كيف تحولنا لمجموعة ببغاوات

Mar 9 2010
آخر تحديث 12:22:51
بعض المنتقبات ترددن كلام عن فرضية النقاب كأنه واجب عليها تسميعه
بعض المنتقبات ترددن كلام عن فرضية النقاب كأنه واجب عليها تسميعه

فتاتان في عربة مترو الأنفاق، إحداهن تحمل في يدها رواية أولاد حارتنا لأديب نوبل الشهير "نجيب محفوظ"، فتقترب منها الأخرى وتخبرها أن محفوظ فاز بنوبل عن هذه الرواية لأن بها اجتراء على الله؛ فما كان من الأولى إلا أن هزت رأسها قائلة إنها سمعت ذلك؛ ولكنها سمعت أيضاً آراء مخالفة تماماً لمثل هذا الكلام؛ لذا تريد أن تقرأها بنفسها لتحكم، هنا تنبري الثانية في حماس لتقنع الأولى كيف أن الرواية تعتبر كُفراً بيّناً، وهي تعدد مواقف من الرواية محددة أماكن الإساءة وكيف هي، وماذا قصد بها محفوظ بالضبط، حاولت الفتاة الأولى أن تؤكد للأخرى أنها سمعت كل هذا؛ ولكنها تريد أن تعرف بنفسها ليكون رأيها عن بيّنة، وهكذا تحول الحماس إلى غضب؛ فارتفع صوت الفتاة، وبدأت تلوح بيديها معترضة، كيف تريد الأخرى أن تقرأ كلاماً كله كُفر.. وهنا سألتها صاحبة الكتاب مستفسرة، "هل قرأت الرواية؟"..

بالتأكيد قد توقعت الإجابة، فالفتاة لم تقرأ الرواية، وكل ما عرفته عنها، من مناقشات الشباب الدائرة في المنتديات على الإنترنت.. ومن مقالات الصحف.

والغريب أنه لا تظهر على الفتاة أي مظهر من مظاهر التدين المتشدد؛ بل هي فتاة بسيطة وعادية تمامًا..

والحقيقة أن مشكلتنا اليوم ليست هل تجاوزت أولاد حارتنا أم لا؛ فهناك من قرأها ورأى أنها تجاوزت وهناك من قرأها ويرى أنه ليس بها تجاوز.. المشكلة الحقيقة تكمن في من لم يقرأ، ويصر على أن يردد كلاماً سمعه كأنه رأيه الخاص الذي تبنّاه على الفور، ويتكلم عن أمر لا يعرف عنه شيئاً بكل ثقة، اعتمادًا فقط على أنه يتبع الرأي السائد.

هذه إحدى أهم المشكلات التي نواجهها يوميًا، لقد تحوّل الجميع لببغاوات يرددون الرأي السائد في المجتمع، بلا تفكير أو رؤية أو نقاش.. وليت الأمر اقتصر على الأدب فقط، لهان.. ولكن في كل الموضوعات حولنا ستجد ذلك، مهما صغر الموضوع أو كبر..

فمثلاً.. إحدى صديقاتي قررت ارتداء النقاب، بعد ردح طويل من السفور الشديد، وبالطبع -ونحن جالسون- فُتح الموضوع، وبدأ النقاش عن فرضية النقاب من عدمه، وهنا بدأت تردد الفتاة الكلام السائد عن فرضية النقاب ترديداً كأنه واجب عليها تسميعه؛ حتى إنها نطقت بعدة ألفاظ فصحى أكاد أكون متأكدة من كونها لا تعرف معناها من الأساس، وكلما زاد الضغط عليها زاد غضبها حتى أنها أخذت تردد حججاً في غير موضعها..

مرة أخرى المشكلة هنا ليست النقاب؛ فهو مسألة فقهية خلافية، وحرية شخصية في المقام الأول؛ المشكلة أن الفتاة تردد ما حفظته دون فهم، هي ليست مقتنعة مطلقاً بما تفعل، هي تريد التقرب من الله وبداخلها مشاعر وأحاسيس دينية طيبة، أرادت أن تعبر عنها، فانساقت لأول باب وجدته أمامها، لأول رأي سائد يردده الجميع في المحيط الذي وجدته به، لم تأخذ وقتها لتفكر، لتفتح كتاباً وتقرأ آراء الفقهاء المختلفة، لم تضع في اعتبارها تغيّر حالاتها النفسية عند أول خاطب يطرق بابها، ويطلب منها أن تخلع النقاب، وهو ما حدث، عدة شهور وقابلتها بلا نقاب، وعندما سألتها، انبرت مرة أخرى تردد سريعاً كافة الدلائل على كون النقاب ليس فريضة بذات الحماس السابق..

هل اكتفيت؟! مازال هناك المزيد؛ فمن يغضب ويتعصب وربما يدخل شجار لأنه يؤكد أن الهدف الذي أدخله فريقه ليس تسللاً، وهو يفعل ذلك ليس فقط مناصرة لفريقه؛ بل لأنه لا يتخيل أن يكون كل هؤلاء المنتمين للفريق يؤكدون أنه ليس تسللاً وهو وحده من سيشذ عن الجموع، إلى من يؤكد أن أحد الماركات هي الأفضل، حتى لو كان قد استخدمها ولم يجد بينها وبين غيرها فرقاً؛ فقط هو يفعل ذلك؛ لأن الآخرين الذين يفهمون في هذه الأمور قالوا هذا، وهو لن يختلف عنهم.

الأكثر أمناً دائماً أن نردد ما يقوله الآخرون، وأن نرتدي كما يرتدون، وأن نفعل مثلما يفعلون؛ حتى لو اختلف هذا مع ما نشعره ونعرفه ونراه، والغريب أنه مع الوقت لا يبقى هذا مجرد تظاهر؛ بل يتحول ليصبح رأياً خالصاً يدافع عنه صاحبه حتى الموت دون أن يجد مبرراً لهذا لو طلبت منه واحداً، فقط هو يتبع السائد..

أما الأكثر مدعاة لدهشة أو للسخرية -أيهما أقرب- هو أن تجد نفسك منخرطاً -حتى النخاع- في الرأي السائد حتى عندما تختلف معه، ولو كنت لا تصدق؛ خذ عندك هذا الموقف:

اعتدت دائماً أن أدخل في مشاحنات خفيفة حول بعض الآراء السياسة مع بعض أصدقائي، وفي أزمة الجدار العازل الأخيرة بين مصر وغزة، وخلال هذه المشاحنات قام أحدهم ليدلل على رأيه بأن مصر فعلت الكثير من أجل فلسطين وأننا خسرنا كل شيء وتعطلت التنمية والتطور بسبب أربعة حروب خضناها من أجل فلسطين وما الجزاء؟! الكل ينكر فضل مصر ويطالبونها بالمزيد.. وهنا أخذتني الحماسة وبدأت أدافع من منطلق أن هذا هو دور مصر التاريخي، وأنها الشقيقة الكبرى، وأنه إن كنا قد خضنا حروباً أربعة أخّرتنا؛ فهذا واجبنا تجاه الأشقاء.. إلخ.

وانتهى الأمر وجلست أفكر لأجد أعجب ما يكون؛ أين هي الحروب الأربعة التي خضناها من أجل فلسطين كما نردد جميعنا؟؟ حدث هذا بالفعل في 48؛ ولكن في 56 كنا نخوض معركتنا وندفع ثمن موقفنا من تأميم القناة وقرار بناء السد، وفي 67 كان فخاً معداً لمصر عن طريق التحرش بسوريا، وسقطت مصر به بكل أسف؛ بل وفقدت الجزء الذي كان في حوزتها من فلسطين، وفي 73 كنا ندافع عن كرامتنا ونسعى لاستردادها وإعادة ما فقدناه من أرض؛ ورغم ذلك لم نحاول حتى استعادة ما كنا نمتلكه في الأساس من الأراضي الفلسطينية.

ودهشت أين هي الحروب الأربعة التي نعاير بها الفلسطينيين دائمًا، وهذه المرة ليس فقط تَبِعنا الرأي السائد؛ بل أصبح هو الحقيقة الوحيدة المتقبلة اجتماعيًا والمترسخة في أذهان الجميع حتى لمن يريد أن يتخذ موقفاً مخالفاً؛ فإنه يبرر هذه الحروب الأربعة التي لم تحدث.

واللطيف أن كثيراً من الفلسطينيين أنفسهم لا ينتبهون لهذه الحقيقة البسيطة، ويرددون ما يقال ويبررون ويثورون؛ ولكنهم لا يقفون ولو للحظة واحدة للتفكير؛ ليكتشفوا أن المقولة ليس حقيقة من الأساس ليبرروها.

بكل أسف كلنا نسقط ضحية للرأي السائد مهما حاولنا ألا نكون مجرد فرد من القطيع؛ فلم نتعلم كيف يكون لنا رأي وكيف نفكر وحدنا، ولم نعلم هذا لأبنائنا استعدادًا لأن يعلّموه لأجيال قادمة.

لقد أصبحنا أمة من الببغاوات شديدة الجودة التي تردد كل ما تسمعه، حتى يصبح هو الحق الأوحد ولا حقيقة غيره أياً كانت العواقب.

مشاركات القراء

واضح انك لا تعلمي القدر

واضح انك لا تعلمي القدر الكافي من الاسباب الحقيقية لخوض مصر تلك الحروب مع اسرائيل و الغرب ففي حرب 56 كان الظاهر من الحرب ان الغرب يدافع عن مصالحة في الشرق الاوسط بعد قرار عبد الناصر تأميم قناة السويس ولكن الغرب هو الذي دفع عبد الناصر الي دائرة التأميم لتكون ذريعة لضرب مصر و عبد الناصر الذي ينادي بالعروبة والقضاء علي الاستعمار لانهم يعلمون ان السيطرة علي فلسطين و العرب لامفر منة الا بالقضاء علي عبد الناصر و اضعاف القوة العربية في المنطقة و هي مصر .ان اسرائيل و الغرب يعلم تماما ان قوة العرب تستمد من قوة مصر ولابد من العمل علي تفتيت تلك القوي و عرقلة جهود اي زعيم يحاول النهوض بتلك القوة التي تزعج اسرائيل و الغرب وكذلك كان الحال في حرب 67 و 73 احب ان اقول ان مصر هي الخطر الاشد خطورة علي الوجود الاسرائيلي في المنطقة ووجود الدولة العبرية لذلك فقدر مصر ان تكون واجهة الدفاع عن فلسطين وليس الدفاع عن نفسها فقط

انتى شايفه ان مصر مدخلتش حرب

انتى شايفه ان مصر مدخلتش حرب مع فلسطين للاسف هو ده شباب مصر دلوقت مقسوم بين حزبين حزب ش فى دماغه اى حاجه خااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااالص والحزب التانى شايف كل البلد سوده مفيش فيها اى حاجه صح وفى نفس الوقت شايف ان مفيش اى حل يا اخت ياللى كاتبه المقال لو نص شباب مصر بقى عندهم ايمان الناس اللى راحوا فى الحروب اللى انتى شايفه انها وهميهمصر هتتغير كتير ولازم كل واحد يبدا بنفسه انما للاسف كل واحد عاوز البلد تتغير وهو قاعد

كلام مظبوط مليون فى

كلام مظبوط مليون فى المية
دائما اقول ما اكثر الناس اللى عايشين بمبدأ إنا كذلك وجدنا أبائنا يفعلون

وللأمانة العلمية وعلشان متتهاجميش ومتتفهميش غلط كنت اتمنى لو كنتى تذكرى مثال فى موضوعك عن العكس الا وهو ان الناس تتشد وتقاوح لغايه متتنرفز فى فعل الغلط اللى مهواش من الدين او التدين

يبدو ان نجم اختنا دعاء حسين ابتدى يظهر ويعلى فى سماء بص وطل
:-)
بالتوفيق

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.