
قديما قال أبو الطيب المتنبي:
عيد بأية حال عدتَ يا عيد
بما مضى أم بأمر فيك تجديدُ
كتب شاعر العربية الأول هذه القصيدة ليلة العيد وهو خارج يتحسس طريقه خائفا يترقب من كافور الإخشيد وجنوده، بعد أن ملّت نفسه حكم العبيد، وليس بقادر على النفاق، وما أشقى من لا يستطيع النفاق في بلدنا، التي قال عنها المتنبي سابقا:
وماذا بمصر من المضـحكات ولكــنه ضــحك كـــالبكا
بـها نَبَطي منَ اهل السـواد يدرّس أنساب أهـل الفَـلا
وأسودَ مِشْـــــفَرُهُ نصـــفُـهُ يُـقال لـه أنت بدر الدجى
وهي دي مصر يا عبلة..
أذكر هذه الأبيات كل عيد.. ولا أجد في العيد أي جديد، ولكني أعزّي نفسي بالعيد القادم.. فمن يدري لو عزّى أبو الطيب نفسه بعيد قادم، فربما كانت تقلّ المضحكات التي هي كالبكا، أو ربما أحسن النفاق فارتاح بين شلة المنافقين، أو ربما ريّح دماغه وهانت نفسه ولم يطلب عزا أو مجدا، فخفتت عنه غوغاء المنفسنين، فهل كان يستطيع؟؟!
يأتي العيد مع بشارة حكومية سارة بارتفاعات جنونية في الأسعار، ومستويات قياسية في أسعار القمح بالذات، وبالتالي كل مشتقاته التي ليست بالتأكيد فقط الفينو والجاتوه كما يقول المسئولون..
لا تسأل هنا عن الخطط الطموحة للاكتفاء الذاتي من القمح، وهو طموح مشروع وممكن، وبلدنا قادرة بالفعل على تحقيقه، ولكن حكومتنا الرشيدة تعمل بقانون "شرا العبد أحسن من تربيته"، يا عم إحنا لسه هنخطط؟؟!! لا تسأل ولا تستغرق في التفكير؛ لأن العيد على الأبواب..
يأتي العيد مع تفاقم فضيحة العلاج على نفقة الدولة، وكيف أننا طلعنا كلنا كما قال أبو الليف (بالتأكيد يعني مش كينج كونج)..
أرقام بالملايين هبشها القائمون عليها في ظلمة الليل.. أرقام تذكّرك بأرقام خطاب نظيف في مجلس الشعب كل سنة عن الميزانية والخطط الخمسية والإنجازات الحكومية، ولكن في الاتجاه المعاكس..
يأتي العيد مع انفجارات مدوية لقنابل الرشوة، فهنا شركة مرسيدس وهناك الشركة الفنلندية والبقية تأتي..
حافظ على هدوئك يا صديقي ولا تستكثر كام مليار هنا وكام مئة مليون هناك، فأنت تعرف الغلاء وحكم لقمة العيش والمال السايب يعلّم إيه.. اهدأ وخد لك كام قرص مهدئ وعيد سعيد عليك..
يأتي العيد مع فضائح داخلية على أعلى المستويات، وفساد إداري عالمي، وأداء حكومي ضعيف وعشوائي، وتردٍّ بالغ في كل المجالات وعلى كل الأصعدة، وعيد سعيد..
ولماذا أشغلك بما لا يمتّ لك بصلة، هي بلدهم وهم أحرار فيها، ويوم ما تخرب هنكون إحنا تحت التراب وربنا يتولى العيال بقى.. هذه أفضل طريقة للحياة في بلد المضحكات، ارمي ورا ضهرك، وخليك في أكل عيشك وسيبك من السياسة واللي بيسيّسوها..
فإذا النور قطع عندك كام ساعة ولا نور ولا مروحة ولا تليفزيون ولا كمبيوتر ولا حتى خلاط، وبقيت ماشي تخبّط في العفش مادد إيدك قدامك زي الأعمى، فقل نص العمى ولا العمى كله، والحمد لله على كده، واستنى العيد بتفاؤل..
وإذا الميه قطعت عندك بالساعات، ونشف ريقك ومش عارف تغسل إيدك ولا تعمل أي حاجة، فافتكر إن مصر هبة النيل واحمد ربنا واستنى ابتسامة صفاء أبو السعود..
إذا نزلت عشان تجيب طلبات الكحك بتاعة كل سنة فلقيت إن مرتبك كله يا دوب يجيب النُّص من كل حاجة فهات اللي تقدر عليه وارجع قول الحمد لله أهو أحسن من مافيش، وابتسم وشوف هتقضي العيد فين السنة دي..
إذا فكرت مجرد تفكير إنك تجيب لأولادك لبس المدرسة، وتشوف مصاريف المدارس والجامعات، إلغي الفكرة من دماغك فورا، وانفخ بلالين العيد..
بذمتك مش كان المتنبي عنده حق ساعة ما خرج منها قبل العيد، يا عالم لو كان استنى للعيد كان حصل له إيه؟
نعم؟ تسألني هل اليأس هو الخيار الوحيد.. من قال ذلك؟! تقول لا يوجد أمل في شيء.. ومن قال إن الأمل يوجد في الأشياء، الأمل لا يأتي من الخارج؛ الأمل يولد من داخلك أنت.. اسعد بتفاصيل حياتك كما هي، وتعشّم في وجه الله، وتفاءلوا بالخير تجدوه..
وعيد سعيد،،،









