الله ليس منحازاً لأحد

Sep 8 2010
آخر تحديث 15:51:44
لا يمكن للإنسان سليم النية أن يتسامح مع جهل الناس بدينهم
لا يمكن للإنسان سليم النية أن يتسامح مع جهل الناس بدينهم

لا يمكن أن يتضايق الإنسان سليم النية من غيرة الناس على دينهم؛ لكن أيضاً لا يمكن للإنسان سليم النية أن يتسامح مع جهل الناس بدينهم وهم يدّعون الغيرة عليه.

أقولها من قلبي والله لكل الذين عاتبوني أو هاجموني أو شتموني أو كفّروني أو وافقوني أو اختلفوا معي بسبب كثير من المقالات التي نشرتها خلال شهر رمضان الكريم.. كنت أتمنى أن يتّسع المقام لمناقشة واستعراض كل الآراء التي جاءتني؛ لكن المساحة وإن اتسعت مؤخراً لا تزال تضيق عن ذلك، ومع أن بعض القراء يعتبرون أن مناقشة أناس خطّائين وغير متخصصين في الدين من أمثالي لموضوعات دينية أمر يدخل في بند المحرمات، ومع أنهم بذلك يُسقطون خصوصية الإسلام في أنه لم يجعل هناك قدسية لمن يطلق عليهم رجال الدين.

 ولم يسقط أبداً حق أي مسلم في التفكير والتأمل والنقاش والشك والنقد وإعمال العقل؛ حتى وإن كان خطّاء من الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً كحالاتي؛ لكنني على أية حال -وبعد تفكير عميق- قررت أن أهدي لكل القراء، على اختلاف آرائهم ومشاربهم وتوجهاتهم، هذه السطور الرائعة التي أحبها وأعود لقراءتها دائماً، وهي من كتاب مهم وجميل ومهضوم الحق، اسمه "القرآن والسلطان" للمفكر الكبير فهمي هويدي، وهي السطور التي يتضمنها فصل مهمّ اختار له عنواناً بديعاً هو "الله ليس منحازاً لأحد".

وأتمنى أن تستفيد من قراءتها والتفكير فيها؛ سواء اتفقت معها أو اختلفت، وسواء كنت تحبني أو تكرهني، وكل سنة وإنت طيب.

يبدأ الأستاذ فهمي هويدي فصله البديع قائلاً: "غاية ما في الأمر أن المسلمين يسمون أمة الإجابة، وغيرهم يسمون أمة الدعوة؛ فالجميع أمته".. بهذه العبارة يتحدث شيخ علماء المغرب "عبد الله كنون" عن ميزان العدل في الإسلام "بين جميع الطوائف والعناصر، من غير اعتبار لون أو نزعة أياً كانت".

وفي هذا الاتجاه تصبّ أفكار واجتهادات العديد من فقهاء المسلمين، الذين يبنون مواقفهم على حقيقة أن بني آدم خرجوا من نفس واحدة، وأن "الخلق كلهم عيال الله".. وهو اتجاه تحدد معالمه أبعاد قيمة العدل الإلهي، بكل تجرده وسموه؛ إذ لا انحياز ولا محاباة لأحد، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ بل إنه أمام "الموازين القسط ليوم القيامة" -بالتعبير القرآني- تسقط الهويات والأنساب والألقاب، ويبقى شيء واحد يُحتكم إليه في الثواب والعقاب، هو العمل الصالح أولاً، والعمل الصالح أخيراً.

وعندما وقف النبي عليه السلام فوق الصفا، ليقول لقريش كلها، ولأهله وابنته فاطمة على وجه الخصوص: "لا أُغني عنكم من الله شيئاً"؛ فقد كان على وعي تامّ بتلك الحقيقة، منذ تلقى التوجيه الإلهي {وأنذر عشيرتك الأقربين}، وعندما سجل القرآن الكريم في قصة سيدنا نوح كيف أنه أراد أن يشفع لابنه عند الله؛ جاءه الرد بالرفض القاطع، والسبب: {إنه عمل غير صالح}.. لا النسب ولا مكانة الأب الرفيعة عند الله تحول دون أن ينفذ عدل الله؛ لأن الأهم طبقاً لـ"الموازين القسط" هي ماذا قدّمت يداه هو؟ ماذا كان موقفه هو؟.. أين موقعه هو بين الخير والشر؟!

إن الله ليس منحازاً لأحد؛ هذه واحدة من الحقائق الأساسية في التفكير الإسلامي، التي ينبغي التنبيه والتذكير بها، من التبسيط الشديد للأمور، ومن الفهم المسطح والقاصر للإسلام أن يروّج البعض لفكرة أن الطريق إلى السماء حِكر على نفر من الناس؛ بل إنه من الإساءة إلى عدل الله أن يظنّ كائن من كان أنه صادر لحسابه مفاتيح الجنة وهو قاعد في مكانه؟! لقد حسمت نصوص القرآن الأمر منذ نزل كتاب الله قبل ١٤ قرناً.

عندما تخاصم أهل الأديان -والرواية يسجلها ابن كثير عن ابن عباس- فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك.. وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام وكتابنا نَسَخَ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمركم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا؛ فقضى الله بينهم، ونزلت الآية {ليس بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يُجْزَ به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً} [النساء: ١٢٣].. وخُيِّر بين الأديان فقال {ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً} [النساء: ١٢٥].

يضيف ابن كثير: إن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني؛ ولكن ما وقر بالقلوب وصدقته الأعمال، وليس كل من أدى شيئاً حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه على حق سمع قوله، بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان.

وفي تفسير الآيتين يقول الإمام محمد عبده: "إن الأديان ما شُرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء والمدح بها، بلَوْك الألسنة والتشدّق في الكلام؛ بل شُرعت للعمل؛ وإنما سرى الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات وزعمهم أن فضلهم على غيرهم بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم؛ فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب، لا بأعمالهم".

ثم يضيف الأستاذ الإمام: "إن كثيراً من الناس يقولون تبعاً لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟ أي دين أرشد إرشاده؟ أي شرع كشرعه في كماله؟ ولو سئل الواحد منهم، ماذا فعل للإسلام، وبماذا يمتاز على غيره من الأديان، لا يجد جواباً.

وفي هذا السياق نزلت الآية: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً} [النساء: ١٢٤]، التي يعقّب عليها الشيخ محمد رشيد رضا في "تفسير المنار" بقوله: أي أن كل من يعمل ما يستطيع عمله من الصالحات، وهو متلبس بالإيمان مطمئن به؛ فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر يدخلون الجنة بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم. ثم يضيف معقباً على الآيتين [١٢٣-١٢٤] أن فيهما من "العبرة والموعظة ما يدكّ صروح الأمانس ومعاقل الغرور التي يأويإليها الكسالى".

الجُهّال والفُسّاق (كذا!) من المسلمين، الذين جعلوا الدين كالجنسية السياسية، وظنوا أن الله العزيز الحكيم يحابي من يُسمّى نفسه مسلماً، ويفضّله على من يسميها يهودياً أو نصرانياً بمجرد اللقب، وأن العبرة بالأسماء والألقاب لا بالعلم والعمل

عن المصري اليوم (بتصرّف)
بتاريخ 8/ 9/ 2010

مشاركات القراء

أنا أتفق معك فدائما ما تسائلت

أنا أتفق معك فدائما ما تسائلت عن لقب (أشرف الأنبياء و المرسلين) هل هناك نبي يعلو شرفه على الآخر وذلك يتعارض مع الآية (لا نفرق بين أحد من رسله )

يعنى نعمل ايه فى الاية

يعنى نعمل ايه فى الاية القرآنية(ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الاخرة من الخاسرين)......والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين

ولكن كيف نفسر الآيات الكثيرة

ولكن كيف نفسر الآيات الكثيرة والتى يحضرنى منها بسم الله الرحمن الرحيم (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.