د. ميشيل حنا

يقولون إن التثاؤب معدٍ.. إذا تثاءب شخص ما أمامك فستجد نفسك تفتح فمك عن آخره، وبعض الناس سيتثاءبون بمجرد النظر إلى هذه الصور المصاحبة للموضوع!
والتثاؤب هو فعل منعكس من الشهيق والزفير العميقين، وهو مرتبط بالتعب والنعاس والملل. وعادة ما يقوم المتثائب بفرد أطرافه والتمطي مع التثاؤب. والغريب أن هذا الأمر ليس قاصراً على البشر فقط، وإنما تشاركنا فيه الحيوانات الثدييّة أيضاً.
ولماذا نتثاءب؟
هناك عدة فرضيات تحاول تفسير هذا الأمر، منها:
• التثاؤب وسيلة لتبريد المخ!
• التثاؤب وسيلة للتعبير عن التعب.
• التثاؤب يحدث نتيجة لزيادة كمية ثاني أكسيد الكربون في الدم وقلة الأكسجين.
• وسيلة لمعادلة الضغط الداخلي للأذن الوسطى.
• وسيلة للتعبير عن اللامبالاة.
• فعل يستخدم كتعبير نفسي لاواعي بعد حالة من التنبّه الشديد.

وتعتبر نظرية أن التثاؤب يساعد على تبريد المخ من أحدث النظريات في هذا الصدد، وقد توصّل إليها باحث في جامعة ألباني في نيويورك عام 2007، حيث يقول إن أمخاخ الثدييات تعمل أفضل عندما تكون درجة حرارتها أبرد. قام الباحث بتجربة عَرَضَ فيها فيلم فيديو به أشخاص يتثاءبون على مجموعة من الأشخاص. عندما وضع كمادات ماء ساخن على جبهات الأشخاص موضع التجربة فإن عدداً كبيراً منهم قام بالتثاؤب، وعندما وضع على جبهاتهم كمادات ماء بارد فإنهم لم يتثاءبوا على الإطلاق. ولهذا افترض الباحث أن التثاؤب يساعد على تنظيم درجة حرارة الجسم وتبريد المخ.
هناك نظرية حديثة أخرى تفترض أن التثاؤب يتم التحكم فيه بنفس المواد الكيميائية الموجودة في المخ والتي تتحكم في حالتنا النفسية والمزاجية وشهيتنا للطعام وغيرها من العواطف. وهذه المواد تتضمن السيروتونين وحمض الجلوتاميك وأكسيد النيتريك. عندما تتغير نسب هذه المواد في المخ يحدث التثاؤب. ويؤدي توافر مواد أخرى في المخ مثل الإندورفينات إلى تقليل معدل التثاؤب. وقد وُجد أن المرضى الذين يتعاطون أدوية الاكتئاب التي تزيد من مستوى السيروتونين في المخ يتثاءبون أكثر من غيرهم، خاصة في الأشهر الثلاثة الأولى من بداية تعاطي الدواء.

نظرية أخرى تقول إن التثاؤب هو عمل شبيه بعملية التمطي، فالتمطي يؤدي إلى زيادة ضغط الدم ومعدل خفقان القلب. وتفترض النظرية أن التثاؤب له مفعول شبيه بهذا، إضافة إلى كونه يساعد على إعادة توزيع مادة تغلف الرئتين وتساعد على تسهيل التنفس.
وها هي نظرية أخرى: تفترض هذه النظرية أن التثاؤب يساعد على عمل توازن للضغط على جانبي طبلتي الأذن، ويسمع المتثائب أحياناً صوت طقطقة خفيفة في أذنيه لا يسمعها سواه، وهو صوت ناتج عن عملية توازن الضغط في الأذن الوسطى. ويحدث هذا في الأماكن التي يتغير فيها ضغط الهواء بسرعة، كما يحدث في الطائرات، مما يجعل سطح طبلة الأذن منثنياً بدلاً من أن يكون مسطحاً.
ويرى بعض الأطباء النفسيين أن التثاؤب -هو والضحك والبكاء- من وسائل تفريغ المشاعر المؤلمة والتنفيس عنها، ولهذا فهو شيء صحي.

هل التثاؤب مُعْدٍ فعلاً؟
يلاحظ دائماً أنه إذا تثاءب شخص ما فإن الأشخاص الذين يرونه يتثاءبون بدورهم تعاطفاً معه! وأحياناً تكفي القراءة عن التثاؤب أو مجرد السماع عنه أو التفكير فيه ليتثاءب الشخص! كالعادة هناك عدة نظريات.
تشير بعض الدراسات إلى أن عدوى التثاؤب هذه تتورط فيها ما يسمى بالخلايا العصبية المرآتية، وهي خلايا عصبية توجد في القشرة الأمامية للمخ، وهي مسئولة عن عملية المحاكاة التي تمثل أساس عملية التعلم في الكائنات، ويمكن ملاحظتها أكثر في الأطفال. وتفترض النظرية أن رؤية عملية التثاؤب لدى شخص ما يحفّز الخلايا العصبية المرآتية لمحاكاة نفس الفعل، ومما يعزز هذه النظرية أن الأطفال المصابين بمرض التوحُّد (وهم أطفال يعانون أيضا من صعوبات في التعلم) لا يتثاءبون عند رؤية شخص يتثاءب كالأشخاص الطبيعيين.
هناك نظرية أخرى تقول إن انتقال التثاؤب بين أفراد الجماعة هو نوع من التواصل الاجتماعي بين الكائنات، فالتثاؤب هو إشارة على التعب، ونقل هذه الإشارة بين أفراد الجماعة وبعضهم يؤذن ببدء مرحلة نوم القطيع أو الجماعة.

نظرية ثالثة تقول إن عملية انتقال التثاؤب من شخص لآخر هو شيء ورثناه عن أسلافنا القدامى، حيث كان التثاؤب دليلاً على وجود خطر ما، فكلما رأى أحد أفراد الجماعة شخصاً يتثاءب تثاءب هو أيضاً؛ لينقل تحذير الخطر إلى الباقين وهكذا.
أياً كان الأمر، فكل ما كنا نرجوه هو أن يكون عدد القراء الذين وصلوا إلى هذا السطر أكبر من الذين تثاءبوا وناموا بالفعل!


