2 فبراير.. عندما تحوّل ما بين المتظاهرين والنظام إلى دم

Feb 2 2012
آخر تحديث 14:08:12
ظهرت الجمال والخيول في الميدان لتهاجم المتظاهرين
ظهرت الجمال والخيول في الميدان لتهاجم المتظاهرين

الإثنين 2 فبراير أستيقظ من النوم لأمد يدي تلقائياً على الموبايل، وأحاول أن أرسل SMS لموبايل والدتي لأتأكد هل عادت الاتصالات أم لا؟

بمجرد أن ضغطت على الزر الأخضر للإدخال جاءتني الصفارة المتقطعة التي تفيد بأن خدمة SMS ما زالت متوقفة.

أنهض سريعاً لأفتح صفحة جديدة للمتصفح على الكمبيوتر، فيعطيني الرسالة السخيفة التي كرهتها منذ مساء 27 يناير "page cannot be displayed".

إذن ما زالت الاتصالات مقطوعة.. وما زالت كذلك آثار التظاهرات الهزلية المؤيدة لمبارك والتي اكتسحت جميع القنوات الحكومية وشبه الحكومية بعد خطاب الرئيس -الذي كان ما زال رئيساً في هذا الوقت- مرة أخرى أمدّ يدي للريموت لأفتح التلفاز وأتنقل بين القنوات.

الجزيرة.. البث مقطوع، سأحتاج للبحث عن تردد جديد، وليس هناك وقت الآن؛ فالواقع أن لديّ زيارة ضرورية لمركز الأشعة قبل أن أذهب إلى الميدان.. لنترك البحث عن الجزيرة لفترة المساء والسهرة!

إذن BBC.. لقطات من الميدان وأخرى للمتظاهرين المؤيدين لمبارك، ولقطة بانورامية توضّح ضآلة عدد المؤيدين أمام ماسبيرو.

القناة الأولى لقطة مقرّبة للمتظاهرين وعنوان من نوعية "تظاهرات لتأييد الرئيس والترحيب بخطابه أمس"، الشك يعبث في صدري منذ المساء، ما يحدث نوع من أنواع العبث، كنت -وبكل أسف- مِمّن تأثروا بخطاب مبارك العاطفي، وفكرت ليلتها لماذا لا ننتظر الستة أشهر، ثم يخبرني عقلي بأن الثورة سيتم تصفيتها في هذه الأشهر الستة، وبقيت هكذا حتى بدأت في المساء تظاهرات التأييد لمبارك وبدأت ملامح اللعبة تظهر، يعلن هو عدم ترشحه وتركه السلطة بعد ستة أشهر لتخرج تظاهرات التأييد ونحن شعب عاطفي بطبعه، وخلال هذه الأشهر يكون الجميع يطالب "بابا مبارك" بالبقاء.. بدأ رأيي يتذبذب مع كل لافتة واضحة ومكتوبة مسبقاً تظهر أمام الشاشة، وكأنها تظاهرة عفوية نظّمها محبو الرئيس..

إذن غالباً المهزلة ما زالت مستمرة..

عندما وصلت للمركز وجدت الجميع صامتين ينظرون في شاشة التلفاز الضخمة المعلقة في صالة الانتظار، وهناك رسالة جديدة يلقيها علينا اللواء إسماعيل عتمان، الذي لم نكن نعرف اسمه في هذا التوقيت، فكنا نتحدث عنه بصيغة "الضابط اللي صوته هادي وبيطمّن ده".

كانت الرسالة تطالب المتظاهرين بالعودة إلى حياتهم الطبيعية، وتوضح أن رسالتهم وصلت، وأن الجيش ساهر على تأمين الوطن.

شعرت بالقلق، فمنذ نزل الجيش الشارع لم يطالب المتظاهرين بالعودة، ومطالبته لهم الآن بعد خطاب مبارك، هل تعني أن الجيش سيحسم أمره وينحاز لمبارك؟

كانت هذه هي الخواطر التي تناقلتها خلايا مخّي العصبية، والتي فوجئت بأنها تدور على ألسنة جميع الجالسين في مركز الأشعة ليفتحوا حوار سياسي شيّق.

اتصلت بأصدقائي في الميدان؛ لأطمئنّ على الأمور، فكان الجواب أن الأمن مستتب، ولكن هناك قلق من رسالة الجيش، ولكن لا توجد أي تحركات للدبابات والمدرعات في الميدان بأي شكل يثير القلق.
أخبرتهم بأنني سأنهي مشواري ثم أعود للميدان في حدود الواحدة أو الثانية ظهراً.

في الواحدة ظهراً كنت أنهيت كل ما لديّ وعدت للمنزل وأستعد للذهاب إلى التحرير، لأفاجأ باتصال من أحد الأصدقاء في الميدان ليقول لي جملة مرعبة: "ماتيجيش الدنيا والعة"..

تساءلت عما يحدث فكانت الإجابة بأن هناك هجوما من بلطجية على الميدان، والوضع غير آمن، وصديقاتنا من الفتيات تم إخراجهن سريعاً من الميدان وهنّ الآن في طلعت حرب.

كانت هذه الردود المتلاحقة التي أخذتها على خلفية أصوات الصدام والصراخ، وكان يلهث وهو يجيب وصوته يتقطع تماماً.

انزعجت بشدة وبحثت عن تردد جديد للجزيرة حتى وجدتها أخيراً، وهنا اصطدمت عيناي لأول مرة بلقطات الجمال والخيول وهي تقتحم الميدان في شكل لم أتخيله، وكأني أشاهد لقطة من مسلسل تاريخي قديم تجري به معركة في الصحراء على ظهر البعير!
 
حُسِم الأمر إذن.. المهزلة مستمرة بكل قوتها، ومن حسن حظنا أن المعتصمين في الميدان لا يتمتعون بعاطفيتنا الحمقاء ولم يغادروه.

في هذه اللحظة اتجهت تلقائياً لأفتح صفحة متصفح جديد على الكمبيوتر وأنا أعرف النتيجة مسبقاً، ولكن فوجئت الصفحة يتم تحميلها.. "بص وطل" يظهر لي أخيراً بآخر تحديث كتبته مساء ليلة 27 يناير.


صرخت كالمجانين "النت رجع"، كانت عودة النت في هذه اللحظة هي بصيص الأمل الوحيد الذي أسعدني منذ الصباح.

بدأت أتابع ما يحدث؛ عين على شاشة التلفاز التي تعيد لقطات هجوم الخيول والجمال، وعين تدور على فيس بوك والمواقع الإخبارية..

وبدأت الحقائق تتضح، هجوم لبعض القادمين من نزلة السمان، يقال إنهم حضروا لفضّ اعتصام الميدان ومناصرة الرئيس، الموجودون في الميدان دحروهم بشكل بطولي، وهناك إصابات كثيرة.
 
رغم القلق كان هناك في هذه اللحظة شعور بالراحة لدحر القادمين، والمشهد الشهير لإنزال راكب الحصان من فوقه، وتجمع المواطنين حوله وضربه، كنت أعتقد أن هذا أسوأ ما سيحدث في هذا اليوم..

 

شاهد تصدي المتظاهرين لراكبي الجمال

 

إضغط لمشاهدة الفيديو: 
See video

بدأت وردية الأخبار، والمصائب تتوالى.. هناك هجوم حاد للبلطجية الذين يطلق عليهم التليفزيون الرسمي "مؤيدي الرئيس"، إن كان هؤلاء هم مؤيدو الرئيس فأي رئيس ذاك الذي يستعين بالبلطجية لتأييده؟!

مشهد مرعب آخر لانقسام الميدان إلى فريقين كل فريق يحظى بنصف الميدان ويتبادلون إلقاء الحجارة، صورة أخرى أيقونية ستصبح فيما بعد لقطة لا تنسى لانقسام الميدان..
 
الجو من حولنا مشحون لأقصى درجة، كافة القنوات التليفزيونية تؤكد أن ما يحدث لا يعدو خناقة بين مؤيدي الرئيس ومعارضيه..

تظاهرات أمام ماسبيرو، وأخرى انبثقت في ميدان مصطفى محمود تحوي عدداً من المشاهير كحسام وإبراهيم حسن وحسن شحاته وزينة ومرتضى منصور الذي طالب المؤيدين بالذهاب إلى التحرير وفضّ الاعتصام.

يأتي المساء ومعه الإنهاك لمن يتابع الأخبار، فكيف لمن يُضرب في الميدان، وتبدأ الإنذارات تتوالى عبر التليفزيون المصري عن معلومات مؤكدة عن اتجاه بلطجية وعناصر مندسّة إلى ميدان التحرير حاملين شعلات نارية وينوون حرق الميدان، ودعوة للمتظاهرين بإخلائه.

شاهد نداء التلفزيون للمتظاهرين بالرحيل خوفاً من كرات النار

 

وهكذا بدأ يوم من أسوأ أيام الثورة ترك أثر دامياً في قلوب الجميع، سمّي بالأربعاء الدامي، ففي الوقت الذي حذّر فيه بلال فضل عبر برنامج "العاشرة مساءً" من نية تصفية المتظاهرين الليلة والقيام بمذبحة، كان المتظاهرون بالفعل يواجهون هجوماً شرساً، سواء من قاذفي الرخام الذي تم نقله في عربات نقل خصيصاً للبلطجية، أو لزجاجات المولوتوف التي لا تنتهي، أو من القناصة فوق الجامعة الأمريكية، والموجودين عند كوبري أكتوبر..

استشهد وأصيب العديد من المعتصمين، وفقد كثيرون عيونهم في هذا اليوم، وقبل الفجر وجدتني أجلس فوق ركبتي أمام الشاشة أشاهد النيران وهي تشتعل في كل جزء من الميدان، ولقطات اقتناص المتظاهرين وقتلهم فوق كوبري أكتوبر على الهواء مباشرة..

شاهد اقتناص المتظاهرين وضربهم بالرصاص

 

كان وقع هذه اللقطات رهيبا، ففي هذه اللحظة أيقن الجميع أن المعركة مع النظام السابق أصبحت معركة حياة أو موت، وأنه لم يعد هناك أي مجال للتوافق، ما بيننا وبين النظام  أصبح حق الدم الذي سال والأرواح التي أزهقها، بخدعة وطعن في الظهر، فيظهر الموافقة في الوجه ثم يقتل من الخلف.. في هذه اللحظة وُلد هتاف جديد في الميدان يؤكد أن الهدف لم يعد فقط تنحي الرئيس عن الحكم وإسقاط نظامه، بل محاكمته أيضا.. وُلد هتاف "الشعب يريد إعدام الرئيس".

 

 

 

مشاركات القراء

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.