لوحة الخشخاش وليست البانجو!

Aug 31 2010
آخر تحديث 12:51:18
للمرة الثانية تُسرق اللوحة التي لا تُقدّر بثمن
للمرة الثانية تُسرق اللوحة التي لا تُقدّر بثمن

كما لو كانت نكتة.. للمرة الثانية تُسرق هذه اللوحة التي لا تقدّر بثمن.. شئ لا يمكن أن يحدث سوى في مصر.. كيف تُسرق لوحة في بلد واحد مرتين؟"! السرقة الأولى حدثت عام 1978 وتمت إعادتها، وهذه المرة تمّت السرقة بأكثر الطرق بدائية وظهوراً للعيان؛ حيث قام اللص بسحب كنبة، ووضعها أسفل اللوحة ثم أخرج أداة حادة لقطع اللوحة من بروازها.. كل ذلك يحتاج على الأقل إلى عشر دقائق لو كان لصا متمكّنا، ورغم ذلك لم ينتبه أي فرد بالمتحف إلى أن هناك أمراً مريباً يحدث!.

فلو سألت أي مسئول عن الدروس المستفادة من السرقة الأولى، أو الاحتياطات التي تم اتخاذها في أعقاب الحادثة الأولى لمنع تكرار هذه الحوادث؛ ستجد الإجابة: صفراً كبيراً، وربما النتيجة تصير بالسالب أيضاً.

ما حدث هو نتيجة متوقعة مُوجعة لسلسلة الإهمال الذي نحيا فيه، وتأكيداً على عبثية وزارة الثقافة التي يُخصص لها ميزانيات ضخمة لا تضيف أي رصيد للحياة الثقافية في مصر، بل على العكس تنتقص منها.. هذا بخلاف الإهمال الذي أثار الغيظ واللامبالاة في التعامل مع ثروة قومية، فلو حدث ذلك في أي دولة تحترم مواطنيها لكانت الإقالة للوزارة بأكملها هي الحل الفوري، والجزاء يأتي تباعاً..

شيء آخر لفت انتباهي ألا وهو ردود الأفعال الغريبة للمحيطين والتي تُثبت أننا نقطع كل يوم شوطاً بعيداً عن الثقافة تماماً؛ عدد كبير ممن سمعت آراءهم كان يجهل ماهية اللوحة نفسها، ولا يعرف أنها إحدى أهم لوحات الفنان العالمي فان جوخ واسع الشهرة، بل للأسف كان هناك من يجهل ماهية فان جوخ نفسه!، ومن ثم كان البعض لا يرى فيها أي قيمة أو ثروة تستحق كل هذه الضوضاء التي أثيرت حولها؛ ومن ضمن التعليقات التي سمعتها وأفقدني القدرة على مواصلة الحوار، تعقيب على اسم اللوحة: "ده اسمها لوحده مؤبّد.. هههه"؛ نعم فالأمر مضحك كما ترى!

ولم تكن تلك الآراء نابعة من البسطاء الذين لا يشغلهم في الحياة سوى اللهاث خلف لقمة العيش، لكن للأسف هي آراء الفئات المتعلمة من الطبقات الاجتماعية المرتفعة؛ مما يؤكد إلى أي مدى من السوء وصل حال الثقافة في بلدنا.. وبالفعل يعاني فن الرسم بالذات من إنكار يكاد يصل لحد الاستهزاء؛ فالجمهور العريض يرى في الفن التشكيلي والتجريبي والسيريالي كله نوعا واحدا من "الشخبطة" بفرشاة يمسكها طفل صغير!

فللأسف لا يحظى هذا اللون من الفن بالاحترام.. بل لا يُنظر إليه باعتباره فناً من الأساس؛ وأتذكر هنا لدى متابعتي لتغطية أحد معارض الفن التشكيلي أنني أبديت إعجابي بإحدى اللوحات، وإذ بي أسمع تعليقات من الأصدقاء ألجمتني عن مزيد من إبداء الإعجاب، تقول: "دي المفروض يتكتب عليها الحاج مرسي وأولاده للدهانات"، و "ابن أختي بيشخبط أحسن من كده"!، وهو ما أحزنني بالفعل.. فلعل من أكثر الأنشطة الإنسانية التي أشعر بالأسف لعدم إجادتها هو الرسم؛ حيث إنها موهبة ربانية أشعر معها بمتعة الإبداع الحقيقي عندما تبتكر عالما من الخيال على صفحة بيضاء ملساء، ولا يضاهيها متعة سوى الكتابة وخلق عوالم بالكلمات.

عندما أشاهد أحد الرسامين يبتكر عالمه على القماش أو الورق أشعر تجاهه بالحسد، وأتأمل في انبهار الفرشاة التي تتحرك حركة ذاتية، أشعر وكأنها عصا ساحر.. بل إني ضبطت نفسي مرة وقد أطلت تأمل إحدى لوحات "رامبرانت" المنشورة بالصحيفة لمدة ربع ساعة؛ وهو ما يدفعني للتساؤل سؤالا أشمل وأعمّ عن النظرة التي يرى بها المصريُّ الفنَّ عموماً.. والتي ستجد أنها إما نظرة مسطّحة سلبية أو متندّرة مستهزئة، أو في بعض الآراء المتشددة ستجد هناك تحريماً للفن بشكل عام، والموسيقى والرسم والنحت بشكل خاص.. فما زال هناك البعض ممن يُحرِّم الرسوم والتماثيل والموسيقى، ويُعتبر الحديث عنها معهم حديثا شائكا للغاية؛ حيث إنها محرّمة تحريماً لا نقاش فيه من وجهة نظرهم.

أما فيما يتعلق بالفنون الأخرى -كالكتابة الأدبية مثلاً- فهناك محاذير كثيرة تقف بالمرصاد للمبدع، تجعله إما يرتبك فلا يخرج ما لديه من إبداع بشكل صريح، أو يتجاهلها فتلاحقه اللعنات.. والنظرة الأخرى الساخرة التي تحطّ من قيمة الفن وأهميته من الأساس؛ فسرقة اللوحة أثبتت أننا بحاجة لتثقيف قوي، وأننا نعاني حالة أنيميا حادة في الاعتداد بما لدينا من ثروات لا نقدّرها ولا حتى نراها.. فالمتاحف لا تجد لها زواراً إلا من السياح أو القليل النادر من المواطنين.. المَعارض التي تنظّم للصور واللوحات تجد عددا قليلا من الزوار، هم الرسامون والفنانون الذين يزور بعضهم معارض بعض!

لن أتحدث عن حفلات الأوبرا مخافة أن أتلقى قذيفة في رأسي، فتذاكر حفلاتها قد تكون بعيدة عن متناول أيدي معظم الشعب بالفعل. لكن ماذا عن متاحف الآثار نفسها والتي لا تتعدى رسوم زيارتها بضعة جنيهات؛ مثل المتحف المصري الذي لا يزروه المصري.. ومتاحف عابدين ومحمد علي وغيرها.. سيقول البعض إن الثقافة رفاهية تحتاج لبال رائق غير مشغول في طاحونة العمل وساقيته. وهو رأي قد يكون به شيء من الصحة لكن ليس كلية، فهناك دول أكثر منا فقراً وأقصر عمرا ثقافيا وحضارياً، ورغم ذلك يُدرك شعبها قيمة الفن، ويقدّر ما لديه من آثار حتى وإن كانت نادرة.. عكس ما نفعله نحن.

أظل أتابع أخبار البحث عن اللوحة والعقاب الذي حلّ على كِباش الفداء؛ كي تهدأ الضوضاء قليلاً، بينما يبقى السبب في سرقة اللوحة -مادياً باختفائها، ومعنوياً أثناء وجودها بإهمالها- باقياً، ليصيب الحياة الثقافية في مصر بمزيد من الموات.

 

مشاركات القراء

أحب أقول للص اللى سرق اللوحة

أحب أقول للص اللى سرق اللوحة عقبال سرقة شجرة البانجو بتعتك وبتعب كل شباب المصريين

الفن أصله أذواق ،زي ما في ناس

الفن أصله أذواق ،زي ما في ناس بتحب الموسيقى الهادئة وناس تانية مايسمعوش غير هيفي ميتال...مانقدرش نلوم على الناس عدم تذوقها للفن التشكيلي خصوصا لما يكون مابيعبرش عنهم أو مش مفهوم بالنسبة لهم زي فنون تانية موجودة ومتفاعلة مع حياة الناس.
وزي ماحضرتك قولتي الحالة الاقتصادية بتأثر في أولويات الناس

والله ياريت كل اللوح تتباع

والله ياريت كل اللوح تتباع لان بلدنا لاتقدر هذا الفن واتفق مع الاخ اللى بيقول احنا مش لاقيين لقمة العيش يبقى هنروح معارض

"ده اسمها لوحده مؤبّد..

"ده اسمها لوحده مؤبّد.. هههه"؛
هههههههههههههههه موضوع رائع وجميل

هل انتى شايفه يا استاذه ساره

هل انتى شايفه يا استاذه ساره ان شعب مصر عنده الرفاهيه عشان يروح معارض و لا يهتم بلوحه فان جوخ احنا شعب بندور على لقمه عيشنا الاول و بنشوف المصايب اللى بتحصل حوالينا
بلاش نفاق بقا
احب اقولك ان معظم الشعب المصرى ليه حق يعمل من اللوحه دى مسخره و تريقه و يعتبرها تفكير من ناس دماغها فايقه و رايقه اوى
روحى شوفى الناس اللى ماتوا فى طوابير العيش و اللى بيموتوا عشان اكل العيش
اظن ان حياه الناس الغلابه دول اللى محدش عايز يشوفهم تساوى اكتر من اللوحه دى

اه كنت توضح ان اللوحة دى

اه كنت توضح ان اللوحة دى اتسرقت مرة كمان قبل دى مش سنة 78 لا دى كانت سنة 2003 واللى سرقها ممثل مشهور اسمه كريم عبد العزيز فى فيلم حرامية فى تايلاند وكان اسمه هيما وكان شغال موظف كحيان فى الكهربا ومايعرفش غير انها صورة فازة وناس هابلة قاعدة تتفرج عليها

لولا ان الدنيا صيام كنت قلتلك

لولا ان الدنيا صيام كنت قلتلك كلام ميعجبكش يا سيادة محمد محمود
بس انت تنفع اووى واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
ربنا يرحمنا من البرمجة والحجات اللى ملهاش لازمة والقمح احسن من كلامك
صراااحة ضيقتنى

شكرا لرأى محمد محمود فقد اوضح

شكرا لرأى محمد محمود فقد اوضح وجهة نظر الكاتبه من دون جهد منها. أهو ده الى بتتكلم عليه .

لن أقتنع بكلام سيادتك ، فعلاً

لن أقتنع بكلام سيادتك ، فعلاً ما فائدة الشغبطة التي تسمونها الفن التشكيلي ، وما فائدة الخطوط المتعرجة هنا وهناك والمنحنيات التي لا فائدة من ورائها أو رسم شكل أنثى قذر ....الخ ويسمى فن ،،،،،، أي فن هذا
إنه زمن المعايير المقلوبة
فعلاً يعجبني رسام قام برسم منظر طبيعي خلاب ....الخ فعلاً يحق لنا أن نقول عنه فنان.
ويا عم الباشا :
ولو عندنا لوحات زي اللي اسرقت بالملايين بيعوها للأجانب واضحكوا عليهم وهاتوا بيها غاز من إسرائيل ولا قمح من روسيا أهي حاجة تنفع الشعب أحسن من الكلام الفاضي ..... فن تشكيلي قال ،،،، يا عم روح نام

مفيش

مفيش فاااااااااااااااايدة
حتفضلوا كده ولا حد حيفهم يعني ايه فن ولا نيلة
والله احنا منستاهل نعيش

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.