
ليس هناك أروع من تلك الكلمات التي صاغها سيد حجاب في التعبير عن حُبّ مصر والتنكيل بمن خانوها، كلمات ترقّ لها القلوب في حُبّ هذا البلد الرائع، ترقّ وترقّ حتى تدمع عيناك، والذي أرى بشعوري الخاص أنه إن وُجد على وجه الأرض أحد ليس في قلبه ولو مقدار بسيط من حب هذه الأرض، ما عرف طعم الحب في حياته، كما أن الكلمات تشفي غليل النفس من كل عدو حاول في يوم من الأيام أن يضرّها أو يخونها.
إن هذه الكلمات لأكبر دليل يُعبّر عما يجيش في قلوبنا تجاه مَن خانوا هذا البلد، وباعوه إلى أعدائه، وأخذوا ثمن هذا البيع من نفوسنا وقلوبنا، ولكن الله قد أحط مِن قَدْرِهم قَدْر ما فعلوا في هذا الشعب الذي رفعه الله، وأبوا هم ألا أن يخفضوا مِن قدره أمام العالم أجمع.
ملعون في كل كتاب يا عار الخيانة اللعنة والنار ع اللي خانوا الأمانة
عاشوا على مُتْنَا ومُتْهُم حيانا عليهم اللعنة في ترابنا وسمانا
اتْرَدّي يا أبواب البيوت وابعديهم واتْسَدِّي يا أبواب القلوب واطْرُدِيهم
وانفتحي يا أبواب الجحيم واورديهم جزاء ما خانونا وباعونا لعدانا
ماتطلعيش يا شمس ع اللي يخونّا وماتنطفيش يا نار قلوبنا وعيونا
وماترحميش اللي إحنا على قلبه هُنّا واكوي بنارنا كل نقطة في دمانا
لقد عاش خونة هذا البلد على حياة وأرواح الملايين من الشعب المصري، لقد جمعوا هم الملايين بل المليارات وصرفوها على حياتهم وبذخهم، ولم يُفكّروا أن هذا البذخ على حساب مَن ينامون تحت الكباري، أو داخل المراكب، أو مَن دُفِنوا أحياءً في مقبرة جماعية في الدويقة، أو الأطفال الذين يتسوّلون في الشوارع من أجل رغيف عيش، أو امرأة طاعنة في السن تخرج في الصباح الباكر تسمع صوت ضربات نعلها على الأرض الإسفلتية؛ لتحظى بعدد قليل من أرغفة الخبز المدعّم لتُوزِّعه على منازل مَن هم أفضل منها حالا ولو قليلا؛ فيجودون عليها بثمن أرغفتها هي، لم يروا ولن يروا حتى يروا جحيم جهنم وقصاص الله منهم بإذن الله.
لا يُمكن أن تمرّ هذه الكلمات عَبْر أُذني إلا وأنا أتخيَّل شريطا طويلا من الصور، ربما تخيَّلته "كليب قصير" في عقلي لهؤلاء؛ بدايةً من الراعي الذي كان من المفترض أن يكون مسئولا عن رعيته؛ فتركهم نهبا له ولأسرته وأعوانه من أوّل أبنائه وزوجته إلى وزرائه؛ فيمرّ في رأسي عز والشريف وسرور ونظيف وسالم والفقي والعدلي وعزمي و.. و.. و.. كل هؤلاء الذين ازدادوا ثراءً فاحشا ليزداد المصريون فقرا، ازدادوا رِفعة ليزداد المصريون هبوطا.. وقتها أسأل الله أن يأخذوا عقابهم، ويُصبحون عِبرة لمن يعتبر، ويأتي بعدهم ويُدركوا أن السير على الصراط المستقيم هو طريقهم، وإلا فليتركوا المكان لغيرهم.
الكارثة أنك بعد كل هذا تجد مَن يقف مصدوما، ويتساءل: ماذا حدث للمصريين؟!! ألا يشفقوا على رجل بلغ من الكبر عتيّا، ألا يرحمون سِنّ مبارك، ألا يتجاوزن عمّا هو به لمرضه؟ ألا يشفقوا عليه لسابق بطولاته فيهم؟!!
تجدهم مذهولين؛ وهم يتساءلون: لماذا قست قلوب المصريين؟!
والحقيقة أنهم لو عادوا لأعلى قليلا لعرفوا ماذا حدث، ولعرفوا أن قلوب المصريين مليئة بالرحمة ولذلك يطلبون القصاص؛ فأمام شِيبة مبارك وسِنّه كان هناك آلاف من كبار السن -كما ذَكَرت- يفترشون الكباري ويأكلون من القمامة، وأمام مرضه كان هناك ملايين يفترشون الأرصفة أمام مستشفيات الحكومة يبغون علاج أو جراحة أو إنقاذ ولم يجدوا، وأمام سِنّ السيدة سوزان، كان هناك آلاف وآلاف من السيدات اللاتي يعملن في المنازل للخدمة أو لغيرها؛ ليحصلن على قُوت يومهن فقط، وأمام أبنائه ووزرائه الذين يعتبرونهم عزيز قوم ذل هناك آلاف الشباب العاطل المصاب بفيروس سي، والذي يعيش في ظروف أدنى من حيوانات الشوارع ينتظر إحدى الراحتين؛ إما الموت أو الفرج غير المتوقَّع.
لكل هذا يكون القصاص رحمةً.. رحمةً لهؤلاء الذين ظلموا ومن ظلمهم لا يشعر -حتى اللحظة- بأي ذرة من تأنيب الضمير تجاههم، بل يشعر بأنه ظلم وخانه شعبه.
وأسأل هؤلاء ماذا حدث للمصريين من أمثالكم؟؟ لماذا أصبحت قلوبهم شديدة على أهلهم وناسهم وبلدهم؟!
ولكل هذا تمنّيت ما تمنيته للخائنين الذين نهبوا كل ما في بلادنا من غالٍ وثمين، وكانوا من أعدائها مقرّبين، ومِن أحبابها قانتين، أما ما نتمنّاه من كل المصريين الذين في حُبّها ذائبين، أن تكون مصر في قلوبهم بنفس المشاعر التي وصفها الشاعر نفسه سيد حجاب، حتى يعرفوا قدرها، ويعملوا على رفعتها ونصرها، ويتركوا كل ما يُساعد على الإنقاص من قَدْرِها، ويبدأوا بدايةً جديدةً، يدا في يد بعمل وجِد، وينسوا الفراق والشقاق وكثرة الطلبات، حتى لا ينهار البلد، ويشمت فينا كل مَن قال لمبارك إنه له ولد، حتى يستقرّ البلد، ويتربّى فيها البنت بجانب الولد، على تلك الكلمات الجميلة من الحب الرقيق المفعم بالحياة، ذلك الحب الذي سوف يكون لنا طوقا للنجاة، والذي سوف يرفع رؤوسنا إلى عنان السماء، حتى يضمّ حبها الأولاد إلى قلبها، ويصبح الموت في سبيلها هو الحياة بعينها.
حبيبتي من ضفايرها طل القمر وبين شفايفها ندى الورد بان
ضحكتها بتهز الشجر والحجر وحنانها بيصحّي الحياة في النبات
حبيبتي بتعلّمني أحب الحياة من حبي فيها حياتي شمس وربيع
والحب في الدنيا دي طوق النجاة لولاه يضيع قلب المحب الوديع
يا حلوة يا بلدنا يا نيل سلسبيل بحبك أنت رافعة لنا راسنا لفوق
لو الزمن ليّل ما يرهبنا ليل شوقنا في عروقنا يصحّي شمس الشروق
الحلوة قلب كبير يضم الولاد وزاده وزواده وضله وسبيل
الموت والاستشهاد عشانها ميلاد وكلنا عشّاق ترابها النبيل









