كبير العيلة!

Aug 29 2011
آخر تحديث 13:16:09
مهما كانت تقارير الفساد فمشهد واحد لـ"كبير العيلة" وهو على الشاشة يريح القلوب
مهما كانت تقارير الفساد فمشهد واحد لـ"كبير العيلة" وهو على الشاشة يريح القلوب

لدينا في الصعيد عادة قديمة متعلقة بتوقيرنا للكبار سناً من أبناء العائلة، فحيثما دخل أحدهم مجلساً ما وقف الجميع صغاراً وكباراً احتراماً له، وتوقيراً لسنه.

هذا ما نفعله بكبار السن، فماذا لو كان الرجل كبير السن وأيضا رئيس الجمهورية؟!

فلسفة "كبير العيلة" تعدّ ثقافة متجذّرة في وعينا ولا وعينا، يتم استخدامها بشكلٍ سيئ لخدمة السلطة ومَن في السلطة.

فعندما ظهر الرئيس السابق على الشاشات، وتكلّم عن الوطن، وعن أنه سيموت على هذه الأرض، ويُدفن تحتها كان خطاباً عاطفياً، قُصد منه -بوضوح- التلاعب بعواطف الناس، والتأثير عليهم، وهو ما أحسبه قد نجح فيه، حتى لو كان ذلك النجاح محدوداً.

ثم عندما عرفنا بمرضه، وأنه يُعالج في مستشفى شرم الشيخ، ظهر رجل فقير، وعجوز -كما أخبرني صديق لي والعهدة عليه- على الشاشات وهو يبكي مطالباً مبارك بأن يحافظ على صحّته، وأن يأخذ الدواء!

رجل لا يجد قوت يومه، وكل ما يهمّه هو صحة الريّس!

وبغضّ النظر عن كون الحادثة حقيقية أو قُصد بأن تكون حقيقية فهي تبيّن أن ذلك الشعب العظيم يتميز بعواطف جياّشة، وربما كان القارئ يتذكر مدى التأثر الذي يشعر به عندما يرى الرئيس في جولة من جولاته "المفاجئة" على القرى والنجوع، حيث يجلس مع رجل بسيط، ويطلب منه كوباً من الشاي، وهي صورة تكررت كثيراً؛ ليس لأن حاشية الرئيس لا يتميزون بالإبداع؛ بل لأنهم يعرفون أن هذه المواقف الصغيرة هي التي تُعزّز موقفهم في السلطة، وتزيد من حب الناس لكبيرهم!

مهما كانت تقارير الفساد، والبنية التحتية المدمّرة، والرشاوى، والأراضي المباعة بأبخس الأثمان، فمشهد واحد لـ"كبير العيلة" وهو على الشاشة أو في الجريدة يريح القلوب الوجلة!

والحاكم العربي عموماً لا يتعامل على أنه موظف يتقاضى راتبه، وأنه يخدم هذا البلد، وأنه لو أخطأ سيُعاقب، مثلما يحدث في كل بلاد الدنيا، بل يعتقد أنه "كبير العيلة" لبلده، يتصرف في أمواله كما يريد، ويسجن من يريد، ويخرب بيت من يريد، وهو في كل الأحوال يعرف مصلحة البلد أكثر من غيره!

عندما مات عبد الناصر قامت جنازة لا يصدقها عقل تبعتها كل طوائف الشعب، ونسي الناس -أو تناسوا- أن عبد الناصر أدخل الكثرة السجون والمعتقلات، وأنه أمّم المؤسسات الخاصة لتصبح ملكية للدولة، ولترجع البلد للوراء بدلاً من التقدم، وأنه بدلاً من أن يتنحى عند هزيمة 67 استغل هذا من أجل أن يُزيد من حب الناس له!

والسادات الذي كان يسمي نفسه الرئيس والقائد والمؤمن... إلخ. كان يتعامل على أنه عمدة المصريين، وأنه يتولى تسيير مصالحهم، برغم أنه أخرج قطعا أثرية من البلاد هدايا لضيوفه الأعزاء، وأنه كان يقول: "وما أنا بظلام للعباد"، وهي مقتبسة من آية قرآنية، لكن بدلاً من "العبيد" جعلها "العباد"!

يذكر الأستاذ جلال أمين في أحد كتبه أن المقاول ورجل الأعمال عثمان أحمد عثمان كان يتعامل مع الرئيس السادات من باب "اللي مالوش كبير، يدور له على كبير"، وفي ظنيّ أن رجال الأعمال والوزراء في النظام السابق كانوا يتعاملون بنفس المبدأ مع الرئيس مبارك؛ إنهم يحتمون بحماه، ويستظلون بظله، ولو دالت دولته فستكون الدائرة عليهم؛ لأن وجودهم من وجوده.

منطق "كبير العيلة" ستجده في معظم الزعماء العرب؛ فالشعوب خراف ضالة، وهم حماتها ورعاتها، مع الفارق طبعاً؛ فكل واحد منهم لديه فكرة معينة عن الحماية والرعاية ينفذها بطريقته، وهو على ثقة أن الكرسي الجالس عليه هو دائم ما بقي على قيد الحياة، ولو ذهب هو فلأولاده من بعده.

الطريف أن الثورات التي قامت لم يتعامل معها الزعماء بحنكة سياسية، وفهم حقيقي للأمور. لقد تصرفوا كالصبية وكانت تهمة "الأجندات الخارجية" جاهزة لتبرير الأمر. أعتقد أنهم لا يُصدّقون بالفعل أن الشعوب قد تثور على كبرائهم؛ لأنهم ليسوا بالذكاء الكافي!

الوحيد الذي تصرّف بسرعة، ربما لأن الأمر لم يحدث لأحد من قبله فارتبك وتصرف دون تفكير مسبق ومدروس، هو رئيس تونس السابق. البقية تصرفوا من منطق "هذا يحدث لغيري.. لكن لا يحدث لي أبداً!". تحول الأمر لحالة من العناد..

القذافي حرق ليبيا حتى يثبت للجميع أنه مختلف عن الآخرين، وأن ما جلبته الثورة من خراب هو قادر على إصلاحه، وأن الأمر مجرد مؤامرة خارجية! سوريا تحولت إلى مكان تُرتكب فيه المجازر كل يوم. اليمن يكافح، وصالح عنيد لا يريد التراجع.

في ظنّي أن كل زعيم يضع رأسه على الوسادة، وهو مقتنع بأنه يفعل واجبه من أجل أمته.. كرهوه، أرادوا خلعه، طالبوا برحيله، لا يهم. إنهم مجموعة من الحمقى لا يعرفون صالحهم جيداً؛ فهو" كبير العيلة" وأدرى بتفكير أفرادها!

لا بد أن تُنتزع ثقافة "كبير العيلة" من جذورها من خلفية المواطن العربي، ومن ثقافته؛ فكل رئيس هو مجرد موظف، له منا كل الاحترام ما دام في خدمة شعبه، فإّذا بدّل وغيّر، وتعامل مع شعبه على أنه الأب الذي يفعل ما يريد، وقتما يريد، عُزل وحوسب على ما قدّم، مهما ظهر على الشاشات، ومهما شرب من أكواب الشاي مع البسطاء!

 

مشاركات القراء

لأن مشهد جنازة عبد الناصر كان

لأن مشهد جنازة عبد الناصر كان أكبر شهادة لعصره مازال البعض يحاول أخراج(القطط الفاطسة)لأظهار أن الرجل لم يكن يستحقها وكأنهم يستكثرونها عليه

(عبد الناصر أدخل الكثرة السجون والمعتقلات)...الناس تدخل المعتقلات والسجون قبل عبد الناصر وبعد عبد الناصر فلماذا أخترتموه من بين كل حكام التاريخ لتحاسبوه على هذا

(أمّم المؤسسات الخاصة لتصبح ملكية للدولة)....أى أنها أصبحت ملكا للشعب اللذى خرج خلفه بالملايين لينعوه بعد أن منحهم حقا فى الأرباح والفوائد ومعاشا وزيادة للأجور....أم ن الشعب المفروض أن يحزن للأقطاعيين الأتراك والشركس وسواهم بعد خسارة ممتلكاتهم اللتى أممها عبد الناصر

(بدلاً من أن يتنحى عند هزيمة 67).....الرجل تنحى فعلا فهل خطؤه هو حب الناس له ومطالبته بالبقاء؟!!!!....ولماذا لم يتنحى روزفلت بعد هزيمة بيرل هاربور؟...وخرج أيضا الشعب الأمريكى تأييدا له!....لماذا لم يستغرب أحد عدم تنحى تشرشل بعد هزيمة دنكرك....لماذا تتسامحون فى كرم حاتمى مدهش عن هزيمة 48 ولا تنتقدون خروج الشعب ضد الملك بعدها ولا تتوقفون عن جلد الرجل بسبب هزيمة67...لماذا لا تكون المعاملة بالمثل؟!!!

برافو

برافو

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.