
ونحن على أعتاب انتخابات مجلس الشعب، وفي انتظار انتخابات الرئاسة القادمة، تشهد طوائف الشعب انقساماً ما بين مؤيد للنظام الحالي بكل ما يعدّونه من مساوئ من مبدأ (اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفهوش)، ومعارض يحلم بالتغيير؛ لأجل التغيير ورؤية الجديد، أو التغيير للبحث عن الديمقراطية وحلم التقدم والنهضة عند طبقات المثقفين، ورفع أشكال الظلم وعودة الأمن وطعم الحياة واستقرار الأسعار وتوفّر المؤن عند طبقات الكادحين.
وبين هؤلاء وأولئك أقف معكم هنا، لنرى الصورة كاملة ونقرأ الحلم ونرسمه ثم نعيد نفض غباره لنرى من خلفه قتامة الواقع.
فأما البقاء على الواقع الحالي؛ فلا يحتاج لكبير عناء لتصور تفاصيله المستقبلية، وأما حلم التغيير؛ فإنه يحتاج منا أولاً لرسم الحلم.. فهل حلم التغيير يصبح وردياً عند تغيير من نريد تغييرهم من صناع القرار؟
سؤال يحتاج لوقفات لا لوقفة عند الإجابة عليه... فالتغيير لهذه الشريحة لا يمثل سوى نسبة ضئيلة جداً ويبقى الجزء الأكبر في تغيير من يريدون التغيير.
هل تساءلت معي كم هي القوانين والنظم الموضوعة لصالح الشعب ولصالح الجميع وأيضاً (من قِبَل أناس ناضجي الفكر والضمير وممن اخترناهم أو ارتضيناهم لقيادتنا)؟
هل رأيت يوماً صندوق قمامة في الشارع وأكوام القمامة ملقاة إلى جانبه؛ لا لأن الناس محافظون على النظافة وأن الصندوق قد امتلأ من كثرة النظافة فوضعوا قمامتهم إلى جانبه؛ بل لأن الإخوة الكرام يكسلون عن المشي خطوات حتى صندوق القمامة فيطوّح الواحد منهم بكيس القمامة على طول ذراعه؛ في الوقت الذي يمشي أميالاً عندما "يدوّخه" موظف حكومي بطابع لم يكتمل في سلسلة الطوابع والدمغات التي لا تنتهي؛ فهل يعتقد أحدهم أنه بهذا يردّ انتقامه لمن أهانوه و"شحططوه" من أولياء النظام الذي يحلم بتغييره.
هل رأيت مرة طابور السيارات التي تصطف إلى جانب بعضها لكن هذه المرة بعرض الشارع لا بطوله؛ والعجيب أن ذلك يحدث مع وجود أماكن رسمية خالية؛ لكن "برضه أخينا إياه مكسّل يمشي الخطوتين إياهم فركن قدام المحل".
هل رأيت الأحياء الشعبية وما فيها من مهازل الأفراح والتنجيد والشبكة، حدّث ولا حرج عن سد الشوارع والصخب السمعي الذي يصم الآذان.
هل وقفت لتشتري من أحد الباعة الذين يفرشون في الشوارع لتفاجأ بأنه يفرش في منتصف الشارع ويترك الرصيف خالياً؛ فقط لأنه يخاف من أن يأخذ زميله -الذي يتقدمه بخطوات- الزبائن قبل أن يصلوا إليه.
هل عشت لحظات حرق الدم في ذروة الزحام حين تجد الزحمة مبالغاً فيها، ويتحول العذاب المحتمل إلى عذابين؛ لتفاجأ أخيراً بأن "واحد فهلوي" يقطع طريقك بالاتجاه المعاكس لأنه رفض أن يصبر على العذاب كإخوته؛ فعطّل نفسه وعطل غيره.
لنجد أنفسنا أمام كل ذلك يكون سخطنا واحداً ننهال به على البلد بنت الـ... "والحكومة التي من المفترض أن تشرّع وتقنّن وتنظّم وتضع؛ لكن كل واحد منهم مشغول بملذاته".
وهَبْ أن الحكومة قد شرّعت ونظّمت وقنّنت؛ وجاء أحدهم ليخرب هذا النظام ثم يرشي أحد القائمين عليه؛ فأنت في المقابل لم تعترض ولم تتكلم؛ بل أحياناً تتعاطف معه من منطلق "الناس زهقانة وتعبانة وطفشانة ومضغوطة ومش عارف إيه".
إن التغيير ليس كلمة ولا التغيير حلم؛ التغيير ثقافة واجتهاد وتضحية وتحمّل للمتاعب والمشقات؛ فهذا الذي يخرب النظام يخربه لأنه لم يتربَّ عليه يوماً، ثم لم يجد من يضرب على يده حين خرقه أول مرة.
وصناع القرار أخيراً مهما كانوا من السوء؛ فهم لا يمثلون إلا نسبة ضئيلة تعمل بأدوات، وهذه الأدوات هي أنا وأنت وابني وابنك ووالدي ووالدك وأخي وأخوك؛ فإن كانت الأدوات غير صالحة للاستخدام الفاسد؛ فكيف لها أن تعمل فيه؟ وكيف لأي فساد مهما بلغت حدّته أن ينمو ويترعرع في ظل تربة طيّبة تقول للخطأ لا وتعمل على إصلاحه كلٌ بنفسه وبرعيته وبكلمة تجمع معها كلمات، وثقافة مجتمع وشعب؟
هل ستغير الكون وحدك؟
تلك هي العبارة التي تتردد كلما حانت لأحدنا بارقة أمل في الأفضل؛ لكن ما المانع يا أخي أن أكون أنا من غيّر الكون وحده؛ حين يبدأ التغيير مني أنا ومما أستطيع أن أغيّره.. تصوّر معي أنك حين وجدت مدخناً في المواصلات ينفث دخانه في وجه "خلق الله" بكل تناحة وبجاحة، فنهرته ونهيته عن ذلك، ثم حفّزت غيرك على ذلك؛ فهل تراه يعود لها؟
ولو عاد؛ فإنه ساعتها يحسب حساب من سيفعل فعلك، ثم إنك ستُعلّم غيرك وتلفت نظره ليكون إيجابياً في هذه وتلك.
إذا اعترضت على هذا الذي يأخذ الاتجاه المعاكس ولا يعبأ بأحد ولم تفسح له الطريق، بل أجبرته على الوقوف، وخسرت بعضاً من وقتك حتى تأتي الشرطة لتقبض عليه متلبساً؛ أفلا تعتقد أنه سيكون عبرة لغيره ممن رآه أو من سمع عنه؟ وألا تعتقد أن تكون أنت مثلاً لقلة يكونون مثلك.
هل فكرت يوماً أن تردّ اعتداءً أو تحرشاً بإحدى البريئات من أخواتنا اللائي يتعرضن يومياً له؟ أم أنك تكتفي بأن تبرر لنفسك بأنها هي التي فيها وفيها، ولولا ذلك ما سكتت على ما تتعرض له؟ أم أنك نسيت أنها تحسب حساب رد الفعل من هذا الإنسان بعد أن تيقّنت أن النخوة والمروءة قد ماتت في كل جنس الرجال فلن يفزع أحد للدفاع عنها آخراً كما لا يفعل أولاً؟!
عزيزي المواطن.. ثقافة التغيير هي ثقافة جماعية تنطلق من إحساس بأننا فَعَلْنا كل شيء وبقي هذا الجزء لنغيّره حتى يكتمل البناء. وإذا كان الله تعالى لا يرفع البلاء من قوم حتى يرى منهم مبادرة لرفعه كما في كتابه العزيز {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}؛ فحلم التغيير الذي نرجوه من باب أولى أن تكون بدايته من أنفسنا، التغيير يحتاج عقلاً يفهمه ونفساً تلتزم بما تُلزم بها نفسها قبل أن يُلزمها به آخرون.
يبقى جانب آخر وهو صادم كلما تصوّرته.. وهو أن من يطالب بالتغيير لأجل الإصلاح يضيق ذرعاً بهذا الإصلاح؛ لأنه يضيع عليه فرصاً أخرى سهلة، وأموراً أخرى تمشي "بالبركة ومحدش شايف حاجة"؛ فكثير من الناس -كأبسط الأمثلة- يضيق بالطوابير وإشارات المرور ومواعيد التسليم والتدرج الرسمي لإنهاء الأوراق الرسمية؛ لكنه في المقابل يقبل التعايش مع الزحام والفوضى التي تقضي على أضعاف وقته ومجهوده الذي كان يضيع لو اتبع النظام، والرشاوي التي تجهز على دخله الذي يفقد أكبر منه مقارنة بما يدفعه من رسوم إدارية، أو جهداً في تحصيل هذا الدخل أكبر من جهده المفقود في دائرة رسمية.
لقد اعتدنا الفساد؛ ومن ثم تحوّل الإصلاح إلى كابوس بالنسبة لنا؛ لأن كلاً منا ينتظر من هذا الإصلاح أن يكون لصالحه هو فقط، وينسى أن الإصلاح يقتضي واجبات ويفرض حقوقاً؛ فكي تأخذ عليك أن تعطي.
عزيزي المواطن.. كن أول حلقات التغيير؛ ولا تستصغر ما تفعله؛ فإن الجبال من الحصى، وطريق الألف ميل يبدأ بخطوة، وتذكر حافزاً هاماً: أن الشائعات والسلوكيات تسير في المجتمع بسرعة لا تضاهى؛ فكن صاحب سلوك تحمد عليه، وتُتبع فيه، وتغيّر به.
رائع .. مقال مختصر وجامع
رائع .. مقال مختصر وجامع
تفوقت على نفسك يا أستاذ عبد
تفوقت على نفسك يا أستاذ عبد الرحمن
فعلا الشعب لازم يتغير .. بداية التغيير لازم تكون من الشعب نفسه فسلوكياتنا أصبحت رد فعل للفساد أو عدم النظام والشعب بقى بيتصرف وخلاص ... لكن لو كل واحد فى مكانه اعترض على الغلط ويبقى عارف كويس انه ممكن يتأذى احيانا وممكن مصالحه تقف لكن مفيش حق بيجى لوحده لازم ندفع تمن حريتنا ونهضتنا اللى احنا عايزينها.
أنا عن نفسى بقالى فترة مفيش موقف بيحصل ادامى غلط واعديه ابدا لازم اعترض وطبعا سعات بسمع مالايرضينى أو لو بعمل مصلحة تقف .. لكن فى اخر الموقف بلاقى الناس وقفت معايا ضد المخطئ .. بجد ياريت كلنا نحاول نغير وهنلاقى الف واحد هيقف معانا .. الناس هتقف مع الحق بالفطرة









