بعد الثورة شعر البعض بالقوة وغيرهم بالضعف

Jun 28 2011
آخر تحديث 12:36:19
الإنسان يسعى دوماً لأن يكون عضواً في جماعة كبيرة
الإنسان يسعى دوماً لأن يكون عضواً في جماعة كبيرة

الضعف.. فيه تكمن معظم المشكلات..

فالإنسان، لأنه إنسان، ضعيف

وفي كل الأحوال، فالإنسان منذ الأزل وحتى نهاية الكون يسعى وراء أمر واحد لا غير..

القوة..

والسعي لامتلاك القوة ليس سعياً واضحاً أو محدوداً؛ لأن القوة في حد ذاتها أمر نسبى، يختلف مفهومه من إنسان إلى آخر، ومن فكر إلى فكر، ومن عقيدة إلى عقيدة..

البعض يرى القوة في المال، ويدفعه هذا للسعي خلف الثروة بطرق مشروعة أو غير مشروعة..

المهم الثروة..

والقوة..

والبعض الآخر يرى القوة في السلطة والنفوذ، وهذا يدفعه أيضاً إلى السعي خلفها، بأية وسيلة، وأي ثمن..

والبعض قد يراها في الإيمان، أو المكانة، أو عظمة الفكر، أو سعة الثقافة، أو... أو... أو...

ولكن الشيء المؤكّد الذي لا يمكن أن يختلف عليه أحد هو أن أكبر شعور بالقوة يكمن في الجماعة..

أية جماعة..

فالإنسان -لأنه يدرك ضعفه منفرداً- يسعى دوماً لأن يكون عضواً في جماعة كبيرة، تمنحه من اتحادها قوة، وتضمن له بين ذراعيها الحماية والأمان..

لهذا لم يعِشْ الإنسان وحيداً، وسعى لتكوين جماعات، وقبائل، وعشائر، وقرى، ومدن، ودول..

كل هذا من أجل أن ينتمي إلى جماعة ما..

وكلما كان الإنسان ضعيفاً سعى أكثر للانضمام إلى جماعات قوية..

وكلما كان هشّاً وجد الأمان في التفافه حول جماعة كبيرة، وفي التفافها حوله...

ولقد عبّر هذا عن نفسه في تلك الأيام..

لقد خرج الشعب كله، في جماعات كبيرة، يقاوم الفساد وتجاوزات السلطة، فصنع واحدة من أقوى وأعظم الثورات في التاريخ، وأدرك في ثورته قيمة الجماعة..

وعندما بدأت الثورة في تحقيق أهدافها شعر البعض بقوتهم، التي صنعت هذا التغيير العظيم، في حين شعر البعض الآخر بضعفهم، عندما بدأت الأمور تعود إلى دورة الحياة العادية..

وهذا أمر طبيعي..

لقد منحتهم الجماهير التي خرجت للثورة شعوراً بالقوة، وانتزعت منهم شعور الضعف، الذي لازمهم طويلاً..

وهم لا يريدون التخلي عن الشعور بالقوة..

ولا العودة للشعور بالضعف..

لذا، فبالنسبة إليهم، لا بد وأن تستمر حالة الثورة..

أياً كان السبب.. وحتى دون سبب..

المهم أن تستمر، ويستمر معها الشعور بالقوة؛ لأنه بدونها، فهم لا قوة لهم..

وهذا تحليل نفسي بحت، لا صلة له بتأييد أو رفض ما يحدث.. من الناحية العملية..

ولكي تدرك هذا تلفّت حولك، وانظر من هم أكثر الناس غضباً، وأكثرهم اشتعالاً، وأكثرهم مطالبة بالثأر، وبسحق كل ما ينتمي إلى النظام السابق، دون محاكمات أو ديمقراطية أو عدالة..

تلفّت حولك، وستجد أن معظم هؤلاء وهؤلاء هم أولئك الذين لم يتعرّضوا لأي قهر مباشر فيما قبل الثورة..

المشكلة أنهم عاشوا سنوات ما قبل الثورة في ضعف وخوف، من أن يصيبهم مكروه ما، من تعنّت أمني، أو تجاوز مهني..

عاشوا الضعف والخوف، اللذين الْتهما حياتهم، دون أن يتعرّضوا فعلياً لشيء ما..

وعندما اشتعلت الثورة، ونجحت، وسقط النظام القديم، تفجّر داخلهم غضب عارم، من الضعف والخوف اللذين عانوا منهما طويلاً، وثاروا على ضعفهم، وعلى خوفهم، وسعوا للانتقام، ربما أكثر ممن تعرّضوا للقهر والظلم والتعذيب فعلياً..

هذا لأنهم غاضبون من أنفسهم، وليس من النظام السابق فحسب..

غاضبون من ضعفهم، ويريدون الانتقام من مصدر هذا الضعف..

تماماً مثل الرجل الغاضب طوال الوقت من النساء، والثائر عليهن في كل مناسبة.. وحتى بلا مناسبة..

لو أنك تابعته جيداً، فستجد أنه يشتهي النساء طوال الوقت، واشتهاؤه لهنّ يُشعره بضعف نفسه، وتخاذل إيمانه، لذا فهو يغضب من نفسه، ويرفض الاعتراف بضعفها وضعفه، فيوجّه غضبه هذا إلى من يُبرز له ضعفه..
إلى النساء..

الوضع نفسه بالنسبة للشخص المتخاذل، ضعيف الإرادة، الذي كلما وجد موقفاً منفرداً يطلب حسماً وحزماً أدرك أنه ضعيف، قليل الحيلة، فيورثه هذا شعوراً بالغضب من نفسه.. ولأنه لا يريد أن يعترف بضعفه وتخاذله، فهو يعكس ذلك الغضب على من كان سبباً في شعوره به..

وكلما ازداد ضعف الإنسان ازداد اشتعال غضبه ممن أبرز له ذلك الضعف...

وازداد اشتعال رغبته المحمومة في الانتقام منه..

ألف مرة..

إنها إذن قضية ضعف، وليست قضية قوة..

الأقوياء يظلون أقوياء طوال الوقت..

منفردين، أو مجتمعين..

وحيدين، أو في قلب جماعات..

أما الضعفاء، فهم أسود في الجماعات، ونعام منفردين..

وهنا تكمن اللعبة كلها..

لعبة السعي المحموم خلف القوة..

أية قوة..

وبأي مستوى..

وتحت أي مسمى..

والأهم.. بأية وسيلة..

وما من ظروف تناسب هذا أكثر مما تمر به بلادنا، ويخوضه وطننا اليوم..

ظروف الفوضى...

ففي ظروف الفوضى يسهل على أية شائعة أن تنطلق..

ويسهل على الناس تصديقها..

بل إنهم يميلون إلى تصديقها..

وإلى الاندفاع خلفها..

باختصار يتحوّل الناس في ظل الفوضى إلى قطيع، يسهل توجيهه إلى أي اتجاه..

وكل اتجاه..

وهنا تأتي فرصة مَن لا يجدون القوة إلا في الحشد..

ومع الشائعة ينطلقون..

ويحشدون..

ويفرحون..

يفرحون؛ لأنهم خلقوا من ضعفهم قوة..

ولأنهم جعلوا من الآخرين قطيعاً..

هي إذن، وللمرة الثانية، مشكلة ضعف..

مشكلة حاشد ضعيف..

ومحشودون أضعف..

وفي كل الأحوال هي مشكلة واحدة..

وليست مشكلة قوة..

إنها مشكلة ضعف..

فقط.. ضعف.

 

مشاركات القراء

استاااااااااااااااااااااااااا

استااااااااااااااااااااااااااااااااااذ
ربنا يباركلك يا دكتور نبيل

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.