
في مصر، قامت ثورة عظيمة، أسقطت نظاما فاسدا، اعتمد في بقائه على القهر والكبت والطغيان، وحوَّل البلاد من دولة قادرة على أن تقود الأمة العربية كلها، إلى عزبة كبيرة، يعيث فيها مماليك العصر الحديث فسادا، ويستبيحون أرضها وعرضها، ويضربون عرض العالم بمصالحها، ويضعون مطامعهم فوق مكاسبها، ويهبطون بها إلى كيان ضعيف غير قادر على النهوض أو بناء المستقبل، يحبط شبابه، ويستأصل كباره، ويحني هامة بلاده، فتتحوَّل من قائد للأمة، إلى تابع ذليل، لمن هم خارج الأمة..
ولهذا قامت الثورة..
ولهذا أيضا، سقط النظام..
ولكن سقوط أي نظام، ليس هو الثورة..
فالثورة ليست في إسقاط نظام..
بل في إقامة نظام..
ولكي يقوم نظام جديد، على حطام نظام قديم، لا بد أن نضع أولا استراتيجية واضحة، وأهدافا مباشرة.. ووسيلة صحيحة..
والمشكلة تكمن هنا في الوسيلة الصحيحة..
فمن المقولات -التي تتردّد كثيرا منذ قيام الثورة- أنه من المحتَّم أوّلا القضاء على كل من ينتمي إلى النظام القديم؛ للبدء في بناء نظام جديد..
والواقع أنها مقولة خاطئة تماما، على الرغم من أنها تبدو منطقية في الظاهر.
فالنظام القديم كان متغلغلا في كل نواحي الحياة تقريبا، ومن ينتمون إليه منتشرون على نحو يفوق التصوَّر؛ إذ إنهم لم يقتصروا على من يحتلون المناصب العليا وحدهم، بل يمتد أيضا إلى الصف الثاني منهم.
والثالث..
والرابع..
وربما الخامس أيضا..
فلو أنك وضعت هدفك في القضاء على كل هؤلاء قبل أن تبدأ مرحلة البناء، فسيؤدي بك هذا إلى نتائج لا تتفق مع تصوَّرك..
أوَّلها: أنك ستشنّ حربا على شريحة ضخمة من المجتمع، وهو ما سيدفعها للتآزر ضدك، كما يفعل أصحاب المصالح المشتركة، أو المخاطر المشتركة دوما، وحربهم لن تكون سهلة أو هيّنة؛ لأن جيشهم أكبر مما تتخيّل، وجنودهم منتشرون في كل مكان حولك، وهو مستفيدون من فسادهم، وسيدافعون عنهم وعن أنفسهم، ويشنّون عليك حربا مضادة، أو ثورة مضادة، إذا صح التعبير..
وستنشغل أنت بتلك الحرب..
وستسعى للانتصار فيها..
ولكن، مثلها مثل كل الحروب، ستهدم ولن تبني..
وستستهلك جهدك كله، فتضيع منك فرصة بناء المستقبل..
وثانيا: أن الشعب نفسه لن يحتمل حربك الطويلة والمستمرة هذه.. ربما يبدأها معك، ويستمر فيها بعض الوقت، ولكنه سرعان ما يشعر بالإرهاق، وتسير القافلة كما تسير دوما، بقدر احتمال أضعفها..
ورويدا رويدا ستنفصل عنك فئات من الشعب..
ثم تغضب منك..
وبعدها تنقلب عليك..
ثم -وهو الأسوأ- ستعتبرك عدوا؛ لأنك لم تحاول بناء شيء لها، وإنما انشغلت بتصفية حسابات قديمة، أو بالثأر من الماضي، ونسيت مستقبل الوطن..
ومستقبلهم..
المشكلة أنه لا يهم هنا إذا ما كنت على حق أم لا؛ فمع الوقت والإنهاك سينسى البسطاء أهدافك، ولن يعنيهم نبل الغايات، ولا سموا النيات..
لأنهم سيتعبون..
ويرهقون..
ويفقدون الشعور بالأمن والأمان..
وهذا ضدك، وضد ثورتك، على طول الخط..
وثالثا: أنك لن تستطيع -مهما حاولت- أن تقضي على الفساد قضاء تاما؛ لأن هذا لم يحدث قط عبر التاريخ، لا في هذه الثورة، ولا في أي ثورات أخرى؛ لأن الشيطان لن يتوقّف عن العمل؛ فقط لأنك أشعلت ثورة في بلدك..
هذا لا يعني أن تنصرف عن فكرة محاسبة كبار فاسدي النظام السابق..
ولكن يعني أن يسير الأمر في مضمارين متوازيين..
أن تحاسب الماضي..
وتبني المستقبل..
وفي الوقت ذاته..
فالسبيل العملي والمنطقي والوحيد لمحاربة الفساد، ليس في محاسبة من فسد بالفعل، ولكن في وضع منظومة جديدة؛ لكشف الفساد، وفضحه، وإيجاد آليات مكافحته، ومعاقبة من يمارسه..
وهذا يستلزم حالة من الاستقرار تتيح وضع تلك المنظومة..
فالفساد موجود في كل مكان..
وأي مكان..
في بلدنا، وفي كل بلاد الدنيا أيضا..
ضعاف النفوس يغريهم الشيطان بالفساد، حتى لو كانت عقوبته هي الإعدام، وسترى هذا واضحا في حالات الاغتصاب وتجارة المخدرات؛ إذ تصل عقوبة كل منهما إلى الإعدام، وعلى الرغم من هذا، فإنهما ما زالا يحدثان، حتى لحظة كتابة هذه السطور، وبعدها أيضا، إلى يوم الدين..
دعونا إذن نتوقّف عن تركيز كل اهتمامنا على فساد الماضي..
ولنبدأ بناء المستقبل..
فالوطن في الواقع يحتاج منّا إلى الكثير..
والكثير جدا..
جدا..
وهذا الشعب -الذي عانى كثيرا- عبر عقود من الزمن، ينتظر منكم أكثر..
ينتظر منكم المستقبل..
ينتظر إنصافه..
وتقليل معاناته..
والاهتمام بشأنه..
فإما أن تمنحوه هذا، أو حتى لمحة منه، أو تضيع من بين أيديكم الثورة..
تعالوا نبني..
ونبني..
ونبني..
في بلدنا ملايين من الفقراء..
ومئات الألوف من الأيتام..
ومئات الألوف أيضا من الأرامل والمطلقات اللاتي لا يملكن قوت يومهن، فتجبرهن الحاجة إلى دفع فلذات أكبادهن إلى سوق العمل؛ بحثا عن لقمة عيش..
في بلادنا مرضى، لا يجدون ثمن العلاج..
وشباب عاطل يبحث عن فرص للعمل..
وعمال باليومية يجوعون وتجوع معهم أسرهم، لو توقّفوا أسبوعا واحدا عن العمل والكفاح..
وكل هؤلاء لا تعنيهم محاسبة الماضي..
كل هؤلاء ينتظرون منكم المستقبل..
والبناء..
فأرجوكم.. أن تمنحوهم ما يريدونه، وما يتمنّونه..
ابحثوا معي عن أفكار تكفلهم..
وترعاهم..
وتحقّق لهم العدالة الاجتماعية التي كانت أحد أهم مطالب الثورة..
دعونا نتطلّع إلى المستقبل..
ونبدأ معا، رحلة البناء..
وللحديث بقية...
مقال مشجع فعلا لنحاسب رؤوس
مقال مشجع فعلا لنحاسب رؤوس الفساد ونترك الفاسدين الاخرين حتى نأتى بعد سنوات ونجد اننا لم نبنى شيىء لاننا نبنى وهم يهدمون وراءنا نتركهم لتتعاظم سلطتهم ويترقون فى المناصب وننفخ فى القربة المقطوعةوهذا يكون تأجيل للمشكلات لتظهر فى المستقبل ونحتار امامها مرة اخرى ياسيدى الفاضل لقد خصصت مقالة غير مقنعة لتثبيط الهمم من النزول لجمعة 9\9 الذى هو يوم عطلة رسمية فى مصر فلا تعطيل للاعمال وتتناسى الاضرابات المضرة فعليا مثل اضراب المعلمين وعمال النقل تلك الاضرابات المؤثرة على البلد وتتناسى ان الثورة لا تملك شيىء للأرامل وعمال اليومية بل هى تطالب بحقوق لهم ولا تملك الا المبادرات وتفعلها فلتخاطب اصحاب القرار والامر الذين لا يفعلون شيىء لهؤلاء الناس ولو حتى توفير الامن لهم
يقول الجليل - جل ثناؤه-
يقول الجليل - جل ثناؤه- "وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ..."
" لكن يعني أن يسير الأمر في مضمارين متوازيين..
أن تحاسب الماضي..
وتبني المستقبل..
وفي الوقت ذاته.."
المقال رائع ليس فقط ،
بل من أروع المقالات النقدية التحليلية لدور الفرد المصري الواعي حسب موقعه بعد الثورة
أشكر لك قلمك المميز سيادة الكاتب !
جزاك الله خيرا على كلامك
جزاك الله خيرا على كلامك الطيب دكتور نبيل وننتظر البقية بفارغ الصبر.
اتفق معك تماما د. نبيل ....
اتفق معك تماما د. نبيل .... نريد البنااء ثم البناء ثم الهدم









