حديث "الغيمو"!

Aug 17 2010
آخر تحديث 14:51:49
برنامج "عم يتساءلون" للمذيع أحمد عبدون من أشهر برامج الفتاوى
برنامج "عم يتساءلون" للمذيع أحمد عبدون من أشهر برامج الفتاوى

ستقول لي بعد أن قرأت ما نشرته أمس: وييجي فين بس يا سيدي السؤال عن حكم أكل الصائم للغيمو، (والغيمو لمن لا يعلم هو الاسم المستعار الذي اخترناه سويا للبلغم) جنب ما سبق أن نشرته لنا في العام الماضي، من فتاوى الصائمين، كان أكثرها استفزازاً سؤال أحد المستفتين عن حكم من جامع زوجته ناسياً في نهار رمضان(!)، دون أن يخبر الشيخ إذا كان هو ناسياً فهل كانت زوجته أيضاً ناسية، أم إنهما يستهبلان سوياً والعياذ بالله؟!

عندك حق، ليست فتوى "الغيمو" هي الأكثر استفزازاً، وهي ليست أيضاً الأكثر قرفاً، تمنعني المساحة ثم رغبتي في ألا تخسر صيامك بسببي من استعراض فتاوى أشد استفزازاً وقرفاً، خاصة وقد تحوّلت بعض برامج الفتاوى إلى برامج استشارات جنسية، وبعضها الآخر إلى مجال لاستعراض جميع أشكال تقطيع الأرحام وصور الانحطاط الأخلاقي التي تكشف كيف تحوّل الدين في مجتمعنا إلى مظهر أجوف سطحي لا يقر في القلب ولا يصدقه العمل!.

دعنا هنا نتمنى أن يتفرغ عالم اجتماع بارع من تلاميذ الرائد الجليل الدكتور سيد عويس -رحمه الله- لدراسة سيول الفتاوى التي تنهمر على مخرات الصفحات الدينية والبرامج الإذاعية والتليفزيونية والمواقع الإلكترونية، وهي دراسة ستقول لنا الكثير عن كيفية الخروج من الوحلة التي نواصل التردي فيها يوما بعد يوم، للأمانة يجب أن أشيد هنا بكتاب أصدره الكاتب اللبناني الكبير فؤاد مطر اسمه "ألف فتوى وفتوى" قدّم اجتهاداً مهماً في هذا الشأن، لكن الظاهرة شديدة الخطورة وتستحق الدراسة من زوايا متعددة.

شخصياً، لو سألتني عن أكثر أسئلة الفتاوى التي آلمتني وأشعرتني بالمهانة والقرف، سأختار لك سؤالاً سمعته منذ سنوات أثناء متابعتي لواحد من أشهر برامج الفتاوى، كان يقدم على قناة "دريم" لسنوات طويلة هو برنامج "عم يتساءلون" للمذيع أحمد عبدون.

كان سؤالاً موجّها من سيدة من مشاهدات البرنامج يقول بالنص: "لو سمحتم.. ما حكم عمل المرأة المحجبة المحترمة في مجالات شاقة كالهندسة؟"، يومها لطمت على خدودي من فرط الهناء الذي بِتْنا فيه، فها أنا أرى سيدة تعيش في مصر وليس في كهوف "تورا بورا" دخلت إلى كلية الهندسة والمفروض أنها نهلت من علومها حتى تخرجت، ورغم ذلك لديها شكوك في ملاءمة العمل كمهندسة ليس فقط للمرأة المحجبة وإنما للمحترمة أيضا، للأسف لم يتنبه أحد إلى خطورة السؤال، فقد كانت هناك يومها في البرنامج معركة محتدمة حول النقاب، كادت فيها العالمة الجليلة الدكتورة سعاد صالح تنفجر من الغيظ وهي ترى كيف تهاجمها المنتقبات على الهواء؛ لأنها طلبت منهن أن يكتفين بما اخترنه، ولا يسعين لإقناع الأخريات بأن النقاب فضل أو فرض.

بينما أخذ زميلها الدكتور صبري عبد الرؤوف موقفا يرضي كل الأطراف، مفتيا بأن من حق المرأة أن تنتقب لكن عليها أن تقرّ في بيتها ولا تذهب إلى العمل، بينما في وسط كل هذا كانت هناك فتاة تكرّر السؤال حول حكم عمل الفتاة المحجبة والمحترمة في مجال شاق كالهندسة.

على أي حال لا أريد أن أستفيض في الحديث لكي أترك المجال لكل الذين يتوقون لإرسال رسائل "تلعن سنسفيلي" وتتهمني بالفسوق أو في أحسن الأحوال تقول لي "وإنت مالك ومال الكلام في الفتاوى يا بتاع السيما يا هلاس"، أنا فقط سعيد بأن المعلومة وصلتكم، وعرفتم أن أكل "الغيمو" حرام، فلا تسوّلن لأحدكم نفسه أن يتسلى بأكله حتى يضرب مدفع الإفطار، فضلا عن أنكم عرفتم أن الهندسة مجال شاق ينبغي للفتاة المحجبة والمحترمة أن تستفتي المشايخ قبل أن تعمل فيه.

هناك طرق كثيرة لإنهاء مقال حزين كهذا، أفضلها في رأيي أن أذكرك بمقولة رائعة للإمام أحمد بن حنبل عندما سُئل عن رجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟ فقال: "أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين".

فإن لم يصلك مغزى المقولة دعني أختم كلامي هذا بكلمات جليلات للشيخ محمد الغزالي في كتابه "مشكلات في طريق الحياة الإسلامية" الذي أتمنى لكم قراءته في هذه الأيام العرقانة، كلمات يقول فيها رحمه الله: "من المستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة، إذا كان أصحابه جهالاً بالدنيا عجزة في الحياة، وإنه لفشل دفعنا ثمنه باهظاً عندما خِبنا في ميادين الحياة، وحسبنا أن مثوبة الله في كلمات تقال ومظاهر تقام... إن الله لا يقبل تدينا يشينه هذا الشلل المستغرب". ثم أستغفر الله لنا ولكم ولأكلة "الغيمو" من الصائمين والمفطرين.

من كتاب "أمست يبابا" (تحت الطبع)

عن المصري اليوم
بتاريخ ١٦/ 8/ ٢٠١٠

مشاركات القراء

من كتاب "أمست يبابا" (تحت

من كتاب "أمست يبابا" (تحت الطبع)

تقريبا دى فى شعر لشاعر النيل حافظ ابراهيم ..
واضح انه هيبقى كتاب كويس من اسمه .. واضح ان بلال بيتكلم كلام فى الوسط .. مش متطرف لاحد الاطراف .. وهو ده النقد الموضوعى .. حتى ولو كان بتاع سينما .. بس هو مصيب الى حد كبير فى مقاله ده
وكل سنة وانتم طيبين ..

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.