلاً، وثانياً لأني لم أكن واثقة ما الذي يمكنني فعله تحديداً بالموسيقى؛ لم يكن لديّ أية تصورات واضحة وقتها، ودخلت كلية الطب..
أثناء الكلية التي تخصصت فيها بالطب النفسي، حصلت على فرصة غناء أغنية فيلم "أسرار البنات"، وكانت المرة الأولى التي أغني فيها أغنية خاصة بي، وكنت قبل ذلك أغني فقط أغاني معروفة حديثة ومن التراث. كان نجاح الأغنية وثناء الناس عليها لفترة طويلة حتى بعد انتهاء عرض الفيلم؛ سبباً جعل موضوع الموسيقى يرجع (يزقزق) في دماغي. فعلاقتي بالمزيكا لم يكن من السهل قطعها، وكان يبدو بعد تجربة الفيلم أنه عندي شيء ما لأقدمه للناس.

بعد تخرجي من الكلية اهتممت بالقراءة عن الفنون عموماً، درست الإخراج المسرحي لبعض الوقت وعملت به، ثم شاركت مع فرقة مسرحية مستقلة اسمها (المسحراتي) كانت تعمل على تيمات من الفولكلور والتراث الشعبي من حكيْ وغناء، فتوليت إعداد الرؤية الموسيقية والغنائية للعروض إلى جانب الغناء معهم، واستمرت تلك التجربة الجميلة لمدة سنتين.
فكرة إنه يكون عندي مشروع غنائي خاص بي، أغني من خلاله أغاني خاصة في حفلات لجمهور لم تبدأ إلا منذ عام واحد في 2006، عندما ورطني الشاعر الشاب "أحمد حداد" بحجز ميعاد لأول حفل أقدمه، فبدأت معه ومع مجموعة أخرى من الشعراء والملحنين والعازفين في عمل مجموعة أغاني ظلت تزيد باستمرار مع الوقت، فأقمت أنا وفريقي الموسيقي خلال هذا العام أكثر من عشر حفلات.
خلال هذا العام، حصل تطور كبير في مستوى الأغاني والأداء والتوزيع والشكل العام، وكان سبباً رئيسياً في هذا تشجيعُ الناس واهتمامهم بالحضور للحفلات وإبداء الآراء والملاحظات باستمرار.
بالنسبة لكلمات الأغاني أحاول أن أختارها بسيطة ولها علاقة بحياة الناس وحكاياتهم، وأسعد جداً عندما يخبرني أحدهم أن هذه الأغنية أو تلك بها شيء أو معنى حصل له فعلاً، ومهم جداً أن يكون الكلام ممتع حتى لو كان حزيناً، وأحلم أن يسمع تلك الأغاني ذات يوم كل الناس في مصر، ويجدوا بها ما يمتعهم ويلمسهم.
أما بالنسبة لشكل المزيكا، فنحن لم نختر شكلاً ثابتاً للموسيقى نقيد به أنفسنا من البداية، فالفرقة الموسيقية مثلاً فيها آلات موسيقية شرقية وغربية على السواء، مما يعطينا مساحة أوسع لخلق حالات موسيقية أكثر تنوعاً وغنى، فقد تسمع أغنية بها طعم موسيقى الجاز، أو أخرى بها رائحة الروك، أو أغنية ذات روح شرقية صرفة.. إلخ. فنحن نعمل معاً كفريق عمل، ونجرب سوياً حتى نصل للشكل الذي نحبه ويمتعنا.

للأسف الشديد صناعة التسلية فارضة نفسها علينا بشكل كبير، على حساب صناعة الفن الحقيقي، وهذا يرجع لشيوع فكرة خاطئة وهي أن الفن الجاد لا يكون مربحاً، بينما التسلية وحدها هي المربحة، وهذه فكرة خاطئة تماماً وغير واقعية؛ لأنه بالفعل يوجد جمهور حقيقي يتذوق الفن ومستعد أن يدفع للحصول عليه.
نحن نحتاج ببساطة إلى منتجين واعين ينشئون صناعة فنية لها رؤية وتعرف جمهورها المستهدف وأساليب الوصول إليه، كما أننا نحتاج لإدخال تخصص الإدارة الفنية للمشاريع الفنية المستقلة في مصر، التي تعاني من التخبط وعدم وجود تخطيط أو رؤية مناسبة لتحقيق أهدافها، فالتجارب الفنية الشابة الجادة كثيرة الآن سواء في الموسيقى أو المسرح أوالسينما، حتى لو كانت نسبة التجارب الناضجة فيها قليلة فهذا طبيعي، لأن عمر هذه الحركة الفنية لا يزيد عموماً على 10 سنوات وهي في نضج دائم وتجديد لنفسها، ووصولها للجمهور والناس سيسرع من هذا كثيراً.


استمع لـ"مين يشرب القهوة معاك الصبح"