تلعب الشكليات في حياتنا دوراً رئيسياً لا يمكن إغفاله، وغالباً ما يكون سبباً في وقوع أخطاء وكوارث غير متوقّعة نتيجة الإهمال وعدم الدقة وغياب الانضباط في السلوك والنظام. وعندما وقعت سرقة لوحة "زهرة الخشخاش" من مُتحف محمود خليل، لم يصدق الكثيرون ما تردد من شائعات بأن اللوحة قد أعيدت بعد بضع ساعات.
فالمعروف أن هذه اللوحة كانت قد سُرِقت من نفس المتحف عام 1978، ثم استعيدت بعد عامين من الكويت في ظروف غامضة لم تكشف تفاصيلها في ذلك الحين وحتى الآن. مما يقطع بأن اللوحة كانت مرصودة من عصابات تهريب التحف الفنية، وأن الغموض الذي أحاط بسرقتها في المرة السابقة قد يستمر أكثر من عامين هذه المرة!
وقد لاحظت أجهزة التحقيق مدى التراخي في إجراءات حراسة المتحف دليلاً على حالة اللامبالاة والفوضى التي تميّز المكان، وأثبتت الجولة الأولى من التحقيقات أن وسائل الإضاءة وكاميرات المراقبة لا تعمل إذا عملت إلا قليلاً منها، وأن أبواب المتحف مشرعة للدخول والخروج دون رقابة.
هذه عيوب منتشرة في كل المواقع والمرافق في مصر؛ حيث ينصرف الأمن إلى حماية الأشخاص بدلاً من المؤسسات والمقتنيات، وعندما وقع حادث غرق الفتيات في نهر النيل قبل أسبوعين، لم تستطِع شرطة المسطحات المائية التي سارعت لنجدتها أن تفعل شيئاً؛ فقد اتضح أن أجهزة الغطس والإنقاذ معطّلة لا تعمل.
ونحن لم نتعلّم من كارثة غرق عبارة السلام التي راح ضحيتها 1200 مصري، ولا من حرائق قصر الثقافة ولا من حوادث تصادم القطارات. وكلها نتيجة إهمال مركب من جانب البشر والآلة، أي من جانب موظفي الأمان والإطفاء من ناحية ومن جانب الوسائل والأجهزة من ناحية أخرى. ولكننا كما نعرف جميعاً نعتمد على ما يقوم به الحراس من "تتميم" شكلي للاطمئنان على أن كل شيء في مكانه، ثم ينتهي كل شيء.
ومع الأسف فإن المظهرية والشكلية والاستخفاف وعدم احترام الأرقام.. هذه الظواهر التي تملأ جوانب حياتنا وتُؤثّر على مهارة الصانع المصري والمهندس المصري والإنتاج المصري هي التي تقودنا خطوات إلى الوراء في شتى مجالات المنافسة. وقد انتقلت العدوى إلى الوزراء وكبار المسئولين.
فلم يعد أحد يعرف مثلاً هل انقطاع الكهرباء الذي يغطي محافظات عديدة بالظلام يرجع إلى اشتداد حر الصيف وزيادة الأحمال على الشبكة كما تقول وزارة الكهرباء، أم نتيجة لنقص إمدادات الغاز الذي يذهب لإسرائيل وينتقص من احتياجات مصر من الغاز؟!
وزير الغاز والبترول يقول إن اشتداد الحر وزيادة الاستهلاك هما السبب. ووزير الكهرباء يقول العكس إن نقص إمدادات الغاز هو السبب.
والطريف أن يجتمع الوزيران مع رئيس الجمهورية، ثم يخرجا متفقين على بقاء الحال على ما هو عليه، فالغاز لم يصل وانقطاع الكهرباء لن يتوقّف. وكأن التكتم على الحقائق والأرقام هو الحل. فلا أحد منهما يريد أن يكشف الأوراق ويعلن عن حقيقة العلاقة السرية غير المشروعة مع إسرائيل. تماما مثلما حدث مع سرقة لوحة "زهرة الخشخاش" وتهريبها إلى الكويت أول مرة عام 78.
نحن قد نقبل انقطاع الكهرباء وسرقة المتحف إذا لم نكن نملك الإمكانات اللازمة والطاقة الضرورية، كما حدث مع انهيار واردات القمح من روسيا لأسباب خارجة عن إرادتنا، ولكن ألم يكن الأجدر بوزارة الكهرباء أن تعلن للناس جدولاً زمنياً يتم بمقتضاه تخفيف الأحمال على الشبكة طبقاً لنظام عادل، وأن تبدأ الحكومة بنفسها قبل غيرها.
فتنخفض الإنارة في المكاتب والنوادي والمساجد وتمنع أشكال الإسراف في استخدام أجهزة التكييف. كما تفعل اليابان التي ثبتت درجة حرارة أجهزة التكييف في المباني الحكومية عند 26 درجة. وكما فعلت دول أوروبية عديدة حين لم تكن تملك الطاقة الكافية لإنارة المنازل والمصانع معاً. فكانت تزوّد المصانع بحاجتها من الطاقة أولاً وتضع قيوداً على إضاءة المطاعم والملاهي والبيوت ليلاً.
هناك حاجة ماسة إلى الشفافية وقدر من التقشف، وأن تضرب الحكومة المثل للشعب قبل أن تطالبه بالتخفيف من استهلاك الكهرباء.
عن الشروق
بتاريخ 2010/8/25
تحليل رائع لما وصلنا اليه من
تحليل رائع لما وصلنا اليه من فساد واستهتار في كل شئ .. اتذكر مشهد من فيلم اجنبي ocean 12 وكيف استطاع شاب ان يسطو على المتحف المؤمن بوسائل امن فائقه بطريقه بارعه اشبه بالخيال العلمي واعود لاتخيل كيف تمت سرقه اللوحه التي تبلغ ثمنها اكثر من 50 مليون دولار من متحفنا فقط لمجرد ان كاميرات المراقبه لا تعمل
لا اعلم كيف وصلنا لهذه الحال خسرنا الكثير ومازلنا نخسر .. خسرنا من البشر ما يفوق ما تخسره بعض البلاد في حروب طاحنه باستهتار ولا مبالاه نخسر مليارات بسبب وضع اشخاص لا يجيدون اتخاذ القرارات (قرأت في مقال سابقه اننا صدرنا لاسرائيل الغاز الطبيعي بمبلغ 2 مليار وسنعود لاستيراد نصف الحصة التي اعطيناهم اياها بمبلغ 14 مليار دولار وبعدها نعود لنسأل كيف وصل اقتصادنا لهذه المرحله التي لم تبلغها اي دولة افقر مننا بكثير









