
كتب: السنوسي محمد السنوسي
خلال الأسبوعين الماضيين كثر الحديث عن دور منظمات المجتمع المدني وعلاقتها بالدول الغربية التي تُموّلها، والهدف من هذا التمويل.. ومع الأسف تضاربت التصريحات والحقائق لدرجة تجعل الباحث عن الحقيقة في هذا الملف الشائك كمن يبحث عن إبرة وسط كومة قش.
وكنت أفضّل أن أبتعد عن هذا الموضوع إلى أن تنتهي التحقيقات وتعلن، ونكون ساعتها أمام حقائق لا اتهامات أو ظنون أو شكوك.
ولكني أدرك -من خلال إثارة هذا الموضوع في مرات سابقة- أن الحقائق لن تعلن بشكل كامل أو ستعلن متأخرة! ولذلك ليس أمامنا إلا أن نستكشف جوانب هذا الملف في إطاره العام بعيدا عن التفاصيل، التي لا سبيل إلى حسمها ومعرفة الحقيقة الكاملة بشأنها إلا بعد الانتهاء من التحقيقات.
• في البداية أبدأ بملاحظة أعتبرها مهمة وتدل على أمور كثيرة، وهي أنه حتى من أيام مبارك، كان ملف منظمات المجتمع المدني وتمويلها وعلاقتها بالدول الغربية لا يُثار ولا تتم الإشارة إليه؛ إلا عند حدوث توتر في العلاقة بين النظام البائد وبين تلك الدول خاصة أمريكا!! وهذا يعني أن هذا الملف برمّته به الكثير من الشبهات، أو على الأقل: التساؤلات التي تنتظر الحقيقة، والحقيقة الكاملة.
فإذا كان التمويل الأجنبي لهذه المنظمات سليما قانونيا مائة بالمائة، فلماذا يُثار فقط عند الخلاف مع الغرب، ولماذا يتم السكوت عليه عندما تكون هذه العلاقات مية مية؟!
• ثاني الملاحظات: أنه لا أحد يمكن أن ينكر الدور المهم الذي تقوم به هذه المنظمات في التوعية بحقوق الإنسان، ومراقبة أداء الأجهزة الحكومية في هذا الشأن، إلى غير ذلك من وظائف وأدوار نحتاجها فعلا، خاصة وأن دور المجتمع المدني بدأ يتنامى في أواخر القرن العشرين، ويعمل على إحداث توازن في مقابل دور الدولة التي تستحوذ على كل السلطات، وقد تستبد بالفرد -حتى في النظم الديمقراطية- ولذلك قد لا يجد الإنسان إلا تلك المنظمات لتوصيل صوته للجهات المسئولة ولمن يهمه الأمر.
هذه كله صحيح.. لكن السؤال: هل يمكن أن نتصور أن التمويل الغربي لهذه المنظمات - بل حتى المعونة التي تتلقاها الدولة نفسها- بريء تماما؟! بمعنى أنه ليست وراءه أهداف أخرى، قد تكون غير معلنة، وقد تكون مؤجلة أصلا؟!
إذا رجعنا لتاريخ علاقة الدول الغربية بالشرق عموما، حتى الشرق غير الإسلامي مثل الهند واليابان وجنوب شرق آسيا كله، نجد أنها كانت علاقة استعمار، ولم يكن الغرب ينظر إلى الشرق أبدا نظرة احترام وندية، أو حتى نظرة إشفاق ومساعدة!
طبعا أنا لا أنفي أن هناك منظمات في الغرب تسعى فعلا لخدمة الإنسان أيّا كان، واستطاعت أن تناصر قضايا الإنسان العادلة بغضّ النظر عن دينه وجنسه ولونه، مثل النشطاء الذين يتضامون مع الفلسطينيين وسقط بعضهم أمام الجرافات الإسرائيلية مثل الفتاة الأمريكية راشيل كوري.. لكن أنا أتحدث عن القطاع العريض من هذه المنظمات التي هي بالفعل منظمات مُسيّسة، ولها أغراض تتكامل مع مصلحة دولها، ولكنها تحاول تحقيقها عن طريق غير مباشر.. وإلا فما معنى أن يتصل وزير الدفاع الأمريكي بالمشير طنطاوي ليبحث معه أزمة منظمات المجتمع المدني؟!
الدول الغربية تحاول تحقيق مصلحتها عن طريق مسارين؛ مسار رسمي عبر علاقة الحكومات مع بعضها، ومسار شعبي بأن تتخذ من تلك المنظمات التي تمولها وسيلة للضغط على دول العالم الثالث حين تختلف معها تلك الدول الغربية.
وإلا فلماذا تسكت الدول الغربية عن وضع حقوق الإنسان في بعض البلاد العربية والإسلامية التي تقيم علاقات معها، ولماذا لا تثير قضية حقوق الإنسان إلا مع الدول التي تختلف معها؟!
لو كانت القضية هي قضية حقوق إنسان، لوجب على الدول الغربية أن تدافع عن حقوق الإنسان حتى لو استلزم الأمر أن تُدين حلفاءها وأصدقاءها!!
• أريد أن أبتعد قليلا لأرجع بك أخي القارئ إلى ما بعد الثورة مباشرة، عندما رفض الإعلامي حافظ الميرازي أن يستمر في قناة العربية (السعودية) لأنه اعتبر أن انفتاح أجواء الحرية بعد الثورة لا يبرر استمرار انتقاد مصر من خلال قنوات فضائية غير مصرية، ورأى أن الأَوْلى أن يتم استثمار هذا المناخ الجديد في الحديث عن مصر من داخل مصر، وتقنين هذا الانفتاح الإعلامي بدلا من مخاطبة مصر من الخارج.
ورغم أن البعض قد يختلف مع ذلك، ويعتبر أن الفضاء الإعلامي أصبح كله منفتحا على بعضه، وزالت الحواجز الإعلامية بالصورة القديمة، إلا أن ما فعله الميرازي يجعلني أتساءل للخروج من "الأزمات المتجددة" بشأن التمويل الأجنبي: لماذا لا تسعى تلك المنظمات التي يعمل بها مصريون ويشكلون فيها النسبة الأكبر، إلى تقنين وضعها والاقتصار على التمويل المصري، بعد أجواء الحرية؟! ولماذا لا تقدم الحكومة المصرية -عبر إطارٍ قانوني- الدعم المادي ولو بصورة جزئية لتلك المنظمات، على أن تكون خاضعة للرقابة تماما؛ حتى نقطع الطريق على من يستغل هذه المنظمات في الضغط على مصر وابتزازها؟!
• أنا أطالب الحكومة أن تعلن في أسرع وقت الحقائقَ الكاملة بشأن هذا الملف الشائك، وأن تستمر في ضبطه قانونيا بما يحافظ على سيادة مصر وحقها في ضبط وتنظيم العمل السياسي والحقوقي، وبما يتيح مجالا أوسع للمنظمات الأهلية لممارسة دورها في نصرة قضايا حقوق الإنسان، ونشر الوعي العام الحقوقي والسياسي.. حتى نقطع الطريق على الانتهازيين والذين اتخذوا تلك المنظمات "سَبّوبة" وطريقا لـ"إثبات الذات" على الخريطة، بعدما فشل بعضهم سياسيا، ووجد الطريق السهل في منظمات حقوق الإنسان!
• المنظمات الأهلية يجب أن تبقى عينا للداخل، تمارس دورها القانوني في التوعية والرقابة والمساءلة.. لا عينا للخارج، ووسيلة للابتزاز والضغط.









