لمحات من حياتي (8) السادات ومراكز القوى

Sep 1 2010
آخر تحديث 12:00:12
إزالة مراكز القوى كانت ضربة ثعلب بحق
إزالة مراكز القوى كانت ضربة ثعلب بحق

بدأت مواجهة فريق الكبار مع أنور السادات في الاتحاد الاشتراكي؛ ذلك التنظيم الذي كان يسيطر على مصر كلها تقريباً، والذي كانت العضوية فيه حلماً يسعى إليه الكثيرون، باعتبار أنها تفتح معظم الأبواب المغلقة.. تماماً مثل الحزب الوطني الحالي، وعلى نفس النحو تقريباً؛ إذ كان أحد أهم مقوّمات النجاح في أية انتخابات هو أن تكون عضواً في الاتحاد الاشتراكي..

ولقد ذهب السادات لإلقاء أولى خطبه في الاتحاد الاشتراكي، ففوجئ، وهو رئيسه الأعلى، بأعضائه يهتفون باسم جمال عبد الناصر، وشاهد في عيون الكبار الذين يحتلون مقاعد الصف الأول، أنهم راضون عما يحدث، ومؤيدون له، وربما يحرّضون عليه أيضاً..

ولقد حسب فريق الكبار حساباته، باعتبار أنه فريق، يحتل أرفع المناصب في الدولة، ومنها مناصب شديدة الحساسية، مثل الجيش والشرطة والإعلام والأمن السري، في مواجهة فرد واحد، يحتمي بالشرعية فحسب..
ولكن حساباتهم أهملت أمراً واحداً..

أن السادات، بما له من تاريخ طويل، في الكفاح الشخصي، والتآمرات السياسية، لم يكن طيباً ساذجاً كما يتصوّرون، أو كما يبدو عليه، أو كما يريد هو أن يوحي به، وإنما كان ثعلباً..
وعلى أرفع مستوى..

لقد أدرك ما يحدث، فاتّبع مبدأ السير مع التيار، حتى يمكنه التغلّب عليه، وقام بدوره يُرسل التحية لروح جمال عبد الناصر، وينحني أمام صورته، ويمتصّ حالة التوتر، ثم ألقى خطبة أكّد فيها أنه يسير على خطى "ناصر"، وبهديه، وعلى دربه..

ولكن السادات كانت له سمة أخرى خطيرة..
لم يكن ينسى..
ولم يكن يغفر..
أبداً..

وبعد فترة قصيرة، من عناد الكبار معه، وإصرارهم على فرض وصايتهم وسيطرتهم عليه، قرّر هو أن يبرز ناباً واحداً من أنيابه؛ ليثبت لهم أنه قادر على الرد..
وكان من الطبيعي أن يختار الجهة التي حاولت إهانته..
الاتحاد الاشتراكي..
وبقرار مفاجئ عزل السادات أقوى خصومه، وهو "علي صبري"، من رئاسته للاتحاد الاشتراكي..
وكانت الصدمة..
صدمة للمجتمع المدني، الذي لم يتصوّر أن يُعزل البعبع الكبير من منصبه، وصدمة أكبر لفريق الكبار، الذي لم يتوّقع من السادات مثل هذه الضربة..

وبالطبع ناصب "صبري" السادات العداء، وراح ينفخ النيران في صدور الباقين، حتى اتخذوا جميعهم قراراً بالوقوف في وجه السادات؛ حتى يدرك حجمه الحقيقي..
ولكن أبسط قواعد التكنيك تقول: إنهم قد أخطأوا تماماً، في حسابات هجومهم على السادات، ولقد لخّص هو بنفسه فيما بعد هذا الخطأ، عندما كتب يقول: إنهم تقدّموا باستقالة جماعية؛ حتى يثيروا البلبلة في نفوس الناس، ورتّبوا لمظاهرات مفتعلة من الاتحاد الاشتراكي، تطالب بعزله وعودتهم، ولو أنهم أعلنوا استقالته هو، لكانت الضربة أنجح وأوقع..

وبغضّ النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أنور السادات، فقد أدار هذه الحرب القصيرة بعقلية ثعلب، وأنياب ذئب، وسرعة كوبرا، فانقضّ على خصومه جميعهم بضربة واحدة، وفي وقت واحد تقريباً، وبعد ساعات قليلة من إعلانهم استقالتهم الجماعية، بحيث لم يمنحهم فرصة للتدبير والتحرك، وكان لغطرستهم وشعورهم بالقوة الفضل الأوّل في عدم انتباههم، ونجاح ضربته المباشرة..

الأمر يذكّرني الآن بالدقائق الأخيرة من أحد أقوى أفلامي المفضلّة، وهو فيلم "الأب الروحي"، في الجزء الأوّل منه، عندما شعر "مايكل كورليوني" بالخطر من زعماء عائلات المافيا، بعد موت الأب الروحي، وأدرك سعيهم للتخلّص منه، فوجّه إليهم جميعاً ضربة واحدة، في نفس الوقت، وتخلّص منهم جميعاً، ليستقر هو على مقعد زعامة عائلات المافيا، ويصبح الأب الروحي لها..

لم نكن ندرك أيامها بالطبع ما يدور في دهاليز السياسة المغلقة، ولكننا فوجئنا بخبر الاستقالة الجماعية لأقوى رجال في الدولة، مما أثار بلبلة شديدة في الشارع، خاصة وأن أي اسم منفرد من تلك الأسماء، كان يكفي لإثارة الرعب في النفوس في ذلك الوقت..
ثم استيقظنا في الصباح التالي على خبر مذهل..
لقد سقطت الرؤوس..

الأسماء الرهيبة التي كانت تحكم المجتمع المصري كله، سقطت كلها في ليلة واحدة، ومن مقاعد السلطة والسطوة والجبروت، انتقلوا كلهم إلى زنازين السجون..
صدمة شديدة العنف، لو حاولت أن تتخيلّها بمقاييس هذا الزمن..
حاول أن تتخيّل أن تصحو يوماً، فتجد أن كل الأسماء التي يهتزّ لها الجميع في كل جوانب الدولة، قد أصبحت فجأة أسماء متآمرين، تلمّهم السجون، وينتظرون المحاكمات بتهمة الخيانة!!.
كانت ضربة شديدة القوة والعنف من السادات، خاصة وأن خبر سقوط الكبار، بعد قبول استقالاتهم، تواكب مع خبر تعيين أسماء جديدة في مناصبهم، بحيث لا يحدث أي فراغ في منظومة الحكم..
وكل هذا في ليلة واحدة..

 

كنت أيامها في السنة الأولى من المرحلة الثانوية، وأذكر جيداً كيف كان رد فعل الشارع، الذي اختنق طويلاً من سيطرة تلك الأسماء، والذي سعد سعادة جمة بسقوطها..
وكانت هذه أوّل خطوة حقيقية تضع السادات على مقعد الرئاسة الفعلي في عقول الجماهير، بعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر..
وبمناسبة عودة الحديث عن "ناصر"، أحب هنا أن أورد واقعة، انساب الحديث على الورق، فلم تحتل مكانها الصحيح منذ البداية..

فمع وفاة عبد الناصر، وكإجراء تقليدي، كان الكل يتوقع أن يكون موضوع التعبير في امتحان اللغة العربية في الإعدادية يدور حول تاريخه، لذا فقد راح المدرّسون يضعون موضوعات تعبير نموذجية، ويدعون الطلاب لحفظها عن ظهر قلب، ولكنني، ومنذ حداثتي، أكره تماماً فكرة الحفظ السلبي هذه، بل وأرفضها.. وبمنتهى الشدة..
كان عمي "وحيد" -رحمه الله- مديراً لمدرسة ابتدائية -آنذاك- وأحد فطاحل اللغة العربية، ولقد بذل جهداً كبيراً لإقناعي بحفظ موضوع تعبير عن عبد الناصر، ولكنه فشل تماماً؛ بسبب مقاومتي للفكرة من أساسها..
ثم دخلت امتحان اللغة العربية، وجاء موضوع التعبير بالضبط، كما توقّعه الكل..
ولكنه لم يأتِ على نحو مباشر..

لقد جاء يطالبنا بذكر زعيم عظيم، غيّر فكر أمة كاملة، واتبعه الملايين، وساروا على نهجه..
وبالطبع، كتب كل طلاب مصر موضوعات تعبيرية عن سيرة جمال عبد الناصر..
فيما عدا أنا، على ما أعتقد..
فأنا لم أكتب موضوع التعبير عن "ناصر"..
كتبته عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم..
ما طالبنا به الممتحن بدا لي أقرب إلى الرسول الكريم، منه إلى "ناصر"..
وعندما علم عمي بهذا كاد يُصاب بأزمة قلبية، وثار ثورة عارمة، وأخبرني بأنني بهذا قد خسرت درجة التعبير، مما سيؤثر في مجموعي العام كله..

والعجيب أنني أيامها لم أبالِ، وازددت إصراراً على موقفي..
والأعجب أنني قد حصلت في ذلك الامتحان على درجة مرتفعة، توحي بأن موضوع التعبير الذي كتبته قد حصل على درجة ممتازة، على عكس ما تصوّره الكل..
وكان هذا درساً جديداً، وهاماً جداً في حياتي..
لا تتّبع دوماً خطى الآخرين، بل اتّبع ما تؤمن به، وما أيقن منه قلبك وعقلك..
فالإجماع لا يعني أبداً الصواب..
الإجماع قد يعني شيوع الخطأ، والاختلاف معه يعني وضوح الصواب..
وهذه ليست فلسفة خاصة، ولكنه مبدأ علمي عام، يعتمد على بناء الحقيقة على أسس محدودة؛ إذ ستبدو الحقائق كلها منطقية، استناداً إلى تلك الأسس، ولكن لو ثبت أن هذه الأسس غير صحيحة، فالحقائق كلها ستختلف عندئذ..
وللتوضيح أكثر دعنا نفترض أننا قد غذّينا جهاز كمبيوتر بمعلومات خاطئة، باعتبار أنها أساسيات، ثم طلبنا منه حل معضلة ما، فإنه سيقوم بحلها على نحو منطقي، نسبة إلى معطياته التي غذّيناه بها، على الرغم من أنها معطيات خاطئة تماماً..

أما بالنسبة للإجماع، فماذا لو أنك تسير مرتدياً ثيابك وسط معسكر للعراة؟! إنهم جميعاً يتّفقون بالإجماع على التجرّد من الثياب، وستبدو أنت شاذاً وغير طبيعي وسطهم، ولكن مَن في الواقع هو الطبيعي، ومن المخطئ..
قضية فلسفية وعلمية، تحتاج إلى سنوات من القراءة والدراسة والتفكير، حتى تدرك ماهيتها في وضوح..
ولكن دعنا نعود إلى ذكريات بدايات انطلاقة السادات، فما أذكره هو أنها كانت بالفعل انطلاقة قوية..
إلى أقصى حد..

 

واقرأ أيضاً

لمحات من حياتي.. ومات عبد الناصر (7)

لمحات من حياتي (6)

لمحات من حياتي (5)

لمحات من حياتي (4)

لمحات من حياتي (3)

لمحات من حياتي (2)

لمحات من حياتي (1)

 

                                              الرئيس السادات يتحدث عن مراكز القوى

 

إضغط لمشاهدة الفيديو: 
See video
مشاركات القراء

الله يرحمك ياسادات

الله يرحمك ياسادات

لمحات رائعه

لمحات رائعه

كما قلت يا د/نبيل مع الأختلاف

كما قلت يا د/نبيل مع الأختلاف أو الأتفاق مع السادات لا أعتقد أن ما أصطلح على تسميته مراكز القوى كانوا خونة أو عملاء بل على العكس كانوا هم من حمل البلاد وبناها فى وقت أزمتها الكبرى.
لا أتفق مع السادات ولا أختلف معه فى هذا الأمر ولكن كان هذا فى النهاية صراع على الحكم فأما أن تستمر الثورة أو ينهيها السادات ويصفيها ولا أرى أننا مطالبون باتخاذ جوانب معينة.

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.