
هل الجهاد فرض أم سنّة (تطوع)، ولو كان فرضاً فهل هو (فرض عين) على كل مسلم؛ أي واجب على جميع المسلمين فعله مثل الصلاة المفروضة التي لا بد أن يؤديها المسلم بنفسه وإلا تحمل الوزر والذنب.. أم أن الجهاد (فرض كفاية) أي لو قام به بعض المسلمين وحققوا الهدف منه؛ أي حققوا الكفاية، لا يتحمل البقية الوزر والذنب؟ حيث إن مجموعة أخرى من الناس قامت بأدائه نيابة عنهم؛ "فرض الكفاية مثل صلاة الجنازة.. لو صلّى بعض المسلمين الجنازة سقط أداؤها عن البقية؛ بحيث لا يحاسبون على تركها؛ وإنما فقدوا الثواب فقط.. أما إذا لم يُصَلّ عليها أحد فإن الجميع مذنبون ومحاسبون".
كل ما سلف أسئلة حائرة في أذهان الشباب المتحمس الغيور على دينه، والذي يحزن لما يحدث للمسلمين في فلسطين والعراق وغيرها..
لذا بات علينا توضيح هذه الأمور لهؤلاء حتى لا يدفعهم هذا إلى التهور بدافع النية الطيبة، وفعل أشياء قد يترتب عليها الضرر برغم أن القصد هو النفع.
الجهاد والقتال
بالطبع المقصود بالجهاد هنا هو القتال برغم من أن الجهاد -كما أوضحنا- أكبر وأشمل من فكرة القتال فقط على اعتبار أن هناك جهاد النفس والشيطان والمنافقين، وأخيراً الكفار..
لكن نحن نقصد هنا بالجهاد القتال، أو القتال المسلح تحديداً... أو المقاومة المسلحة.
وقبل ما نعرف حكم الجهاد هل هو فرض أم لا؟ لا بد أن نعرف أقسام الجهاد "القتال" لأن حكم الجهاد يختلف بحسب نوع الجهاد..
فالجهاد بمفهومه الشرعي الشائع ينقسم إلى قسمين أساسيين كما يقول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "فقه الجهاد - الجزء الأول"؛ فهناك جهاد الدفع، وجهاد الطلب... ونعني...
جهاد الدفع "الضرورة"
جهاد الدفع يعني تعرض أرض الإسلام، أو إحدى الدول الإسلامية لغزو خارجي؛ بحيث احتل العدو مساحة -ولو قليلة- من أراضي المسلمين، أو اعتدى على أنفس المسلمين أو أموالهم وممتلكاتهم، وإن لم يدخل أراضيهم ويحتلها بالفعل (كما يحدث في هذا العصر من ضرب البلاد بالطائرات والصواريخ بعيدة المدى)، أو اضطهاد العدو المسلمين من أجل عقيدتهم وفتنتهم في دينهم، أو أن يكون قد تمكن من بعض المستضعفين من المسلمين من الرجال النساء والولدان.. ففي هذه الحالة؛ فإن مقاومة مثل هذا العدو الظالم المتكبر والوقوف أمامه بالسلاح ومقابلة القوة بالقوة، هو ما يسمى بجهاد الدفع مثل جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم لقريش في غزوتيْ أحد والخندق (لأنهم أرادوا مهاجمة المسلمين في عقر دارهم في المدينة، ومثل جهاد الجزائريين للاحتلال الفرنسي، وجهاد الفلسطينيين للمغتصب اليهودي).
حكم جهاد الدفع
في هذه الحالة يكون الجهاد فرض عين على أهل البلد الذي تعرّض للغزو، ولا يجوز لأحد التخلف عن الجهاد في هذه الحالة، وهذه الحالة هي التي تسمى النفير العام؛ بل إن الولد يمكن أن يخرج بغير إذن والديه، والمرأة من غير إذن زوجها؛ بل ذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجوز خروج الأطفال الذين يقدرون على الجهاد.. والسبب في ذلك أن التخلي عن الجهاد في هذه الحالة قد يصيب أهل المكان أو هذه الدولة بالدمار، ومن ثم فإن عصيان الأبوين في هذه الحالة لا يعتبر حراماً على الرغم من أن طاعتهما واجبة، ونفس الأمر بالنسبة للزوجة، والجهاد في هذه الحالة فرض على الجميع، والهدف منه حفظ الدين والدفاع عن حرمات المسلمين، أي مصلحة عامة تعود بالخير على الجميع من أهل هذه البلد، أما طاعة الأبوين والزوج؛ فهي مصلحة خاصة، والعام مقدم دائماً على الخاص..
وإذا تعارض حقان أحدهما للجماعة المسلمة، والثاني لبعض أفرادها؛ فإن حق الجماعة هو الأوْلى؛ لأن الفرد لا يستطيع أن يعيش بدون الجماعة (الدولة في هذه الحالة)؛ لذا يأثم الزوج إن منع زوجته، والأب إن منع ابنه البالغ عن الجهاد في هذه الحالة لأنه فرض عين.
ومعنى الكلام السابق أن ما يحدث في فلسطين يدخل في هذا الإطار.. أي أن الجهاد في هذه الحالة -أو ما يسمى بالمقاومة المسلحة- فرض عين عليهم في هذه الحالة.
وماذا عن الدول المجاورة للدول التي وقع عليها الاعتداء، أو ما يسمى في هذه الحالة بدول الطوق في حالة فلسطين مثل مصر والأردن ولبنان وسوريا؟ هل عليها الجهاد؟ أو باختصار: هل الجهاد على هذه الدول فرض عين أم فرض كفاية؟
الإجابة: حسب قدرة أهل البلد التي وقع عليها الاعتداء على رد هذا الاعتداء؛ فإن قدرت على رد هذا الاعتداء؛ فليس على الدول المجاورة شيء في هذا؛ فهو فرض كفاية بالنسبة لهم في هذه الحالة، أما إذا لم يقدر أهل البلد على مواجهة العدو، تعيّن "أي صار فرض عين" على الدول المجاورة الجهاد معهم حسب القرب أو البعد وفق قاعدة الأقرب؛ فالأقرب.. كما قال الله تعالى في سورة الأنفال {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ}.
بل أكثر من ذلك؛ فقد ذهب أهل الفقه إلى أنه في حالة تخاذل أهل البلد التي تعرضت للاحتلال عن مقاومة العدو؛ ففرض على من وراءهم من المسلمين أن يقوموا بالجهاد في هذه الحالة؛ لأن كل أرض إسلامية هي ملك للمسلمين جميعاً. لا ملك سكانها وحدهم؛ "يعني مثلاً لو فرطّ أهل فلسطين في الدفاع عن المسجد الأقصى؛ فإنه يتعين على دول الجوار الإسلامية النهوض للدفاع عنه وفق قاعدة الأقرب فالأقرب؛ لأن الجهاد في هذه الحالة فرض عين، ولأن الأقصى ملك للمسلمين وحدهم وليس ملكاً للفلسطينيين فقط...
لكن هنا لا بد من توضيح أمر في غاية الخطورة حتى لا يساء الفهم -والكلام للقرضاوي-وهو أنه لا ينبغي فهم أن الجهاد صار فرض عين على دول الجوار الإسلامية والدول المجاورة لها، أن تقوم كل هذه الدول بالوصول إلى الأرض المحتلة؛ فقد لا تتاح الظروف لذلك، أو لا تستطيع الدولة المحتلة أن تستوعب كل هؤلاء، كما أن من شأن هذا تَوَقف الحياة في سائر البلاد الإسلامية، ومن هنا فإن العبرة ليس بالانتقال الجسدي؛ وإنما يمكن مساعدة هؤلاء من خلال المال إن كانوا في حاجة إليه، أو بالسلاح، أو إلى أهل الخبرة من الرجال مثل الطيّارين، أو قادة المدرعات أو ما غير ذلك..
باختصار: إن فرض العين في هذه الحالة يمكن أن يتحقق بأكثر من وسيلة وليس بالانتقال فقط إلى الدولة المحتلة.
لكن ماذا عن النوع الثاني من الجهاد، وما هو حكمه؟ هذا ما سنتناوله في المقال القادم إن شاء الله.
اقرأ أيضاً:
في معنى الجهاد.. جاهد نفسك قبل مجاهدة عدوك (1)
مع القرضاوي.. الجهاد ولا التربية.. ربّي نفسك أولاً (2)
مع القرضاوي: رسالة للفنانات المحجبات.. الاعتزال ليس الحل (3)









