الموائد المليونية ليست للبائسين!!

Mar 2 2010
آخر تحديث 11:08:01
المنتخب أسعدنا كثيراً لكن هناك آخرين يستحقون ولو قليلاً من السعادة
المنتخب أسعدنا كثيراً لكن هناك آخرين يستحقون ولو قليلاً من السعادة

احتفلنا بالمنتخب وفرحنا بشدة لما حققه، ولكن بالتأكيد ستفاجأ عندما تصطدم بخبر إعداد احتفال يحوي 30 مائدة فاخرة سيتم بيعها لرجال الأعمال بسعر 2 مليون جنيه للمائدة الواحدة؛ ليتم جمع 60 مليون جنيها لصالح المنتخب؟!!!

هل حقًا فقدنا القدرة على الرؤية العميقة إلى هذا الحد؟ وهل تستحق الكرة -مهما بلغ شأنها- أن تقام الأفراح والاحتفالات والولائم وتنهمر الأموال لكل هذه الفترة؟ لقد دافعنا عن حق المواطنين البسطاء في أن يسعدوا لعدة ساعات بعد المباراة، فالشعب يحتاج لقليل من السعادة حقًا..

ولكن تحولت سعادة الشعب -من وجهة نظري- إلى استغلال لهذه السعادة، ليفوت الجميع أمور لا تفوت، فتجد في الإعلام الرياضي يحتفلون بخبر الحفل، وتبريرهم للمواطنين البسطاء كي لا يستكثروا 60 مليون جنيه تذهب هكذا، بحجة أن المنتخب أسعدنا ويجب أن نُسعده..

المنتخب أسعدنا بالفعل ويجب أن نسعده بكلمة جميلة، بمقال إشادة، بالمكافأة التي منحها له اتحاد الكرة، ولكن أن يخصص 60 مليون من الجنيهات كي نسعد المنتخب، فمن الأفضل أن نتوقف عن الكرة ونبقى تعساء.. ولكن ليس هذا هو رأي المسئولين.. فهم يرون فقط أن المنتخب هو الشيء الوحيد في مصر الذي يستحق أن يتم إسعاده، قد نرى نحن آخرين يستحقون ولو قليلاً من السعادة، ولكنهم سيقولون لنا في النهاية: لكل منا وجهة نظره، ولكن ما المانع في إلقاء نظرة على بعض هؤلاء الآخرين الذين لا يستحقون السعادة مثل:

- ضحايا السيول الذين يعانون أشد المعاناة، منازلهم دُمِّرت، شوارعهم شُوِّهت، وتجارتهم فُقدت، مناطق بأكملها تحتاج إلى إعادة هيكلة، لكي يقف هؤلاء المواطنون على أقدامهم مرة أخرى ويستطيعوا استعادة حياتهم..


- والحاجّة صباح، عمرها 90 عاما، معاشها 9 جنيهات في الشهر و10 قروش عن كل عام عاشته، هو ليس معاشها بأي حال، بل هي تأمينات تقبضها عن فقد ولدها في حادث، والغريب أن الحاجّة صباح تنتظر الـ9 جنيهات بشوق، وتقف أمام مكتب البريد بطنطا بظهرها المحني في الطابور حتى تفوز بهم؛ لأنها لا تملك دخلاً غيرهم بالإضافة إلى ما يجود عليها به أولاد الحلال.. ترى ألا تستحق السيدة صباح قليلاً من الإسعاد؟! ألا تستحق جزءا من إحدى موائد هذا الاحتفال، جزء صغير للغاية ليعطوها نصف مقعد على المائدة، بالتأكيد هذا سيغير حياتها بشكل كلي أكثر من الـ9 الجنيهات التي تنتظرهم كل شهر.

- وفتيات صغيرات تتراوح أعمارهن بين الشهر الواحد والـ18 عاما، يتحركن حول الجدران الباهتة، وحجرة الأطفال التي تحوي مهودا متهالكة، والعنابر الباردة ببطاطينها الصوفية الرمادية الكئيبة الخشنة، كل هذا لا يمكن مقارنته بساعة الطعام، عندما يتجمع الأطفال فوق الموائد الطويلة المعدَّة، يجتمعون جميعًا على موائد مشققة ذات مفارش حال لونها وملأتها بقع لم يعد الغسيل يصلح معها لإزالتها، فهي بالتأكيد ليست موائد بملايين الجنيهات هذه المرة، إنها مجرد مائدة طعام في ملجأ لليتيمات بمنطقة وسط البلد، فوق كل مائدة يوضع أمام كل طفلة طبق من الصاج المقسّم، وتمسك الطفلة بالطبق، وتقف في الطابور أمام المشرفة، لتحصل على ماذا؟

- ملعقة واحدة من الأرز الباهت المصنوع بأسوأ أنواع الزيت.
- قطعة صغيرة من الدجاج (فربع الدجاجة الواحد يتم توزيعه على 6 أطفال).
- ملعقة من الخضار خالي النكهة.
- نصف إصبع من الموز أو نصف برتقالة، أيهما متاح.

لا حظ من فضلك أن المكان خدمة خمس نجوم، فالإدارة والمشرفات يحرصون على أن يحظى الأطفال ببروتين حيواني يوميًا حتى لو كان قليلاً، وكذلك على فاكهة ليستفيدوا من المعادن والفيتامينات المتواجدة بها، حتى لو كان نصيب الطفلة الواحدة نصف ثمرة، تتناقص لربع ثمرة في فترة الأزمات.

وبكل أسف هذه ليست صورة من الخيال بل صورة حقيقية تمامًا، فدخل الملجأ البسيط محدود، ويعتمد في أغلبه على التبرعات الفردية، ولذلك فحالته دائمًا تتأرجح، ولكنك دائمًا عندما تذهب وتدير رأسك ستشعر بالبؤس، أعتقد.. لذلك لا تستحق تلك الفتيات بعض الإسعاد بإحدى موائد الحفل أو حتى جزء من مائدة.

- وهناك أطفال صغار وشباب كانوا واعدين يومًا ما، وكبار في السن كان حلمهم أن يقضوا أيامهم الأخيرة بشكل هادئ، يجمعون متاعهم للرحيل، ليس لانهيار منزلهم، أو لطردهم منه، أو لعدم دفعهم الإيجار مثلاً؛ بل لأن معهد الأورام يتصدع وسيغلقونه.

لن نتكلم عن الفساد الذي جعل مبنى بهذه الأهمية يتحول لهذا الشكل المزري في هذه السنوات القليلة، فهذا موضوع آخر وفساد يحتاج لمساحة كاملة له ليناقش، بل سنتكلم فقط عن إخراج هؤلاء ونقلهم إلى آخِر بلاد الله؛ ليستطيعوا أن يحصلوا على جرعة دوائهم، أو يحظوا بجلسة كيماوي أو إشعاع قد تمد في أعمارهم يوما آخر، فيتوقفوا عن معاناة المرض وحدها ليضاف لها معاناة الطريق والبعد وعدم توفر الإمكانيات الكافية في المقر الجديد، وكل ما كانوا يحتاجونه ببساطة أن يتم إنشاء مقر مؤقت باستخدام الجدران سابقة التجهيز، في الحديقة العامة المقابلة للمعهد، كما اقترح مدير المعهد نفسه، ولكن المحافظة رفضت تشويه الميدان الجميل، والميزانية لم تسمح بإقامة مبانٍ جديدة بهذا الشكل، لن نتساءل بالطبع لو كان أحد رجال الأعمال الملتفّين حول الموائد المليونية يمكنهم التوسط لدى محافظ القاهرة ليقرض المعهد الحديقة عدة شهور حتى الانتهاء من ترميم المعهد؟ ويتنازل عن حضور الحفل الشيق، ويدفع ثمن مائدته من أجل إقامة المباني؟؟!!

بالطبع هذا كثير... فالأطفال مرضى السرطان بكل تأكيد لا يثيرون داخلنا سعادة، بل ينشرون حولهم البؤس أينما ذهبوا، لذا لا يستحقون الإسعاد بالتأكيد.

هذه هي آخر صورة بؤس ومعاناة سنتعرض لها، ليس لأن الصور انتهت، ولكن لأنه لم يعد هناك مزيد من الكلام يمكن أن يقال، ولم تعد لدى كاتبة المقال المقدرة على مزيد من الصور البائسة؛ فهي أيضًا ستذهب لتبحث عن قليل من السعادة في مكان ما، ربما تقع على مائدة مليونية، من يدري؟!

مشاركات القراء

د.احمد سعيدة بشدة أن المقال

د.احمد

سعيدة بشدة أن المقال عجب حضرتك يا دكتور، والحقيقة أن النظرة السريعة لأغلب أفراد الشعب الآن سنجد أن هذه المبالغ البسيطة ستفرق معهم بشدة، لم يعد أحد على نفس طبقته المادية التي كان عليها العامين السابقين الكل هبط درجة أو اثنتان في السُلم الاجتماعي، حتى المتيسرين لم يعد بإمكانهم اليوم أن يعيشوا كما كانوا يعيشون سابقًا فقط الحراميه وأصحاب المال السهل هم من يستطيعوا ذلك اليوم وهم من لم يتغير دخلهم، وينظروا لاحتياج المريض لـ100 جنية أو رب أسرة لـ300 جنية، نظرة فوقية متقززة، اعتقد أن المثل الشعبي أن الشبعان لا يشعر بالجوعان مثل عبقري، والأكثر بشاعة عندما يكون هذا الشعبان لم يتعب في الأموال التي حصل عليها..

tores_star2008

رد بليغ حقًا فلم نعد نملك سوى الحسبه بكل أسف

egyption man

حزينة لأصابتك بالهم ولكن الواقع المؤسف الذي نحياه يدفعنا دفعًا لهذا الهم.

حجات كتير لزمن تتغير اولها

حجات كتير لزمن تتغير
اولها احنا قبل حكومتنا
رجال الاعمال واصحاب الملايين الا من رحم ربي
غاويين شهرة ومنظرة
والله انا فعلا اصابني الهم بسبب ما قرأت .
لا تعليق .

روعة يا دعاء. أتذكر هنا كلام

روعة يا دعاء. أتذكر هنا كلام برخت: "ما الذي فعلته أنا كي أستحق أن أشبع ؟.. إن ساء حظي فسوف أضيع !!". لن تتصوري أبدا ما يمكن لمئة جنيه أن تفعله مع فقراء مستشفانا، أو من يموت ويتيتم أولاده لانه لا يملك 300 جنيه .. وبعدين يقولوا المائدة باتنين مليون !!

حسبى الله ونعم الوكيل

حسبى الله ونعم الوكيل

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.