
خطأ شائع.. وتصحيح واجب
يخطئ الكثيرون تَصوُّر حروب العرب القدامى، فيتخيلونهم جموعًا غفيرة مكشّرة عن أنيابها تندفع لساحة المعركة مهرولة، فتلتقي وتتضارب بالسيوف حتى تفنى وتفوز الباقية بالغنيمة والمجد.
والحقيقة أن ذلك التصور به مجرد "قدر" من الصحة بالنسبة لبعض المعارك، وفق احتياج المعركة، وما يراه قادة الجيوش ملائمًا من أساليب، ولكن أن نعممه على كل الحروب والمعارك والصدامات بين العرب بعضهم بعضًا أو بينهم وبين غيرهم، ونتصور أن صراعات العربي كانت كلها مباشرة مقتصرة على التضارب بالسيوف في ساحات المعارك، فهذا أبعد ما يكون عن الواقع الذي يقول إن العربي المقتحم لعالم الحرب والسياسة والصراعات على السلطة -قبل وبعد مجيء الإسلام- كان يُقَدِّم التدبير على أي شيء آخر، الأمر الذي يبدو جليًا في قولين قويين أولهما للرسول عليه الصلاة والسلام: "الحرب خُدعة"، والآخر لخليفته الثاني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين قال إن الحرب تحتاج للرجل "المكيث" (أي المتريث المدبر لأمره).
واستُبعد أحد الصحابة من القيادة العسكرية لما عُرِف عنه من اندفاع دائم لساحة القتال. ولو لم يكن التدبير في الصراعات مقدّما على الكر والفر ما كان ليبرز في بداية الإسلام قادة حققوا له أكبر الإنجازات بدهائهم كعمرو بن العاص وخالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهم أجمعين.
مشكلة مصطلح
وأصارح القارئ أن ثمة مشكلة تواجهني عند الحديث عن المؤامرة عند العرب -تحديدًا خلال فترة ما بعد نزول الإسلام- وهي أن المسلمين الأوائل، خلال حربهم مع الكفار، كانوا يستخدمون أساليب التخطيط السري والتدبير بعيد المدى والخداع البارع، وهي أمور ترتبط في الذهن بالتآمر، ولكن من زاوية عادلة غير مرتبطة بما تعنيه كلمة مؤامرة في المعجم بأنها: اتفاق شخصين أو أكثر على فعل ضارّ.
فالصحابة استخدموا تقنيات المؤامرة لهدف نبيل وهو هداية العرب من الضلال إلى النور، مما يعني عدم انطباق معناها الأكاديمي الجامد عليهم، ولكن مع ذلك لا يمكنني تجاهل ما أحدثه المسلمون من تطوير للفنون الخداعية المرتبطة في الأذهان بالمؤامرات السرية، فضلاً عن واقع يقول إنهم إن كانوا استخدموا تلك الفنون لأغراض راقية، ونقّوها مما فيها من ارتباط شرطي بالمكاسب المادية وما يعلق بها من أمور مشينة كالغدر والخيانة، إلا أن الأجيال التالية -على طول التاريخ العربي الإسلامي- استخدمتها أحيانًا لخدمة المثاليات وأحيانًا أخرى لخدمة الطموح للسلطة والحكم، مما يعني ضرورة التطرق لها.
إذن.. فهو اتفاق مع القارئ، أني حين أتحدث عن فنون الخداع التي استخدمها الرعيل الأول من المسلمين ضد الكفار، فإني لا أعني أنهم كانوا متآمرين بالمرة.
الثقافة التآمرية عند العرب القدماء
عودة لحديثنا الأول، كما قلتُ لم يكن العربي المحارب مجرد حامل للسيف والرمح، بل كان -في أغلب الأحوال- مفكرًا مدبرًا مخططًا، خاصة لو كانت حربه حرب قبيلته أو عشيرته، لا حربًا فردية بينه وبين خصم أو أكثر.
والواقع أن الظروف المحيطة بالعربي -جغرافية وسياسية واجتماعية- كانت تفرض عليه أن يكون يقظ الذهن ملمًّا بما يدبّر الغير ولو لم يكن ذلك ضده.
جغرافيًا
فمن الناحية الجغرافية كان العرب محاطين بثلاث دول كبرى: الحبشة على الجانب الآخر من البحر الأحمر، وفارس من جهة العراق، وبيزنطة من جهة الشام، وكانت الأرض لا تهدأ إلا قليلاً من لهيب مؤامرات وصدامات تلك القوى مع بعضها بعضًا، بالذات القوتان المسيحيتان -الحبشة وبيزنطة- من جانب، وفارس من جانب آخر. فشهدت الأراضي العربية حملات لهذه أو تلك عبر تاريخ تلك الجيرة المقلقة معهم، سواء في الغزو الحبشي لليمن والمحاولة الفاشلة لأبرهة الحبشي للسيطرة على الجزيرة كلها، ثم الدعم الفارسي للثورة اليمنية على الاحتلال الحبشي، وقيام دولة المناذرة كمخلب قط لفارس، ودولة الغساسنة التي لعبت نفس الدور لبيزنطة، فضلاً عن جواسيس الدول الثلاث الذين كانوا يذرعون الأراضي العربية ذهابًا وإيابًا في هيئات تجار ورهبان وعابري سبيل.
وما سبق ليس كل شيء، فللأجيال الأكثر قدمًا من العرب خبرات لا تقل مرارة خلال فترة قيام المملكتين العربيتين "تَدمُر" في سوريا و"الأنباط" في الأردن، ومؤامرات روما للسيطرة عليهما، ولو توغلنا أكثر عبر الزمن لطالعنا خبرات دسمة مع الصراع العربي الآشوري، أي أن تلك الأرض لم تكن لتهدأ عبر تاريخها الطويل، فما إن يزول عدو طامع فيها حتى يبرز آخر، مما زرع في وجدان العرب عبر أجيالهم الأولى ووصولاً إلى ما بعد نزول الإسلام بقرون الاستعداد الدائم لتقبل وجود مؤامرة عليهم.
سياسيًا واجتماعيًا
وحدة قياس التجمعات البشرية العربية قديمًا هي -غالبًا- القبيلة، حتى فيما يتعلق بالمناطق التي شهدت تمدنًا متفاوت الدرجات مثل اليمن ومكة والمدينة والطائف، بقيت العصبية القبلية كعمود فقري للحياة الاجتماعية والسياسية. بالتالي كان طموح العربي مقسما على ثلاث: نفسه، عشيرته/ قبيلته ثم بلدته. فلو نظرنا لمكة كمثال لوجدنا كبار متنافسيها في النفوذ والسلطة -من أبناء القبيلة الواحدة- يتنافسون فيما بينهم ويسابق كل منهم الآخر على السيطرة والسطوة، بينما هو يتحالف من ناحية أخرى مع منافسه في سبيل المنافسة الأكبر التي تخوضها قبيلتهما ضد قبيلة أخرى، وتجد القبيلتان تتحدان لمواجهة أي خطر يتهدد المدينة التي تجمعهما، في تطبيق قوي للمثل الشهير: "أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب".
بل ربما تتحد أكثر من بلدة أو قبيلة على هدف واحد في بعض الأحيان لمواجهة خطر أكبر، كاتحاد بعض قبائل العرب ضد الفُرس في معركة "ذي قار" في عصر ما قبل الإسلام، أو اتفاق المدن والقبائل على التصدي لأبرهة الحبشي، أو تحالف الأحزاب بقيادة قريش وغزوهم المدينة في غزوة الخندق للقضاء على ما اعتبروه خطر الإسلام.
تلك الطبيعة المعقدة للعلاقات السياسية/ الاجتماعية عند العرب كانت تجعل الزعيم العربي يرغب في تحقيق المعادلة الصعبة، وهي الانتصار على خصمه دون تحطيمه، فقد كان كل منهما يعلم أنه قد يحتاج للتآزر مع هذا الخصم لمواجهة خطر مشترك، مما جعل الهدف الأهم في الصراعات على السلطة هو السيطرة لا التدمير، والأولى أكثر صعوبة من الآخر، مما كان يعني أن على صاحب الهدف أن يكون داهية حريصًا ليحقق ذلك النجاح العسير، ولأن العرب كأهل للبادية وأرباب للحياة البرية الصعبة كانت حياتهم تفرض عليهم أن يكون لهم خيال واسع وقدرة كبيرة على الابتكار، فقد أصبح مفروضا عليهم أن يكونوا مبتكرين فيما يتعلق بمنافساتهم وصداماتهم، خاصة قبل أن يوحّدهم الإسلام.
الاتصال الحضاري
ومن أهم عناصر تطور المؤامرة كسلاح عند العرب اتصالهم بالقوى المجاورة، سواء من خلال السكن في مناطق متاخمة لها، كالغساسنة في الشام والمناذرة في العراق وقبائل جنوب الجزيرة، أو في الترحال للتجارة كالقائمين برحلتي الشتاء لليمن والصيف للشام، أو من خلال الأسواق التي كان يأتيها البشر من كل صنف ولون، وأخيرًا من خلال الاتصال الدائم بالوافدين للإقامة الدائمة كالعبيد من مختلف الجنسيات أو المهاجرين من دول أخرى نتيجة حرب دامية أو ثورة عاتية أو اضطهاد ظالم. كانت ثقافة العربي -بالذات المشتغلين بالسياسة والزعامة وخاصة من كان منهم على اتصال بحكام الدول الكبرى- قوية فيما يتعلق بفنون الخداع والصراع، حتى أنهم كانوا يميزون الخدعة العربية من الوافدة، بدليل ما قاله قادة جيش الأحزاب في غزوة الخندق حين وصلوا المدينة وفوجئوا بأنها محاطة بخندق عميق: "والله إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها"، وكان حفر الخندق فكرة سلمان الفارسي، رضي الله عنه. ذلك القول يفيد أن العرب كانوا على علم بفنون المكائد والمخادعات والتضليل وباقي فنون التآمر الحربي والسياسي.
الخلاصة
كان العرب إذن مؤهلين ليُحدِثوا تطورًا في ذلك العالم -عالم المؤامرات- وفنونه ومجالاته، ولكن ذلك لم يكن ليتحقق لو لم يمرّوا بفترة الصراع بين الإسلام والكُفر في أرض الجزيرة العربية. فقد كان ذلك الصراع ضروريًا إذ كان بمثابة "تدريب أولي" هام للجيل الأول من مؤسسي الدولة العربية؛ ليتمكنوا فيما بعد من الخروج ومواجهة الدول الكبرى الأكثر تمرسًا في حروب السيف والعقل.. فعن ذلك الصراع وما جرى فيه من تطور لفن التخطيط والتدبير والدهاء، نتحدث في المقال القادم إن شاء الله..
(يتبع)
مصادر المعلومات:
1- البداية والنهاية: ابن كثير.
2- محمد والذين معه: عبد الحميد جودة السحار.
3- تاريخ ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون.
4- الدهاء في الحرب: العماد/ حسن توركماني.
5- جزيرة العرب قبل الإسلام: برهان الدين دلّو.
6- موسوعة تاريخ العرب: عبد عون الروضان.
7- تاريخ الشعوب الإسلامية: كارل بروكلمان.
8- محمد نبي لزماننا: كارين أرمسترونج.
9- تاريخ العرب قبل الإسلام: د.محمد سهيل طقوش.
10- تاريخ العرب القديم: د.توفيق برّو.
11- تاريخ قريش: د.حسين مؤنس.
12- أطلس التاريخ العربي الإسلامي: د.شوقي أبو خليل.
اقرأ أيضاً:
تاريخ شكل تاني.. الــمُــؤامَــرة (1)
تاريخ شكل تاني.. الــمُــؤامَــرة (2)
تاريح شكل تاني... المؤامرة (9)
وليد أنا متابعة كل مرة بتكتب
وليد أنا متابعة كل مرة بتكتب فيها مقال جديد عن التاريخ بالشكل ده
أولا اختيارك للأحداث مغري جدا والأفكار نفسها مش مطروقة كتير
ثانيا الاسلوب والصياغة ممتعين جدا لدرجة اني مابقدرش اقفل الصفحة غير بعد ما اقرا مقالك للآخر
حقيقي... برافو
ومستنين منك دايما تاريخ شكل تاني ممتع وصادق
فعلا مقالات ديه خلتني اشوف
فعلا مقالات ديه خلتني اشوف التاريخ بشكل تاني
حقيقي مجهود جبار وافدني الي ابعد الحدود
مستني المقال الجاي بفارغ
مستني المقال الجاي بفارغ الصبر.









