الوزراء عندنا لا ينتحرون!

Aug 31 2010
آخر تحديث 13:18:34
في مصر لا يُقدَّم الوزراء إلى المحاكمة مهما تكن الأسباب
في مصر لا يُقدَّم الوزراء إلى المحاكمة مهما تكن الأسباب

كان طبيعيا أن تنفجر عاصفة من النقد والهجوم على فاروق حسني بعد سرقة لوحة زهرة الخشخاش من قلب متحف محمود خليل، وأن تنسب إليه -بالحق أو بالباطل- كل الاتهامات التي تجعله مسئولا عما يتعرض له التراث الفني في مصر من سرقة وضياع باعتباره الرئيس الأعلى لأجهزة الثقافة.

وحين تكشف التحقيقات عن أن وسائل الأمان وكاميرات المراقبة معطّلة بما يُثبت وجود خلل في أجهزة الإدارة العليا، فلا بد أن تزداد السهام الموجّهة إليه.. وسط طوفان من كبار الموظفين والمساعدين الذين يعيّنهم أو يستغني عنهم، وهم يمسكون في ظاهر الأمر بجزء من المسئولية، ولكنهم يخضعون للسلطة الكاملة للوزير. وهي قمة التناقض في الجهاز الوظيفي المصري: أن تكون مسئولا وغير مسئول في آن معا!.

وهذا بالضبط ما حدث في سرقة اللوحة؛ فقد وُجّهت تهمة الإهمال الذي أفضى إلى السرقة إلى رئيس قطاع الفنون التشكيلية، الذي اتّهم الوزير بأنه كان على علم بتعطّل وسائل الأمان في المتحف، ولم توفَّر له الإمكانات المادية لإصلاحها رغم الإلحاح. ولكن لا أحد يدري على وجه اليقين أين تبدأ مسئوليته وأين تنتهي مسئولية الوزير.. حيث لا يوجد تحديد دقيق للمسئوليات في هذا الجهاز البيروقراطي الضخم. كما أن أحدا لا يعرف حدود المسئولية السياسية والقانونية للوزير ولكل واحد من معاونيه.

والحقيقة هي أننا في مصر لم نشهد حالة واحدة حتى الآن لوزير اعترف بمسئوليته، أو قدّم استقالته نتيجة خطأ جسيم ارتكبه أو ارتكبه أحد مساعديه.. فلماذا نضع على رأس فاروق حسني كل المصائب والسرقات ومظاهر الفساد التي وقعت في وزارته؟!

قبل شهور قليلة أزيح الستار عن أكبر فضيحة عرفتها وزارة الصحة في تاريخها، حين اتضح أن عددا من نواب مجلس الشعب استغلوا اعتمادات العلاج على نفقة الدولة في أغراض أبعد ما تكون عن علاج الفقراء ومحدودي الدخل من الميزانية المخصصة لذلك في وزارة الصحة. وأثبتت تقارير الرقابة الإدارية وجود تلاعب أظهر أن كبار المسئولين في وزارة الصحة متورطون فيه. واستدعى النائب العام وزير الصحة ليس للتحقيق، ولكن "لشرب فنجان قهوة". وكأن مساءلة وزير عن انحراف وقع في وزارته يُعتبر عيبا يجب التكتم عليه.

في حياتنا العامة لا يُسأل الوزراء عما يفعلون أمام الرأي العام. وقد أثيرت أزمة كبرى حول بيع أراضي الدولة بثمن بخس. وشنّت الصحف هجوما حادا على وزير الإسكان الحالي والذي سبقه. كما تكاثرت الاتهامات حول صفقات بيع أراضي الدولة للأقارب والمحاسيب.

وفي أكثر من حالة استُدعي الوزير إلى مكتب النائب العام، ولم يصدر بيان، ولم يهتمّ أحد بإطلاع الرأي العام على الحقيقة.

وحتى هذه اللحظة ما زالت قضية بيع الغاز لإسرائيل تثير كثيرا من اللغط. وأصدرت محكمة القضاء الإداري حكما فيها، لم تأبه الحكومة بتنفيذه ولا بالتعليق عليه.

وحين وقعت أزمة انقطاع الكهرباء بسبب حرارة الصيف وعدم قدرة محطات الطاقة على احتمال الاستهلاك الزائد للكهرباء، كشف المسئولون في وزارة الكهرباء أن نقص إمدادات الغاز الذي يذهب لإسرائيل بأسعار خاصة هو السبب. ولم تؤثّر البلاغات التي قُدّمت للنائب العام في شيء!.

في مصر لا يُقدَّم الوزراء إلى المحاكمة مهما تكن الأسباب، وإن كانوا في حالات خاصة جدا يتركون مناصبهم في هدوء. وهكذا سوف تظل الضجة المثارة حول سرقة لوحة زهرة الخشخاش، ويظل تبادل الاتهامات بين الوزير ومساعديه حتى تهدأ الضجة أو يكتشف مصير اللوحة المسروقة، أو تسرق لوحة أخرى ثمينة تغطي ضجّتها على ما سبقها!.

ولكن الوزراء عندنا لا يُحاسَبون، ولا يستقيلون، ولا ينتحرون كما يحدث في اليابان. فلكل بلد عاداته وتقاليده، ونحن نكره السرقة، ولكننا لا نحاسب عليها، والمفروض أن الدولة هي المسئولة، ولكنها في بلادنا ليست مسئولة!!.

نُشَر بالشروق
بتاريخ 30/ 8/ 2010

مشاركات القراء

الوزراء عندنا لاينتحرون

الوزراء عندنا لاينتحرون ههههههههههههههههههه

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.