الشعار المحمدي

التزكية كانت مسلك النبي في التربية
التزكية كانت مسلك النبي في التربية

خليل الرحمن إبراهيم.
في مشهد من مشاهد الجلال.
وموقف يمثل نقطة فارقة في تاريخ البشر.
وقد رفع قواعد بيت الله الحرام.
ثم توجه هو وإسماعيل -عليهما السلام- إلى الله تعالى بدعوات.
لخصت منهج النبوة في هداية البشر.
وتركت لكل الأمم والحضارات والثقافات ميثاقا يحدد معالم المنهج الإلهي.
فكان من تلك المعالم:
{رَبَّنَا
وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا
مِنْهُمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكِّيهِمْ
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
سورة البقرة، الآية 128، 129.
فلخص الخليل عليه السلام مقاصد الرسالة المحمدية كلها في الأمور الثلاثة المذكورة.
وجعل التزكية آخرها.
***

وقد تكلم الله تعالى على المقاصد الثلاثة المذكورة في ثلاثة مواضع أخرى من القرآن.
فقدم الله تعالى التزكية.
وأخر سبحانه تعليم الكتاب والحكمة.
فقال سبحانه: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} سورة البقرة، آية 151.
وقال سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ اللَّـهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، سورة آل عمران، آية 164.
وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، سورة الجمعة، آية 2.
فأقر الله تعالى تلخيص مقاصد الرسالة المحمدية في الأمور المذكورة.
إلا أنه سبحانه قدم تزكية.
فجعلها متوسطة.
بين تلاوة الآيات، وبين تعليم الكتاب والحكمة.
وكأنها نتيجة للأول، ومقدمة وتمهيد للثاني.
فكانت التزكية مرادا ربانيا.
ودعوة إبراهيمية.
ومقصدا محمديا.
في غاية الأهمية.
***

والتزكية عمل تربوي جليل.
ومسلك نبوي شريف.
ووظيفة عظيمة، من وظائف الصادقين، الناصحين للخلق.
ومنهج طويل الأمد.
من التطهير والتنقية والتحلية والتخلية.
والبناء والرصف والصناعة والصياغة.
ثم الحفظ والصيانة.
ثم المعالجة الجزئية إن طرأ خلل.
بحيث يبدأ كل ذلك بالنفس خصوصاً.
ليتصاعد وينعكس منها على الذوات الإنسانية كلها، بكل مكوناتها عموما.
فإذا بالإنسان قد زكى نفسه.
فتزكت بذلك ذاته كلها.
قلباً وروحاً وعقلاً وجسداً.
فما أعجب هذا المفتاح.
وما أعجب هذا المسلك.
***
والتزكية منهج مركب.
من عشرات الإجراءات والخطوات.
والحلول العاجلة.
وخطط الإنقاذ السريع.
والتدخل الجراحي الدقيق.
في أعماق النفس.
إلى تلك المواطن التي تتكون فيها الأخلاق والميول والتعلقات.
فيجري استئصال لبعض الأمور.
وتغيير مسار بعض الأمور.
بحيث ينصبُّ كل ذلك على النفس البشرية.
تقويماً وتعديلاً وبناء ومعالجة.
مع شدة التذكير بالله تعالى في كل خطوة.
حتى تخرج النفس من كل ذلك وقد استنارت، وتخلت، وتطهرت وتزكت.
فلا تصدر إلى بقية ملكات الإنسان إلا تعلقا وانجذابا وانجرافا إلى الكمالات.
والشئون العلوية الإلهية الشريفة.
فتتكون بذلك النفس المطمئنة.
***

فكانت تزكية النفس شعاراً للملة المحمدية المعظمة.
تُبنى به النفوس.
على التطهر من الأهواء.
والتعالى والتسامي على حظوظ النفوس وأهوائها.
والترفع على التكبر والأحقاد والشحناء والظلم والطغيان والجشع والشره والخيانة والتحامل والمكر وغيرها من علل النفوس.
والحرص على تطهير النفس من تلك النجاسات والأوحال الباطنية.
والغوص إلى أعمق أعماق النفس.
عند المصانع الغامضة الكامنة في القاع.
والتي تصنع فيها التعلقات وبذور الأخلاق.
بحيث تتكون النفوس على التزكي والطهر.
فلا تنتج إلا الأخلاق الشريفة الراقية.
فيتحقق بذلك شعار الرسالة المحمدية.
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} سورة القلم، آية 4.
"إنما بعثت متمِّماً لمكارم الأخلاق".
***

كل ذلك مع استحضار أحوال السادة الأكابر.
أصحاب النفوس الكاملة الزاكية.
والبواطن الطاهرة المنيرة.
التي تطهرت من العلل والأهواء.
حتى غدت رياضا للتنزيه والأنس والتقديس.
وساحات رحبة للهدى والعلم والحكمة.
والمعاني القدسية.
والمعارف الإلهية.
والامتزاج بأنوار الوحي الشريف.
وشهود تنزل أنوار المولى سبحانه.
حتى تمتلئ تلك النفوس من تلك المعاني.
وتفيض عفافاً وطهراً.
وتمتلئ سعة ورحمة.
وتفقه مراد الله منها.
وترى كل شيء من أمور الأموال والأهواء والمطامع في حجمه الحقيقي.
وترى العواقب المريرة التي تنتهي إليها أحوال أصحاب الأهواء، المسرفين على أنفسهم.
الغارقين في اللذات العاجلة.
الغافلين عن شرف الدار الباقية.
المعرضين عن الله جل جلاله، وتعالت عظمته.
وحتى ترقى تلك النفوس في مراقي القرآن.
وتحبه.
وتمتلئ توقيرا وتعظيما لكلام الله الجليل.
وتفهم سر قوله تعالى:
{قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
فَصَلَّى
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}
سورة الأعلى، الآيات 14-17.
حيث جعل الله تعالى التزكية منهجا لبناء النفس.
يضاف إليه ذكر الله تعالى.
فيؤدي إلى استقامة، من أجلِّ معالمها الصلاة.
ومن أعظم ثمراتها إيثار الآخرة والتعلق بها.
ومن أسوأ مظاهر الحرمان من ذلك أن تنجرف النفوس إلى التهالك على الحياة الدنيا، وإيثار مظاهرها، وشئونها، وإجراءاتها.
***

فهذه البواطن الراقية.
وهذه النفوس الزاكية.
هي التي تحرر العقول من الظلمات.
وتحرر الهمم من الوهن والعجز.
وتدفع إلى عمارة الأرض.
وهداية الخلق.
ويرى الناس فيها ميراث النبوة موصولا وباقيا.
ويرون فيها الشعار المحمدي الجليل:
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}.
***

وللحديث بقية،،،

مشاركات القراء

نفتقد كثيرا دروس و خطبك يا

نفتقد كثيرا دروس و خطبك يا مولانا

نفتقد كثيرا خطب و دروسك يا

نفتقد كثيرا خطب و دروسك يا مولانا

ما شاء الله ولا بقوة إلا

ما شاء الله ولا بقوة إلا بالله فتح الله عليك وزادك من علمه يا استاذ اسامة والشكر للموقع الذي الذي اتاح لنا فرصة الاطلاع على اطلالاتك الاسبوعية

السلام عليكم ورحمة الله,

السلام عليكم ورحمة الله, دائما أحاول محاولات كثيرة لتزكية نفسي ومجاهدة نفسي الأمارة بالسوء, بأشعر بفرح كبير لما أقهر نفسي في شيء غلط هي عايزاه لكن في بعض الأحيان بتقدر علي نفسي والشيطان, اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك, جزاك الله خيرا يا شيخ أسامة.

اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها

اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها.

شكر الله لك وسلمت يداك وبارك لنا في قلمك.

أشكر إدارة الموقع وأهنئها على نجاحها في الوصول إلى عالمنا هذا وتسهيل إطلاعنا على أفكاره وكتاباته في كل مكان

الله الله ماشاء الله سيدى

الله الله

ماشاء الله سيدى ومولاى الدكتور أسامه جزاكم الله خيرا ورفع درجاتكم فى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء.

أكمل ياسيدى أكمل جزاك الله خيرا فما أعظم حديثك وما أروع مقالك جزاك الله عنا وعن المسلمين خيرا.

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.