عرض "عمارة يعقوبيان" في أكبر ميادين مونتريال

Sep 2 2010
آخر تحديث 11:07:25
"عمارة يعقوبيان" بجانب الأعمال العالمية المُختارة للعرض
"عمارة يعقوبيان" بجانب الأعمال العالمية المُختارة للعرض

ليلة 29 أغسطس 2010 تضاربت المشاعر بداخلي، وأنا أجلس وسط العشرات أغلَبهم من الكنديين نشاهد معا في أكبر ميادين مونتريال فيلم عمارة يعقوبيان في إطار مهرجان مونتريال السينمائي الدولي، وصلنا قبل الميعاد بنصف ساعة تقريبا، فوجدنا المكان ممتلئا عن آخره، وهناك أيضا من يجلسون على العشب في الحديقة المحيطة أو الأرضية الصلبة للميدان، وجدنا من يُحضر كراسي بلاستيكية من مكان، وآخر يمنح وسائد للجلوس بشرط إعادتها بعد انتهاء الفيلم، العرض مجاني، الكثير من العائلات قادمة برمّتها إلى المكان، ربما أحضروا معهم مشروباتهم وبعض الوجبات الخفيفة، الكثير من الرجال والنساء العجائز جاءوا بكراسيهم الخاصة يفتحونها ويجلسون في ترقّب، لا أعرف من جاء خصيصا من أجل مشاهدة الفيلم المصري، ومن جاء فقط لمشاهدة فيلم والسلام خاصة في ليلة الأحد، والكثيرون لديهم عمل في صباح اليوم التالي.

الفيلم طويل، مليء بالكثير من الأشياء المؤذية لمشاعر ناس لديهم الثقافة والسلام النفسي للكنديين؛ فالعنف فيه غير مبرَّر بالنسبة لهم، فحاتم الشاذ لم يفعل ما يستحق القتل في النهاية، وكونه شاذا بسبب تعرّضه للاعتداء الجنسي من الخادم مجرد "كليشيه" يتعجب البعض كيف نرى الشذوذ الجنسي كمرض ونحاول علاجه أيضاً!.

والتظاهر في الجامعة لا يستدعي القبض على "طه" وتعذيبه والاعتداء الجنسي عليه، وزوجة الحاج "عزّام" لا تستحق الإجهاض، وزوجة "عبد ربه" لم تفعل ما يستحق أن يغتصبها زوجها وينام معها بالقوة؛ فقط ليثبت فُحولته التي تشكّ في ذهابها في تيار الشذوذ.

الفاسدون الحقيقيون في الفيلم كما في الحقيقة.. لا يُعاقَبون، فقط يدعمون بعضهم، ويمضون في طريقهم، ويستمرون في الفساد.. وينتهي الفيلم بزواج "بثينة" التي ربما رآها البعض رمزا لمصر من العجوز "زكي بيه".

عندما انتهى الفيلم وأدرت رأسي فوجئت بأن الناس بقوا في أماكنهم ولم يرحلوا رغم أن الفيلم تجاوز الساعتين، على عكس ما حدث في الفيلم المصري "عائلة ميكي"، والذي عُرض في السينما، ودخوله كان بتذكرة، ومع ذلك رحل البعض دون أن يُكملوه.

بدأت في سؤالهم عن آرائهم، وكنت فخورة بأن الفيلم فعلا قد حاز إعجابهم، بل وبدأ البعض منهم في التساؤل عن الأوضاع في مصر، فأجبتهم أنها لا تختلف كثيرا عن الفيلم، فهو من نوعية سينما الواقع.

رأى البعض أن الفيلم لا يُعتبر فيلما عنيفا بالنسبة للأفلام الحديثة، وأن العنف في مجتمعنا المصري في معظمه موجّه ضد النساء، وإن كان الفيلم متوازنا في عرض نماذج مختلفة من الرجال منها من يحترم المرأة بالفعل، كنت خائفة قليلا على صورة الإسلام داخل الفيلم، ولكن بدا أن معظم المشاهدين قادرون على فهم الخيط الرفيع بين التدين والتطرف، بل إن بعضهم اندهش من عدم تفجير "طه" لمكان كبير في المدينة التي تعجّ بالفساد وتستحق التدمير، واكتفى بالانتقام من الضابط الذي أمر بهتك عِرْضه.

ربما أكون من المؤمنين بأن الفن هو الأقدر على توصيل الرسائل في عالمنا اليوم، الفن الفلسطيني على سبيل المثال أقوى كثيرا من الهجمات التي نسميها "استشهادية"، فشِعْر محمود درويش وضع اسمه على أحد ساحات باريس، وستظل أجيال من الفرنسيين يسألون عن اسم صاحب الساحة ومدى أهمية قضيته -بالتأكيد سيسألون لأنها فرنسا وليست أرض اللواء- ولن يذكر أحد اسم أحد مجاهدي حماس بعد أن فجّر نفسه في المدنيين سوى الأمهات الثكالى أو الأطفال المنكوبين بموت ذويهم، سيتذكرونه باللعنات والرغبة في الانتقام ليس أكثر.

كذلك في مصر بعد سنوات لن يذكر التاريخ أسماء الساسة والفاسدين في مصر، لن يذكر أسماء القتلة وأصحاب الفضائح، وسيذكر التاريخ بالتأكيد الفنانين والمبدعين "غصب عن عين" السياسة التي تضع بعضهم في القائمة السوداء، مثل د. علاء الأسواني مؤلف الفيلم والذي لم تتم دعوته على افتتاح فيلمه بأوامر من وزير الثقافة.

لن يذكر التاريخ السيد الوزير سوى بثقافتنا المتدهورة ولوحاتنا وآثارنا المسروقة في عهده، رغم ظهوره في قلب صور العرض الخاص الكبير بدار الأوبرا، وسيظل اسم "الأسواني" لينير تتر الفيلم كلما عُرِض.

لن يغيّر مصر التظاهر الذي يعطّل المرور والتهليل الذي يُرهق الحناجر، ولكن سيغيرها العمل والإبداع والفن على كل الأصعدة، ربما نحتاج فقط كما قال المبدع د.محمد المخزنجي في قصته القصيرة الرائعة "زوموا".

 أن "نَزُوم" كما في تمارين الفوكاليز لنصنع لحناً واحداً، متسقاً، ومنظّما نوصل به رسالتنا دون غلوّ أو تطرّف.

وجوه الكنديين المصدومة عقب نهاية الفيلم، سرعان ما ستتحول إلى ابتسامة وهم يسلّمون الوسائد المريحة التي حصلوا عليها مجانا قبل الفيلم.. ربما يتناقشون سويا حول الفيلم والإسلام والأوضاع في بعض البلدان العربية حول أكواب القهوة وقطع الكيك، ثم يذهبون للنوم ويستيقظون ليذهبوا إلى أعمالهم وينسوا كل شيء عما شاهدوه يحدث في إحدى الدول النامية.

رغم الرسالة التي أراد الفيلم توصيلها "فما حكّ جلدك مثل ظفرك"؛ فنحن بجانب نقد الواقع والذي يشبه التظاهر والهتاف والبكاء على الأطلال أحياناً -وأقصد نوعية "حين ميسرة" و"إبراهيم الأبيض"- نحتاج إلى فن حقيقي مبني على روايات وأعمال عظيمة، يعلّم الناس حول حقوقهم وواجباتهم، حول أخلاقيات الطرق وآداب المرور، حول النظافة والأداء الجنسي، حول العلاقات والإنجاب والمسئولية.. فن حقيقي.. لا إعلانات سخيفة ولا نبرة خطابية متعالية، ونصائح مثالية، تجارب فنية حقيقية جيدة، تعلّم وتوصّل رسائل وتُمتع مشاهديها في الوقت نفسه، بعيدا عن استظراف السيت كوم، وإثارة "زهرة" مع أزواجها الخمسة، وانتقادات "الجماعة"، فنّ لا يحوي صفاقة تامر حسني وهبل محمد سعد.

سألني صديق كندي بعد انتهاء الفيلم: هل تستطيعين من راتبك أن تشربي قهوة كل يوم في "ستاربكس"، قلت له إنني لا أستطيع أن أوفّر لنفسي من راتبي أجرة تاكسي كل يوم، واضطر لركوب المواصلات العامة، وما أدراك ما المواصلات العامة!، وأمي تعمل في الحكومة منذ ربع قرن وتتقاضي ثلث راتبي فقط.. فلك أن تتخيل!.

 فسألني: وكيف تعيش أمك؟ فقلت له: هل تتذكر يوم قلت لي إنني أصنع من أشياء بسيطة أشياء مهمة وجميلة، هكذا تعيش أمي وربما الشعب المصري كله، وهذا هو الفن الذي أقصده، والذي أؤمن به، وبأنه سيقود التغيير في مصر بعيدا عن أبواق السياسة وادّعاءات المتفذلكين.

 

مشاركات القراء

لقد تألقتِ يا سماح بهذا

لقد تألقتِ يا سماح بهذا المقال الرائع، فالفنّ يهدم الحواجز ويبني الجسور بينَ الشعوب، وفي مقالكِ أحسست بصدق كلامكِ وصراحته المتناهية، فبوركت أناملكِ وإلى الأمام

انا عندى استفسار هو الناس

انا عندى استفسار هو الناس اللي بتشيد بالمقال انتو قرتوه كويس خصوصا الفقرة اللي بتكلم فيها عن الارهابيين الفلسطينين اللي يا حرام بيفجرو نفسهم في الاسرائيلين المسالمين الطيبين عموما لو انتو قراءتو الحتي دى و مرت عليكم مرور الكرام فيبقي بجد الف حسرة علي شبابك يامصر اللي فعلا مغيبين ارجو النشر لان ده رائ وانا حر فيه

انا معاك في كل اللي قلته فعلا

انا معاك في كل اللي قلته فعلا وجبة فاسدة وانا عن نفسي مش لاقي حاجة اضيفها بعد اللي انت كتبته واخر مرة هقراء فيها مقال للمدعوة سماح

رائع المقال ومن تألق

رائع المقال ومن تألق لتألق
تامر رسل الحرية مصر

هايل يا سماح

هايل يا سماح

"لفن الفلسطيني على سبيل

"لفن الفلسطيني على سبيل المثال أقوى كثيرا من الهجمات التي نسميها "استشهادية"، فشِعْر محمود درويش وضع اسمه على أحد ساحات باريس، وستظل أجيال من الفرنسيين يسألون عن اسم صاحب الساحة ومدى أهمية قضيته -بالتأكيد سيسألون لأنها فرنسا وليست أرض اللواء- ولن يذكر أحد اسم أحد مجاهدي حماس بعد أن فجّر نفسه في المدنيين سوى الأمهات الثكالى أو الأطفال المنكوبين بموت ذويهم، سيتذكرونه باللعنات والرغبة في الانتقام ليس أكثر."

هذه المرة تجاوزت كل حدودك يا سماح...
فهؤلاء الابطال قضوا يقاتلون اعداء الله و افلحوا في جعلهم يغادرون غزة و اذايالهم بين سيقانهم. هؤلاء نذكرهم بالفخر و ندعوا لهم بالرحمة.
اما من يجهل اسم "دارين ابو عايشة" مثلا و يحفظ اسم "هند صبري"
فهذا احد علائم الغيبوبة التي سقطنا فيها.
بالفعل قد تجاوزت حدودك هذه المرة. فمرة تبدين تعاطفا مع الشواذ ( الذين تسميهم مثليين) قبل ان يحذف الموقع تلك الفقرة و مرة تقومين بالدعاية للقديانية و ها انت تقومين بلعن ساداتنا و احبائنا الإستشهاديين.
اذا كان هذا الموقع منبرا للرأي فإني اطالب بمساحة لوضع مقال عن العمليات الاستشهادية اما اذا كان موقعا خدميا غير موجه فانا اطرح التصويت بين القراء على استمرار نشر مقالات سماح فليس من العدل اجبارنا على تناول وجبة فاسدة و حرماننا من غسل امعاءنا ايضا !

بسم الله الرحمن الرحيم -

بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد الله رب العالمين - سيدنا محمد و على اهله اصحابه اجمعين .
( ان الانسان الغربي دائماً ما يتصدم بالانسان العربي و احب ان اكمل حديثى باللغة العامية يعني الناس الى عايشة فى اوروبا و الغرب كاكل ديما وخدين عن العرب فكرة وحشة ديماً و مفيش حلقات وصل ما بنهم وبنا الا فى حدود الروتين يعني ندوات - ندوات ثقافية ليس لها صدي صوت كبير وهذا فى الجانب الذى تعيش فيه و الجانب الاخر او لو واحد عنده فكرة بسيطة بالعرب و عرف انك عربي ممكن يخاف منك و حنا مش بناخد منهم غير الامور الرفاهية فقط لا غير و العيب فى السياسة لانها بتربط كل حاجة ببعضها يعني لو انت انقطعت عن دوله او حبيت تخاصم دولة من الناحية الاقتصادية هتلاقى نفسك واقع فى مشكله ليه لان هذا البلد ان معها مش فى السياسة بس وفى الاقتصاد و مواطنون يعيشون فيها و ان تستورد منها اشياء هامه علشان كدة السياسة لها دور كبير اكبر مما يتفهمه الناس يارب يكون تعليقى على هذا الموضوع يكون كويس وشكراً ))

سماااااااااااااااااااااااااح

سماااااااااااااااااااااااااح المقال هايل جداً
كلامك موزون يا بنوته، ربنا معاكي

elnas elmo7dethah elli zayek

elnas elmo7dethah elli zayek ya Samah hia sabab daya3 Masr

الحل في الرجوع الى الدين

الحل في الرجوع الى الدين الصحيح ومنهج الصحابه والخلفاء الراشدين..

مقال جميل و أفكار متسلسلة

مقال جميل و أفكار متسلسلة

كلامك جميل جدا ربنا يوفقك

كلامك جميل جدا ربنا يوفقك

فنّ لا يحوي صفاقة تامر حسني

فنّ لا يحوي صفاقة تامر حسني وهبل محمد سعد.فعلا
هو الفيلم دا لسه بيتعرض عندهم

هو فعلا الفن اكيد مهم جدا 000

هو فعلا الفن اكيد مهم جدا 000 بس برده مفيش مانع من المظاهرات والمطالبة بالحقوق

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.