لمحات من حياتي (6)

Aug 18 2010
آخر تحديث 13:31:10
كان الأردن يُعتبر الوطن البديل للفلسطينيين
كان الأردن يُعتبر الوطن البديل للفلسطينيين

مع صيف 1970م بدأت تتوالى أخبار الخلافات الأردنية الفلسطينية، ففي تلك الفترة كان (الأردن) يُعتبر الوطن البديل للفلسطينيين، وكانوا يعاملون هناك معاملة ربما تفوق معاملة المواطنين العاديين، باعتبار أنهم أصحاب قضية عادلة، وأنهم مشرّدون من أوطانهم، ويعانون الظلم والشتات..

ولكن عدداً من الفلسطينيين في (الأردن) بدأوا في حمل السلاح علانية في الطرقات، على الرغم من أن القانون الأردني يحظر حمل السلاح، لذا فقد بدأت المصادمات بين الفلسطينيين والشرطة الأردنية..
هم يصرّون على حمل السلاح..
والشرطة والقانون يرفضان..
وبشدة..

ثم تصاعدت تلك المصادمات على نحو سريع، وتحوَّلت في بعضها إلى مصادمات دامية، وإلى إطلاق النار في الطرقات، مما دفع ملك (الأردن) إلى إصدار بيان يعلن فيه حظر السلاح على كل من يسير تحت سماء المملكة، أياً كانت جنسيته، باستثناء رجال الجيش والأمن..

ولم ترضَ إحدى الفئات الفلسطينية بهذا، واعتبرته نوعاً من القهر، فما كان منها إلا أن أعدّت خطة لاغتيال ملك (الأردن)، وتم نسف السيارة الرئاسية بالفعل، ولكن الملك لم يكن داخلها..
وهنا تحوّل الأمر إلى مصادمة على أعلى مستوى بين الفلسطينيين والملك شخصياً..
ومن الطبيعي أنها لم تكن مصادمة عادلة..

الملك يملك الجيش، السلطة، والشرعية، وقوات الأمن، والقانون، وكل الأسلحة، وقوات المملكة..
والفلسطينيون يحملون أسلحتهم فحسب..
وكان ما يُعرف -حتى الآن- بمذبحة (أيلول الأسود)..

قوات (الأردن) حاصرت المخيمات الفلسطينية، وأراقت أنهاراً من الدم، وكادت -مع فارق قوتها- تصفّي الفلسطينين عن آخرهم، مما استدعى تدخّل الجامعة العربية، تحت زعامة (جمال عبد الناصر)؛ في محاولة لحقن الدماء، وإيجاد حل للصراع..

أيامها لم يكن هذا شغلنا الشاغل، وإنما تركنا هذا كله للكبار، واكتفينا بذلك الملخّص الإخباري، الذي يذاع في أخبار الصباح، والذي يشبه النشرات الحكومية المحدودة حالياً، وانشغلنا نحن في البحث عن أساليب الترفيه، في ذلك الصيف..

وإلى جوار الشطرنج بدأت معي هواية جديدة، لم يشاركني فيها "محمد العفيفي"، الذي كانت الرياضيات والذهنيات تملأ كيانه، وتشغل عقله عن أي شيء آخر..

الهواية الجديدة شاركني فيها "محمد مقلد" زميل المرحلة الإعدادية، وحتى التخرّج، وهي لعبة تنس الطاولة، التي كنا نمارسها في نادي التجاريين، الذي كان والدي -رحمه الله- أحد أعمدته في (طنطا)، حتى أنهم كانوا يُطلقون عليه فيه لقب (العمدة)؛ لما كان له من حضور وخفة ظل ووقار في الوقت ذاته..

كنا نمارس تنس الطاولة طوال فترة الظهر تقريباً، حتى أجدناها إلى حد مدهش، جعلنا ننافس الكبار في هذا المضمار، وجعلهم يخشون اللعب معنا، حتى لا يهزمهم شبان في عمر أولادهم..
ومع كل هواية، كانت دائرة المعارف تتسع، ودائرة الصداقات تكبر، والمنافسة في كل المجالات تحتدم..

أيامها بدأ اهتمامي بالرسم يتزايد، ويتخذ اتجاهاً مختلفاً عن ذي قبل، ففي المرحلة الابتدائية كنت أرسم دوماً كل الشخصيات التي أعشقها أيامها، مثل (سوبر مان)، و(بات مان)، و(تان تان)، في لوحات صغيرة، تملأ كشاكيل وكراسات عديدة، وكنت أكتب قصصاً بسيطة، في مفكرات صغيرة، أحرص على أن يكون لها غلاف من الورق، كنت أقلبه، وأرسمه، حتى تبدو في صورة قصة حقيقية..

وفي المرحلة الإعدادية بدأت في رسم القصص المصوّرة، وأيضاً في كراسات خاصة، ما زلت أحتفظ بها حتى يومنا هذا..

وكان من الطبيعي أن ينشغل وقتي، دون دقيقة واحدة من الفراغ، فأنا أقرأ، وأرسم القصص المصوّرة، وألعب الشطرنج مع "محمد العفيفي"، وتنس الطاولة مع "محمد مقلد"، وأخرج إلى السينما مع "طارق البياع"، و"أحمد رشيد"، و"أسامة حمدي"، و"فهمي زاهر"، و"مؤنس غنيم"، ثم أزور جدي وجدتي، وأمارس الرماية على السطح بعض الوقت، وأنام بعدها كالقتيل، حتى تبدأ الدورة نفسها في اليوم التالي..

المدهش والطريف أن كل واحد من أصدقائي كان يرى أنني صديقه المفضّل، وأنني أقضي معه معظم وقتي، في حين كنت أنا أوزّع الوقت بينهم على نحو شديد التشابك، حتى أستمتع بكل هواياتي في كل يوم..

وكنت بالنسبة للكل الخزانة الثقافية؛ إذ كانت المجلات والكتب -التي لم يدّخر والدي وسعاً في تزويدنا بها- مستعارة دوماً عند أصدقائي، وإن كانت القاعدة أيامها هي أن يعيد كل شخص ما يستعيره، على عكس هذه الأيام، التي لا تُعير فيها شيئاً إلى أحد فيعيده.. إلا فيما ندر.. جداً..
وبينما كنا منشغلين في اللعب والرسم والرياضة، كانت الأحداث تتطوّر على نحو مدهش..

مؤتمر القمة الطارئ كان يحاول إيقاف نزيف الدم في (الأردن)، ولكن كل الأطراف كانت ملتهبة على نحو مخيف؛ إذ حضر (ياسر عرفات) وهو يحمل أسلحته، وبالتالي وصل ملك (الأردن) ومسدسه معلّق في حزامه في وضوح، مخالفين بذلك كل الأعراف والبروتوكولات الدولية.. ولقد بذل الرئيس (جمال عبد الناصر) أيامها جهداً خرافياً؛ للإصلاح بين الطرفين، وإيجاد حل لما يحدث، بحيث لا يشعر أحد الطرفين أنه قد انحنى أمام الطرف الآخر، ولكن ملك (الأردن) كان يحاصر بقواته المخيمات الفلسطينية، ويهدّد بإطلاق مدافع دبّاباته عليهم، مما كان يمنحه (عملياً) نقطة قوة في المفاوضات..
وكان كل همّ (عبد الناصر) هو حقن الدماء الفلسطينية، والسماح للفلسطينيين بمواصلة صراعهم مع الإسرائيليين، في حين كان ملك (الأردن) مصرّاً على منعهم من تهديد وجوده مرة أخرى..
ولهذا كان الاتفاق أن يغادر الفلسطينيون (الأردن) إلى دول أخرى، وأن يفكّ الملك الحصار، ويسمح لهم بالمغادرة..

كان هذا مجرّد خبر سمعناه من الكبار في النادي، وكل ما أثار اهتمامنا فيه هو أنهم انشغلوا بالحديث عنه، فتركوا لنا منضدة تنس الطاولة، ننعم بها طوال المساء..

كان والدي -رحمه الله- يعلن دائماً أنه لا يحبّ السياسة، ولا يهوى مناقشتها، ولكن آراءه -كما أذكرها- كانت تتميّز دوماً بالحكمة وبُعد النظر، في هذا المضمار..

كنت دوماً أستمع إليه، كلما بدأ حديثه عن السياسة، بذلك الأسلوب الهادئ الرصين، الذي كان يتمتع به، وعلى الرغم من جهلي -أيامها- بمعظم ما يتحدث عنه، إلا أنني تعلّمت منه عدم الانفعال أو الاندفاع، ودراسة الأمور في حكمة وتروٍّ، مهما كانت وجهات نظري الأولى، حتى لا أحمل التداعيات المستقبلية، لأي قرار عشوائي أو انفعالي..

كانت خلافاتي مع والدي عديدة في هذه الفترة من العمر، عندما يبدأ المرء في دخول مرحلة المراهقة، ويرفض التعامل معه كطفل، في حين أنه لم ينضج بالقدر الكافي بعد؛ للاعتماد على نفسه اعتماداً كاملاً، إلا أنني -وعلى الرغم من كل خلافاتنا- كنت أحترم والدي جداً؛ لالتزامه الدائم بالنزاهة والشرف، على الرغم من أن مهنته والوظائف التي تولاها كانت تتيح له الثراء غير المشروع، فإنه اكتفى بالحلال القليل، وربّانا على احترام هذا وقبوله، وعلى عدم إجراء مقارنة بيننا وبين الآخرين، والرضا بما نحن عليه، ما دام رصيده كله من الحلال..

ثم إن والدي -رحمه الله- كان محترماً للغاية بين زملاء مهنته وأصدقائه، وكانت له بينهم مكانة خاصة، علّمتني الكثير من وسائل التعامل مع الآخرين، وما زلت أتبعه، حتى هذه اللحظة..

ولكن في نهاية صيف 1970م، وبينما كنا نستعد لبدء العام الدراسي الجديد، تلقينا مع (مصر) كلها صدمة رهيبة غير متوّقعة..

فمع آخر يوم من لقاء القمة الطارئ؛ لحقن الدماء الفلسطينية.. سقط الزعيم..
مات "جمال عبد الناصر"..
فجأة..

 

واقرأ أيضاً

لمحات من حياتي (5)

لمحات من حياتي (4)

لمحات من حياتي (3)

لمحات من حياتي (2)

لمحات من حياتي (1)

 

مشاركات القراء

السلام عليكم ورحمة لله

السلام عليكم ورحمة لله وبركاته
جميل أوى يا دكتور خلط الاحداث العامه والسياسيه بالاحداث الشخصيه بجد سلسله مقالات جامده جدا

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.