
لم يعد دور الكباري مقتصراً على حل أزمة المرور الخانقة، بل تعدّاه إلى ما هو أكثر من ذلك؛ ففي الأعلى قد يكون الكوبري مجالاً لـ"فسحة" يستنشق فيها البُسطاء نسمات من الهواء العليل، وفي الأسفل قد يكون "غُرزة" لتعاطي المخدّرات أو "نَصْبة" لإعداد الشاي، أو مكاناً مناسباً لإلقاء القمامة وقضاء الحاجة، وفي أحوال أخرى "سكناً ومأوى".
تحت الكوبري سكان من البشر لهم قانون خاص؛ هو البقاء للأقوى، أساسيات حياتهم قائمة على البلطجة والدعارة وتعاطي المخدّرات والنصب والتسوّل وغير ذلك.
تجوّلت في هذا العالم "التحتي"؛ للتعرّف على أسراره وخباياه، وبدأت الجولة من أسفل كوبري أكتوبر بمنطقة "عبد المنعم رياض".
الهروب من الفقر
هناك.. وجدته نائماً على قطع من الأقمشة البالية في وضع "الجنين" داخل رَحِم أمه، عمره لا يتجاوز 15 عاماً ويُدعَى "محمد"، عندما اقتربت منه بدت عليه علامات الخوف والحذر من هذا الاقتراب، وقال بعد أن عرّفته بنفسي: "كنت فاكرك مِن البلدية".
وأضاف: "أنا أصلاً من محافظة الشرقية، وُلدت هناك وسط أسرة فقيرة؛ الأب يعمل حلاق حمير، وأمي خادمة في البيوت، قرّرت الهروب من هذه المعيشة، وحضرت إلى القاهرة، وكان عُمري 10 سنوات، عملت في مهن عديدة؛ بداية من التسوّل ومروراً بغسيل السيارات، ومؤخراً شيال في أحد المصانع، وهناك اتهمني مدير المخازن في المصنع بالسرقة، وهددني بالسجن، فخفت وهربت منه، ولجأت إلى النوم أسفل الكوبري".
سألته: وكيف تقضي يومك تحت الكوبري؟
قال: "أنا وسكان الكوبري نبدأ يومنا مع دخول الظلام؛ حيث أتوجّه إلى منطقة وسط البلد للتسوّل من أمام المحلات والسينمات وإشارات المرور، ثم العودة إلى هذا المأوى".
تقسيم المساحات أسفل الكوبري
ويضيف: "تحت الكوبري أمتلك مساحة محددة للنوم والإقامة فيها، وذلك مثلي مثل الآخرين، وليس لأي أحد منّا الحق في الاعتداء على مكان الآخر، أما مَن يأتون إلى الكوبري "طياري" بمعنى المبيت ليلة أو ليلتين، فهم غالباً من المحافظات البعيدة عن القاهرة، وهؤلاء يتم السماح لهم بالمبيت، ولكن بعد دفع المعلوم (الفلوس)".
وأكّد "محمد" أنه اعتاد على الروائح الكريهة أسفل الكوبري، وأصوات السيارات أسفل وأعلى الكوبري، ولا نشعر بأي سعادة أو مساعدة من أحد إلا في شهر رمضان من كل عام، حيث توفّر لنا موائد الرحمن الطعام.
رغيف خبز ملوّث وكوب شاي
أسفل كوبري "ثروت" كان نائماً دون غطاء لا يرتدي سوى "تي شيرت" وبنطلون، كانت عقارب الساعة في يدي تشير إلى التاسعة صباحاً، فحاولت إيقاظه، ولكنه لم يستجِب لي مطلقاً، تركته وتجوّلت بالمنطقة حتى بعد صلاة الظهر ثم عدت إليه مرة أخرى.
كان "حسين" جالساً في نفس المكان بعد استيقاظه، وكان في يده "رغيف خبز" ملوّث بالأتربة يتناوله بنهم، بعد أن تعرّفت عليه وقبل أن يوافق على الحديث معي قال: "هات لي شاي الأول"، فذهبنا إلى مقهى قريب، وبعد أن تناول كوب الشاي بدأ كلامه قائلاً: "منذ أشهر تحوّل المكان أسفل الكوبري إلى جراج للسيارات، ومن يومها لم أذُقْ طعم النوم، إلا لساعات قليلة؛ لأن السائس الذي يسيطر على المكان يتعمّد طردي منه، وقد عرضت عليه العمل معه من دون مقابل، فقط لكي يتركني أنام، لكنه يرفض ذلك بشدة؛ خوفاً من أن أتقاسم معه البقشيش".
ويضيف: "عمري الآن 22 عاماً، قضيت ثمانية أعوام منها في الشارع، ولا أستطيع العودة لقريتي في "العياط"؛ لأن أسرتي كلها تعيش في "عشة" على شاطئ الترعة، وحالتهم أسوأ من الوضع الذي أعيش فيه".
وأضاف: "عندما حضرت إلى القاهرة لأول مرة صدمتني سيارة، ونقلني الناس لمستشفى بولاق العام، وعندما خرجت منها أصبحت عاجزاً عن العمل، واحترفت التسوّل ومسح زجاج السيارات في إشارات المرور، ودفعني التشاؤم أكثر من مرة إلى التفكير في الانتحار، ولكنني أحاول نسيان ذلك، والتغلّب عليه بشمّ "الكُلة" أو تسوّل "نَفَس بانجو" من الشباب الذي يأتي إلى الكوبري لشربه".
الفضيحة أمام السياح
أسفل كوبري "الأزهر" وجدت أجساماً نحيفة لأطفال، مكوّمة وسط مخلّفات المنطقة التجارية والسياحية الشهيرة؛ منهم "محمود" (16 سنة)، والذي قال: "هذه المنطقة "لبش"؛ فرجال البلدية يطاردوننا كثيراً، ولذا لا ننعم بالنوم فيها إلا لساعات محدودة".
ويضيف: "ربما يكون السبب هو إقبال السياح على تصويرنا ونحن نيام تحت الكوبري، وأنا لا أجد في ذلك أي ذنب لنا، خصوصاً وأنهم يعطوننا بعض الأموال والأطعمة عطفاً علينا".
ويوضّح: "ننام تحت الكوبري في مجموعات، لا فرق بين شاب وفتاة، ولذا اعتدنا سماع وقوع حوادث اغتصاب وزنا وولادة سفاح، وفتيات الشوارع الآن يحملن المطاوي وشفرات الحلاقة، ويعمل أكثرهن في السرقة والنشل داخل الأسواق، والبلطجية وأصحاب الأقدمية في المنطقة يفرضون علينا الإتاوات مقابل النوم تحت الكوبري".
مسح الأحذية تحت الكباري
عم "حسن النوبي" -ماسح أحذية- يسكن هو وأسرته تحت كوبري الجيزة، ويقول: "يوجد بجوارنا أُسر أخرى؛ بعضهم يأتي فترة النهار للعمل، ويذهبون للنوم في الشوارع الجانبية، أما الذين ينامون تحت الكوبري فعددهم يصل إلى حوالي 20 شخصاً، وغالباً ما نتشارك الطعام سوياً".
"سعاد" (80 سنة) تسكن تحت كوبري رمسيس تقول: "لجأت إلى هنا بسبب جحود ابني وطردي من المنزل، وأبدأ يومي بالاستيقاظ عقب صلاة المغرب للتسكّع في الشوارع ومحطات القطار ومترو الأنفاق لطلب المساعدة".
واستطردت: "النوم تحت الكوبري لا يرحمني من مضايقات تلاميذ المدارس، الذين يقذفونني بالحجارة، ويقوم أصحاب المحلات بضربي إذا خرجت من أسفل الكوبري للجلوس أمام محلاتهم، علاوة على انعدام الحياء واستخدام المواطنين الكباري كمكان للتبوّل دون مراعاة لشعورنا، بخلاف تعرّضنا للإيذاء من الفئران والكلاب الضالة أثناء الليل".
عشة بدون دورة مياه
وأثناء مروري أسفل كوبري المظلات، وجدت أسرة بأكملها تعيش داخل مربع صغير جُدرانه من الصفيح، وبجواره "نَصْبة" لتحضير الشاي أمامها ثلاثة أطفال يرتدون الملابس المهلهلة، يُحيطون بسيدة في الخمسين من عمرها أمام "وابور جاز" عليه إناء به قطع من البصل، وخرج رجل يُدعى "سليم" من "العشة" ليقف أمام نصبة الشاي، الذي يعدّه للسائقين بالموقف المجاور للكوبري، وقال: "أعيش أسفل الكوبري منذ 7 سنوات؛ بعد أن طردني صاحب المنزل الذي كنت أقيم به، بعد تعثّري في دفع الإيجار، ولجأت أنا وأسرتي المكوّنة من 6 أفراد إلى الكوبري؛ ليستر عورتنا، خاصة أن لدي بنات في سن الزواج، واستصلحت منطقة أسفل الكوبري للنوم فيها، ونستخدم دورات مياه المساجد لقضاء حاجتنا والاستحمام".
ويضيف: "المسئولون بالحي لا يوفّرون لنا السكن الملائم، وقد تقدّمت بأكثر من طلب إلى المحافظة، ولكن لا حياة لمن تنادي، ولم يلتحق أبنائي بالتعليم، ودفعت بأولادي للعمل في مواقف السيارات، وبناتي يبِعْن المناديل في إشارات المرور، وحِلم حياتي هو أن أستر بناتي وأرحمهن من اتهامات الناس بأنهن يبعن أجسادهن مقابل المال، وأن شرفهن مباح لكلاب الليل".
الحقد والميول العدوانية
وفي هذا الصدد توضّح الدكتورة "جيهان النمرسي" -أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر- أن الإنسان عندما يختار أو يُجبر على المكان العام كمأوى له مثل الكباري يكون غير منتمٍ لأسرة، فيحاول اللجوء إلى الشارع لممارسة الأعمال ذات المكسب الكبير مثل البلطجة والتسول، والإنسان الذي ينشأ في هذه البيئة يكون حاقداً على الآخرين، وتكون لديه ميول عدوانية.
وأشارت إلى أن الخطر الأكبر يكون بالنسبة للفتيات؛ حيث تصبح أجسادهن رخيصة لمن يشتري، وبعضهن يقْدِمن على تعاطي المخدّرات؛ للهروب من الواقع، والأطفال الذين ينشأون في هذه الظروف يكتسبون صفات الكذب والسرقة وعدم احترام الآخرين، ويتعرّض سكان الكباري لصدمات نفسية منها تقلّص الطموح والرضا بالأمر الواقع دون السعي للتغيير، كما يصابون بالإحباط والضياع.
ثقافة تنمو في الظلام
المهندس "عمرو عرجون" -استشاري التخطيط بوزارة الإسكان- أكّد أن أسفل الكباري مناطق للمهمّشين الذين لا يجدون مكاناً طبيعياً لإقامتهم، فيكون عالماً خاصاً بهم تحكمه ثقافة نمت وترعرعت في الظلام، مشيراً إلى أن هذه المناطق ليست في حسابات الدولة، والمسئولون عن إنشاء الكباري يركّزون فقط على دورها في تيسير حركة المرور، ولا يُدركون أن هناك وظيفة أخرى للمناطق أسفل الكباري لا تقل خطورتها عن الناحية المرورية.
في حين أوضح مصدر مسئول بمحافظة القاهرة أن إدارة الكباري تتابع مع الأحياء إزالة الإشغالات أسفل الكباري، والعمل على إزالتها باستمرار.
وهكذا تتحوّل الكباري إلى مصانع جديدة لتفريخ المجرمين و"المسجّلين خطر" إلى المجتمع، لينتشروا كالسرطان ينهشون في جسده، والمسئولون يضعون أيديهم في المياه الباردة، وكأن ما يحدث موجود في بلد آخر غير بلدنا!.
فوق بقى يا اللي في بالي انت
فوق بقى يا اللي في بالي انت ونظيف واستعدوا للوقوف بين يدي الخالق للسؤال عن هؤلاء وابقوا شوفولكوا حجة يا رعاة الشعب
تحية لكاتب هذا التحقيق
تحية لكاتب هذا التحقيق واسلوبه البسيط الرائع هذا ما يسمى السهل الممتنع وشكرا له على طرح هذا الموضوع
انتم مستغربين كده ليه ؟؟؟؟
انتم مستغربين كده ليه ؟؟؟؟
إيه مفكرين نفسكم عايشين فين فى المملكه المتحده؟؟
النهارده وانا رايح شغلي وعند
النهارده وانا رايح شغلي وعند كوبري ميدان الجيزة شفنا العجب حيث وجدت أكثر من 10 اطفال يشربون بانجو دون ان يمنعهم أحد، فهل هذا معقول
الكباري اصبحت كارثة بدلا من
الكباري اصبحت كارثة بدلا من ان تتحول الى وسيلة لحل مشاكل المرور في القاهرة
حاجة صعبة عشوائية في كل شيء
حاجة صعبة عشوائية في كل شيء في هذا البلد المسكين
السلام عليكم،هذه القضيه خطيره
السلام عليكم،هذه القضيه خطيره جدا فعلا فالكباري اصبحت مكان مرعب فبخلاف حوادث السيارات التي تحدث فوقها، فيقع اسفلها كوارث اكبر بكثير فأنا بنفسي شاهدت محاوله اغتصاب لفتاة من قبل مسجلين خطر اسفل كوبري السيه عائشه ولولا تدخل الناس لوقعت الكارثه واعتقد ان هذا الامر يحدث كثيرا بعد ان تحولت الكباري لكهوف مظلمه دون ان يعيرها اي مسئول اهتمام، منير الشربيني /رجل اعمال
تحيه الى كاتب المقال الرائع
تحيه الى كاتب المقال الرائع الذي يدق ناقوس الخطر حول جريمه غايه في الخطوره فهذه الاماكن مصانع لتفريخ المجرمين الى المجتمع، محمود -مدرس فلسفه-
ا/ يوسف..بجد انت بتصعب عليا
ا/ يوسف..بجد انت بتصعب عليا من كتر المناظر اللي بتشوفها و تتعامل معاها
لي سؤال غريب هو فيه حد
لي سؤال غريب
هو فيه حد بيقراالكلام ده أصلا؟
مقال ممتاز وبحث جميل
بس هو مين بيقراه
فيه مسئول واحد بيقراه وبيروح يدور او يشوفوا حل
ولا إحنا بنعرف إن في مشكلة ونفضل ساكتين وبس
ياريت صاحب المقال يكمله بلقاء مع اي مسئول
من المسائيل اللي عندنا في الدولة هنا
ويسمع منه الرد اللي حيكون اغرب من الموضوع نفسه
انها حياة أموات لايعلم عنهم
انها حياة أموات لايعلم عنهم أحد شيئا فأصحاب السيارات الفارهة لاينظرون اسفل الكباري
كااااااااااااااارثة في بلد
كااااااااااااااارثة في بلد الحضارات بعد ان تحولت الى بلد الكباري
معقولة في كدا في قلب القاهرة
معقولة في كدا في قلب القاهرة سرقة واغتصاب وتعاطي مخدرات تحت كباريها
اولا احب اوجه التحية لموقع بص
اولا احب اوجه التحية لموقع بص وطل على القاء الضوء على هذا الموضوع لانه اصبح معاناة كبيرة ويشوة الوجة الحضاري للقاهرةويحول كبارييها الى مقلب كبير للمخلفات والقمامة ويزيد من نسبة التلوث بها ، محمد -فنان تشكيلي-
لهم الله اذا لم يتوفر لهم
لهم الله اذا لم يتوفر لهم السكن الملائم فماذا يفعلون ليس لهم إلا المأوى هذا عمااااااااااااااااار يامصر تحيا مصر ام الدنيا والبعض له فيلا كثيرة في امكان عدة
انا من سكان منطقة الملك
انا من سكان منطقة الملك الصالح وللوصول الى منزلي اضطر يوميا الى السير من اسفل الكوبري الذي كان قبل 5 سنوات عبارة عن مشتل جميل للورود ولكنة تحول الى مخازن لروبابيكيا المحلات المجاورة واصبح مأوى للفئران والثعابين علاوة على وقوع اكثر من حادث اغتصاب تحت هذا الكوبري
الموضوع فكرته حلوة قوي
الموضوع فكرته حلوة قوي وبيحذرنا من مشكلة قد لا يهتم بها كثيرون ولكنها خطيرة فعلا .. فأن اسكن بمنزل مجاور لاحد الكباري بمنطقة شبرا وقد تحول هذا الكوبري إلى وكر لتعاطي المخدرات ومأوى للمسجلين خطر حتى أصبحنا نخاف على أنفسنا الخروج ليلا من منازلنا وقد تقدمنا بالعديد من الشكاوي إلى مسئولي الأحياء دون جدوى فأرجو ان تهتموا بهذا الموضوع
معقولة كل دا تحت الكباري دي
معقولة كل دا تحت الكباري دي فعلا كارثة يجب أن يتحرك مسئولو الحكومة والجمعيات الاهلية للحد منها قبل ان تتحول إلى قنابل موقوتة
فعلا عالم غريب وكأنهم دولة
فعلا عالم غريب وكأنهم دولة داخل دولة
عمااااااااار يا مصر.. وبركاتك
عمااااااااار يا مصر.. وبركاتك يا حكومة












