
الحقيقة العلمية الجديدة صارت تؤكد أن العنصر المصري يتعارك دائما.. فهو إن لم يجد أسباباً قوية تجعله يغضب فهو ينتقل للمستوى التالي من طاقته، وتصير ذراته أكثر نشاطاً أي أنه يحفّز ذراته بنفسه، إما باسترجاع موقف ما أغضبه منذ المرحلة الابتدائية ونسيه، وإما بتصيد الخطأ لمن حوله.. والغريب أنه قد يتشاجر في وسط لحظات الهدوء النفسي القليلة النادرة؛ فلو تأملت لقاء شلة أصدقاء على أي مقهى أو تجمع أسري، وبدأ النقاش فيه يترعرع ويشب على أقدامه ستجد دفة الحديث لا بد أن يجذبها طرف من الأطراف بقوة لتحيد المركب بعنف منبئة بقدوم عاصفة؛ فأحياناً كثيرة أشم رائحة التوتر القادم في الحديث، وأنتظر في صبر في بداية أي نقاش سياسي أن يُسقط مظلة الحديث على الماضي حتى لو كانت بداية الحديث عن الحال العام الآني والغلاء والكبت؛ أظل أنتظر أن يبدأ كل طرف في الحديث إما عن السياسة قديماً.. أيام السادات أو عبد الناصر، وهو رغم توقعي له في كل مرة لكنه يدهشني في كل مرة أيضاً!.
حيث إن تكرّر الأمر بحذافيره أمر ليس مملاً قدر ما هو شاذ، وأحياناً مثير للغيظ، فيشعرك كأنك ترغب في هزّ من أمامك راجياً إياه أن يتوقف عن هذا الأداء فلقد تشبعت به!.
وعندما تحين تلك النقطة في الحديث أيا كان حميميته فإنه ينقلب لنقاش حاد وخلاف قاطع.. فلا بد أن تجد الطرفين إما مؤيد تماماً لمرحلة السادات ومعارض قوي للناصرية، أو عاشقاً لـ"ناصر" يرى في السادات كل سواد! ولا يكتفون بالانطباعات أو الآراء الشخصية طبعاً! إذ يبدأ صوت كل طرف يعلو يعدد مزايا ذلك العصر ويلعن العصر الآخر. وترى الحمية والعصبية في العيون، فتحسب أنه يتقاتل هكذا ويستميت في الدفاع عن كليهما، وكأنهما من أفراد العائلة؛ حيث ما يمسّهم يمسّه ولا يسمح لأي أحد أن ينتقد أي فعل لهما!.. والعامل المشترك في هذه الحوارات هو العصبية والحدّة في عرض الرأي التي قد تصل إلى أن يعتبر معارضتك لما يقول هجوماً شخصياً..
ثم الابتعاد التام عن المنطق والحياد والغرق حتى الأذنين في مصيدة الانطباعية والحكم بالمشاعر والأهواء..
وهو ما أندهش له بالفعل؛ فقد يصير أمراً معتاداً وصحياً الحديث عن التاريخ، لكن لهدف واضح هو استخراج دروس مستفادة من الماضي تُمكّننا من عدم تكرارها في المستقبل وتلافيها في الحاضر.. لكن أن نظل ندور في فلك الماضي حتى الآن فهو أمر عجيب.. طاقة كبيرة نبذلها في التحاور والإصرار على إقناع الطرف الآخر، ووقت كبير ثمين يضيع في هذه الترّهات في حين أن الحاضر مليء بما هو أهم وأكثر كارثية في الأوضاع!
بل إن كثيراً من مصائب الحاضر سببها تلك العصور التي نتعارك في الدفاع عنها؛ لأننا لم نتوقف عندها لندرسها بعمق، بل تحمس كل منا للدفاع الأهوج فقط.. كثيراً ما كنت أخوض في مثل تلك النقاشات أحياناً بين الأصدقاء أو في المنزل مع العائلة، والمتأمل سيلاحظ اختلال واختلاف نبرات الصوت عند بداية الحديث الباسم في أوله حتى يصل لتلك النقطة الشائكة.. فتتغير الأصوات وإن لم يحتدّ النقاش يصير بعدها الصمت هو النتيجة المنطقية وما في النفوس يبقى في النفوس إذن!.
والأمر تنويعة على العادة المصرية الصميمة في عدم تقبل الرأي الآخر واعتبار الاختلاف في الآراء اختلاف شخصي، ويكاد يمس الكرامة أحياناً.. حيث معنى أنك لا توافقه هو أنك لا تحترمه دون أي معنى آخر!.
إلى جانب أهم وهو الرغبة الدائمة في الربط الذاتي بالماضي وعدم الخروج من دائرته التي أغلقناها بإحكام علينا.. ننسى أننا نتشاجر بخصوص ما مر عليه أكثر من نصف قرن في حين أن ما مر عليه نصف يوم يمسنا أكثر بالطبع! كذلك لا أفهم إلى الآن معنى أن يكون المرء مؤيدا تماماً لفترة بعينها؛ فالفترتان -نعم فهما فترتان رغم أنه عمرهما الزمني أكثر من نصف قرن!- لهما من المساوئ أكثر مما لهما من المحاسن؛ لكن الناصري يعتبر الساداتي شخصاً عليل التفكير منتفعاً من الانفتاح؛ والساداتي يعتبر الناصري شخصاً عاشقاً للأبواق والشعارات كاتماً للحريات..
كما أني لا أعي إلى الآن معنى أن يقول المرء عن نفسه إنه ناصري أو ساداتي! فكيف يختزل نفسه وآراءه في شخص وآراء شخص آخر حتى لو كان رئيس جمهورية -وهو أمر لا يحتاج لمهارات خاصة في دولنا العربية كما هو معروف!- وهو ما لا تراه في أي مجتمع سوى في مجتمعاتنا؛ فلن ترى في فرنسا من يقول عن نفسه إنه "ميتراني" مثلاً رغم ما قدّمه "ميتران" لفرنسا؛ قد يحترم قرارته وآراءه لكن لا يختصر المرء نفسه في شخوص كما نفعل.
في الآونة الأخيرة أصابني الإنهاك بعد الحماس السابق في الأحاديث؛ صرت أنسحب من الحوار أو ألتزم الصمت حتى يفرغ كل متعارك معاركه اللفظية المتعصبة عندما يصل الحوار للحلقة المفرغة إياها؛ لأن نتيجته صارت مكررة ومعروفة قبل البدء فيها.. أما لو نقاش متحضر فلا نتحصل منه سوى على مزيد من مضيعة الجهد والمزيد من نشاط "الاجترار للماضي" دون الإفادة منه كأفضل جَمل في الصحراء؛ أو كما هو الأغلب عندما لا يصير الحوار متحضراً؛ فالخلاف يصبح حاداً، وينعت كل طرف الطرف الآخر بأنه مخدوع ومغيَّب عن الحقائق وعليه زيادة معلوماته وتنظيف عقله من المعلومات المغلوطة، وتعلو حينها نبرة نظرية المؤامرة المفضّلة لدينا في "كريشندو" رائع! (الـ"كريشندو" هو مصطلح موسيقي يعبّر عن تصاعد النغمة الموسيقية تدريجيا حتى تصل لأعلى حد لها ثم تهبط النغمة بالـ"دي كريشندو"، وتستخدم أحيانا كمصطلح طبي في وصف اختلال ضربات القلب)، فيتحول الاجتماع عن الهدف الأساسي له، وبدلاً من أن تجده مقدرا له مناقشة قضية مشتركة ينشغل الكل عنها بهذه المتاهات الحوارية لتنسى بعدها ما كنت اجتمعت من أجله.
لذا من المحزن أن ترى نشاط الذرات الذي يحتاج لطاقة وجهد يضيع هباءً عن طريق اصطدامها ببعضها البعض بعشوائية مع أنه كان من السهل جداً أن يوجّه النشاط لتوليد طاقة هائلة تدفعها للأمام أو تحفّز ذرات أخرى.
ال "كريشندو" هو مصطلح موسيقى
ال "كريشندو" هو مصطلح موسيقى يعبر عن تصاعد النغمة الموسيقية تدريجيا حتى تصل لأعلى حد لها ثم تهبط النغمة بال "دي كريشندو"
وتستخدم احيانا كمصطلح طبي في وصف اختلال ضربات القلب









