
كل شيء هنا في "سان فرانسيسكو" ينبض بالحياة، كل شيء هنا في تلك المدينة الأمريكية منظّم، ويمكنك أن تعرف بسهولة من أين بدأ وأين سينتهي.. لن أُحدّثك عن النظام أو احترام القانون؛ فتلك أشياء مفروغ منها وقتلناها بحثاً وخرجنا بنتيجة واحدة نحفظها؛ ولكن لا نستطيع أن نطبّقها في بلادنا.. نتيجة تقول: "هذه شعوب خلقت القوانين واحترمتها؛ فمنحتها القوانين نظاماً ومستقبلاً واضح الملامح".
أعود إلى "سان فرانسيسكو"، المدينة التي بها كل شيء منظّم، وله بداية ونهاية؛ حتى المشرّدين الذين يملأون شوارعها، لأقول لك إن الشيء الوحيد غير المنظّم هنا هم المسلمون، وإن شئنا الدقة تعالَ نقول: المسلمون أصحاب الأصول العربية؛ لأن الأمريكان أصحاب الأصول الأمريكية أقوى مما نتخيّل هنا في القاهرة أو أي من العواصم العربية، ولذلك حديث آخر سنعود إليه.
أما المسلمون أصحاب الأصول العربية هنا في "سان فرانسيسكو"؛ فهم يطبّقون المقولة الشهيرة "اتفق العرب على ألا يتفقوا" بحذافيرها؛ فعلى قدر ما تمتلئ به الشوارع من مسلمين أصحاب أصول تونسية ويمنية وجزائرية ومصرية وفلسطينية وعراقية وشامية، على قدر ما توجد صعوبة في البحث عن تجمّع واحد منظّم يضمّ هؤلاء الإخوة في العروبة والإسلام؛ برغم أن الأمور هنا في "سان فرانسيسكو" -تلك المدينة التي لا ترفض عرقاً أو ديناً أو لوناً- تسمح بأي تجمع سواء كان تجارياً أو اجتماعياً أو حتى سياسياً.. هنا في "سان فرانسيسكو" شوارع صينية بالكامل لن تسمع بداخلها كلمة واحدة من اللغة الإنجليزية، وشوارع إيطالية وجمعيات خاصة بكل فئة وكل أقلية تدافع عنهم وتجمعهم، أما العرب والمسلمون فلا تسأل لأنك لن تجد ما يسرّك.
وتعالَ ببساطة لأصف لك هذا المشهد لكي تحكم أنت بنفسك.. في منتصف المدينة تقريباً كنا نتجول أنا وصديق مغربي وآخر سوداني بحثاً عن مسجد للصلاة، الصلاة وحدها لم تكن هي الهدف من رحلة البحث عن المسجد؛ فقد كانت تلك الرغبة في معرفة كيف يعيش المسلمون في الولايات المتحدة في ظلّ أجواء إعادة بعث روح 11 سبتمبر من جديد هي المسيطرة علينا في رحلة البحث هذه؛ الأمر لم يكن صعباً فـ"سان فرانسيسكو" كما قلنا هي مدينة كل الناس، وكما وقعت أعيننا على مطعم يمني وآخر سوري وقعت أعيننا بسهولة على "مسجد التوحيد".. هكذا وبكل بساطة لافتة كبيرة تعلو منتصف شارع في منتصف المدينة مكتوب عليها "مسجد التوحيد"، وأسفلها لافتة أصغر مكتوب عليها "مسجد الجالية اليمنية"، ولافتة على يمين واجهة المسجد لأسفل قليلاً كُتب عليها "المسجد اليمني".
دخلنا وصلينا وكان الحديث سهلاً؛ لأن أغلب الحضور كانوا من أهل اليمن المقيمين بأمريكا، وحينما سألنا على مساجد أخرى قالوا: إن بالمنطقة المحيطة -أي منتصف المدينة- وأبعد قليلاً توجد ثلاثة مساجد أخرى، وهكذا قالوا بالنص: "يوجد المسجد المصري.. ومسجد الآسيوي"... ذهبنا وشاهدنا اللافتات وهي تعلو تلك المساجد الصغيرة، وقفزت الملاحظة ذاتها أمام أعيننا نحن الثلاثة، وقلنا: حتى هنا قررتم الفراق يا عرب.
إنها عملية تمزيق واضحة للإسلام، وحالة عدم تعاون تجلب الخزي والعار، أنا لا أقول إنهم لا يتعانون ولا يلتقون؛ ولكن أي سبب يمكنه أن يفسّر حالة تجنيس المساجد بهذه الطريقة؟
هذه الصورة الصغيرة التي يمكنك أن تلتقطها لهذا المشهد في "سان فرانسيسكو" يمكنك أن تطبّقها على كافة الولايات الأمريكية التي يعيش بها مسلمون.
الأمر السابق مزعج؛ لأنه يوضّح لك سرّ الصورة المشوّهة التي نقدمها للأمريكان عن الإسلام، وسرّ ضعف اللوبي العربي والإسلامي داخل الولايات المتحدة؛ الأمر مؤسف لأننا تعوّدنا على أن الإسلام يجمع ولا يفرّق.
الأمر أيضاً مؤسف حقاً حينما تقارن وضع هذه المساجد وما يدور فيها من أحاديث وخطب، وبين مسجد الإسلام الموجود بأفقر أحياء "سان فرانسيسكو" وزوّاره أغلبهم مسلمون من أصول أمريكية.
المسجد رغم صغره وضعف إمكانيته عبارة عن مدرسة صغيرة يقوده إمام وخطيب خفيف الروح وصاحب فكرة؛ فقد قال في خطبة الجمعة ما يقوله خطباء المساجد في مصر طوال السنة، وقسم خطبته بذكاء ونظام إلى أقسام متساوية: الأول فقهي وديني، والثاني سياسي واجتماعي، والثالث عن نهاية شهر رمضان، كان حديث سلساً ومرحاً، كان مبتسماً طوال خطبته، وليس كهؤلاء الذين يصعدون للمنابر في مساجدنا، وهم يتلون الكلام وكأنهم "بيسمعوا" في حصة إنشاء.
وعلى عكس ما قد تتوقع كان متحزفاً ضد باراك أوباما، يراه رجلاً أبيض في جسد رجل أسود، وغاضباً من الدول الإسلامية والعربية؛ لأنها تفشل دائماً في اتخاذ مواقف واضحة وصريحة لحماية الإسلام والمسلمين، ثم بدأ يتحدث عن العشر الأواخر من رمضان، ويركّز على فقه المعاملات؛ وكأنه يرسم لوحة غاية في الروعة للإسلام وأخلاقه.
لا أعرف لماذا تمنّيت أن يكون للإسلام موطن آخر، وأنا أستمع إلى هذا الكلام المستنير وتلك الرؤية الإسلامية التقدمية؛ ولكنني عدت وتذكّرت حرب تجنيس المساجد في قلب سان فرانسيسكو؛ فتأكدت أن لذلك الأمر علاقة بتلك الأمنية.
نشر باليوم السابع
بتاريخ 7/ 9/ 2010
no comment مفيش تعليق يليق
no comment
مفيش تعليق يليق بايلي بيحصل اقل حاجه نقاطع سان فرانسيسكو
محافظه علي مشاعر الاسلام والمسلمين
شكرا بص و طل شكرا ليك أستاذ
شكرا بص و طل شكرا ليك أستاذ محمد دسوقي









