
أخيراً وبعد 14 عاما من المداولات صدر قانون تنظيم نقل وزراعة الأعضاء في مصر، هذا القانون الذي شهد جدلاً كبيراً بين نواب الحزب الوطني والمعارضة ليس بسبب خلافات موضوعية بشأن بعض مواده، ولكن بسبب عدم الثقة في وزارة الصحة بصفة خاصة والحكومة بصفة عامة بعد فضائح قرارات العلاج على نفقة الدولة، والتي تم تخصيصها لبعض نواب الحزب الوطني وبعض الوزراء..
لذا لا غرابة في أن يشهد هذا القانون الكثير من المداولات، خاصة وأنه نصّ في الكثير من بنوده على أن التفاصيل سيتم صدورها في لائحة تنفيذية تفصيلية بها.. "يعني أن وزارة الصحة وعلى رأسها الوزير هم الذين يقدِّمون التفسير لهذا القانون. وهنا كان الاعتراض".
لماذا القانون؟
إن صدور مثل هذا القانون يعد هاما بالنسبة للمشرِّع المصري، خاصة وأن الكثير من دول العالم، وكذلك بعض الدول الإسلامية مثل السعودية سبقت وأن أقرت مثل هذه القوانين مع اختلاف مضمونها.. لذا كان من المهم أن يتم صدوره، وهو ما أكد عليه الرئيس مبارك في افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة لمجلسي الشعب والشورى في نوفمبر الماضي، الأمر الذي أعطى دفعة قوية لهذا القانون؛ خاصة وأن هذه هي الدورة الأخيرة للمجلس قبل إجراء الانتخابات في أكتوبر القادم.. ولعل هذا يفسّر تعليق الدكتور فتحي سرور عليه بأنه إنجاز تاريخي يُحسب للمجلس.
أما السبب الثاني في صدور مثل هذا القانون، فهو مواجهة ظاهرة الاتجار في الأعضاء البشرية، والتي دفعت مصر لكي تحتل المرتبة الثالثة عالمياً في هذا الشأن، وهي فضيحة كبرى، لا سيما وأن عملية التجارة لا تقتصر على المصريين فحسب، وإنما تشمل أجانب تجرم قوانينهم عملية نقل الأعضاء، فيأتون إلى مصر "المريض والمتبرع"؛ لكي يتم إجراء العملية بمبالغ طائلة، خاصة في ظل كفاءة الأطباء المصريين في مثل هذه العمليات..
مواجهة تجار البيزنس
إذن القانون صدر لمواجهة تجار البيزنس الذين يتربَّحون من وراء تجارة الأعضاء؛ خاصة الكلى بين الأحياء، أو القرنية من ميت لحي، لذا فقد نص على تشكيل لجنة مسئولة عن تلقي طلبات التبرع بالمجان، وفي نفس الوقت تتلقى اللجنة طلبات من الأشخاص المرضى الذين يحتاجون إلى هذه الأعضاء.. يعني باختصار فإن المتبرع لا يعرف المريض، والذي يحدد هذا الأمر هو لجنة طبية مستقلة هدفها بحث تناسق الأنسجة بين المتبرع والمريض، والتنسيق في هذا الأمر، على أن تتم هذه العملية بالمجان، وبدون أي مقابل، ووفق نظام الدور، اللهم إلا إذا كانت هناك حالات حرجة تحتاج إلى سرعة نقل العضو لها، كمريض يخشى عليه الوفاة في خلال 24 ساعة، فهذا المريض قد لا يحتمل انتظار دوره.. لكن يخشى البعض من حدوث استغلال لحالة الضرورة، واللعب في الكشوف من أجل تقديم بعض المعارف في الدور.. وطبعا لن يتم هذا بالمجان.
وبالنسبة للأقارب فقد أجاز القانون أي يتم النقل بين الأقارب حتى الدرجة الرابعة، على أن يكتب المتبرع إقرارا بأنه فعل ذلك مختاراً وبالمجان، وبالنسبة للأجانب فقد أقر القانون أن يتم النقل بين الأجانب غير المقيمين في أرض مصر بشرط الحصول على موافقة دولتهم من ناحية، والسفارة المصرية في هذه الدولة من ناحية ثانية حتى يتم تلافي شبهة المتاجرة، ولعل سبب إجراء هذه العملية في مصر يرجع لوجود طرفي العملية بمصر، أو أن مصر تتوفر بها الخبرة الطبية الملائمة، وهذا النص روعي فيه بالأساس الأشقاء في فلسطين الذين لا يتمكَّنون بسبب ضعف الإمكانيات من إجراء مثل هذه العمليات في بلادهم.
صندوق تابع للحكومة
لكن هناك مشكلة في هذا القانون وهي الخاصة بفكرة وجود صندوق مستقل لقبول التبرعات العينية لحالات نقل الأعضاء، خاصة وأن بعضها يتكلف قرابة ربع مليون جنيه "نقل فصّ من الكبد"، وهل هذا الصندوق يتبع وزارة الصحة أم يكون صندوقا مستقلا؟، وبالرغم من تبني الدكتور زكريا عزمي الاقتراح الأول، إلا أن المهندس أحمد عز نجح في دفع الأغلبية للموافقة على تبعية هذا الصندوق لوزارة الصحة.
وهنا يثور التساؤل: ماذا لو عجزت التبرعات القادمة للصندوق عن تمويل عمليات النقل والزراعة للأعضاء، فضلاً عن الرعاية الصحية للشخص المتبرع بعضوه.. من أين ستأتي الوزارة بموارد إضافية لتمويل الصندوق؛ خاصة وأنها مدينة بأكثر من ملياري جنيه بسبب قرارات العلاج على نفقة الدولة؟
على أية حال فإن القانون صدر لإنقاذ سمعة مصر عالميا، والقضاء على تجارة الأعضاء.. لكن يبقى أن الحكم على نجاحه أو فشله مرهون باللائحة التنفيذية التي سيضعها وزير الصحة لتنفيذه من ناحية، كما سيتوقف على ضمير الأطباء أعضاء اللجان التي تحدد من له الأولوية في العلاج، وكذلك اللجنة التي ستحكم على المريض بأنه مات إكلينيكياً أم مات موتاً نهائياً، وبالتالي يجوز نقل العضو منه.









