
أخيرا صدر القرار الذي كان ينتظره الجميع بتأجيل بداية العام الدراسي إلى الثالث من أكتوبر بدلا من السادس والعشرين من سبتمبر، قرار أراح أولياء الأمور والمديريات التعليمية وكل الأجهزة المعنية في مصر.
القرار -حسبما أوردت صحيفة اليوم السابع- كان رغبة متأصلة منذ البداية في نفس وزير الصحة حاتم الجبلي الذي كان يخشى من كارثة صحية مرتقبة تنتظر أطفال المدارس الذين لديهم إما أب أو جد أو خال سافر لأداء الحج، وبالتالي سينقل له العدوى ثم ينقلها بدوره لزملائه؛ فحصل على الضوء الأخضر من رئيس الجمهورية بقرار التأجيل، وعليه تم تسريب الخبر لاختبار الرأي العام، ولما لمس ارتياحاً نسبياً تجاهه تم اتخاذ القرار في اجتماع مجلس المحافظين الأخير برئاسة د.أحمد نظيف.
القرار اتفق مع آراء عدد كبير جدا من خبراء التربية والتعليم والصحة، وحتى أيضا منظمة الصحة العالمية التي أكدت أن امتناع الطلبة عن الذهاب للمدارس في حال انتشار الفيروس هو الأداء المثالي لتجنب تفشي الوباء؛ ولكن ورغم كل ذلك هناك اعتراضات وانتقادات مصرية من قبل بعض الجهات -التعليمية بشكل خاص- والجماهيرية بشكل عام يستندون فيها إلى منطق معين في هذا الرفض للقرار يقول بأن الطالب الذي لن يطاله الفيروس داخل المدرسة سوف يطاله على القهوة التي سيجلس عليها عندما يمتنع عن الذهاب للمدرسة، ولن يفيدنا وقتها سوى أن أضفنا تخلفا جديدا على التخلف الذي أصاب العملية التعليمية.
ولكن يبدو أن مؤيدي استمرار الدراسة في وقتها الطبيعي لم يتيحوا الفرصة لخيالهم كي يرسم صورة لمصر وهي منكوبة بوباء أنفلونزا الخنازير، وبالتالي لم يدركوا حتى هذه اللحظة حجم الكارثة التي يمكن أن نصل لها... وبالتالي فليسمحوا لي أن أستعين بفرشاتي كي أرسم لهم لوحة لمصر وهي غارقة في الوباء الجديد بسبب عدم تأجيل الدراسة..
أولا حالة المدارس
أغلب مدارس مصر مغلقة والمدارس التي ما زالت تعمل بها فصل أو فصلان على أقصى حد؛ بينما العيادات الصحية الخاصة بكل مدرسة تعج بالطلاب الذين إما أصيبوا بالمرض أو أصيبوا بهلاوس المرض، المدرسون في حالة ذعر وريبة من الطلبة وبالتالي التواصل التعليمي الفعال يكاد يكون معدوماً، أهالي الطلبة في اشتباك مستمر مع نظارة وإدارة المدرسة التي لم تتمكن من حماية أبنائهم من التعرض للوباء، عدد الطلبة في الفصل الواحد لا يزيد عن 20 طالباً والبقية الباقية إما في المستشفيات أو في البيوت.
ثانيا حالة المستشفيات الصحية
مستشفىى حميات العباسية أشبه بيوم الحشر، صراخ آلاف من أهالي الأطفال والمصابين بحثاً عن ممرضات وأطباء الاستقبال كي يستقبلو حالات أبنائهم التي تكدست في صالة الانتظار منذ أكثر من ثلاث ساعات؛ بينما الممرضات ينفون للجميع وجود أية غرف شاغرة فيبدأ الصراخ والاشتباك بالأيدي قبل أن يصل مدير المستشفى ليؤكد للجميع أنه لا جدوى لوجودهم هنا لأن المستشفى نفذ منها أساسا عقار التاميفلو -الدواء المضاد لمرض أنفلونزا الخنازير- وأن عليهم التوجه لوزارة الصحة لحل مشكلتهم.
ثالثا تصريحات الوزارء
وزير الصحة حاتم الجبلي: طلبنا من الولايات المتحدة أن توفر لنا المخزون الاستراتيجي من عقار التاميفلو ولم يصلنا رد حتى الآن، على جميع المصابين التزام منازلهم والتهوية الجيدة حتى يتم توفير العقار لهم بالمنازل؛ حيث إن المستشفيات أصبحت على آخرها، عدد المصابين حتى هذه اللحظة بلغ 300 ألف مصاب تعافى منهم 150 ألف، الرئيس مبارك أمر بفتح المدارس الخالية لتلقي الحالات المصابة، العقارات التي تباع في السوق السوداء بآلاف الجنيهات تحت اسم التاميفلو عقارات غير حقيقية ولها أعراض جانبية مميتة.
وزير التعليم يسري الجمل: سنعاقب بشدة كل المدارس التي أهملت وقصرت في متابعة حالات الطلبة وتسببت في زيادة حالات العدوى، إلغاء الدراسة هذا العام لم يعد أمراً اختيارياً.
وزير الداخلية: مخازن وزارة الصحة مؤمن عليها بشكل جيد ولن تحدث أي سرقات أو اختلاسات للعقار.
النائب العام: جاري التحقيق مع مدير المستشفى الذي قام ببيع عقار التاميفلو في السوق السوداء.
رابعا التلفزيون المصري الأرضي
أصبح هناك برنامج يومي يبث كل 4 ساعات يشتمل على إرشادات وتوجيهات للتعامل مع المرض ونداءات للمصابين بالتزام منازلهم وعدم التوجه إلى أي مكان، تحذيرات مستمرة بعدم تناول عقار التاميفلو أو أهاليسس من السوق السوداء نظرا لخطورته البالغة على صحة المصابين.
هذا بشكل مبسط ما يمكن أن يحدث لو عاد ما لا يقل عن 10 آلاف حاج مصاب بالمرض من أصل 66 ألف، فإذا لم نمنع أولادهم أو أحفادهم من الذهاب للمدارس ولو بشكل مؤقت سيتضاعف الرقم عشرات المرات في فترات متقاربة للغاية؛ فهل ينفع وقتها معارضو قرار التأجيل مبرراتهم، وقتها سيلعنون ألف مرة العملية التعليمية وتلك السنة الدراسية التي دخلنا بسببها نفقاً مظلماً لا نعلم آخره.









