دينا عادل

يرن جرس الموبايل، فيخفق قلبي.. يا هل ترى هل هو ما أفكر فيه؟ لقد طال انتظاري وصبرت كثيراً في جَلد. فهل رأفت السماء لحالي أخيرًا واستجابت لدعائي، وهل تكون هذه هي المكالمة التي تحسم معاناتي.
بداية جامدة ومرعبة تشعر القارئ أن الكاتب يعاني من مرض، وفي انتظار مكالمة من طبيبه؛ ليخبره بنتيجة التحاليل، أو على الأقل طالب في الثانوية العامة ينتظر أن يعرف نتيجته التي على أساسها سيتحدد مستقبله.
ولكن المكالمة هنا من نوع آخر فهي....... ولاّ أقول لكم.. اقرأوا هذا الحوار أولا:
أنا: آلو.
المتصل: صباح الخير (أو السلام عليكم أو نهارك سعيد -زي الأفلام القديمة- مش ده المهم).
أنا: صباح الخير.
المتصل: أنتِ "دينا"؟
أنا: أيوه، أنا.
المتصلة: أنا مدام "فلانة" من (المركز الخزعبلاتي للأبحاث الاقتصادية).. أنتِ عملتِ عندنا إنترفيو، والدكتور "عبده البطيخي" عايزِك تيجي بكرة تستلمي الشغل.
(المركز الخزعبلاتي للأبحاث الاقتصادية)؟ آه أنا فعلاً في رحلتي الدؤوبة للبحث عن عمل، واللي كانت أسخم من رحلات "توماس كوك" في استكشاف قارات جديدة، ومليئة بالمغامرات أكتر من رحلات "ابن بطوطة"، من الأماكن الكثيرة اللي رحتها كان مكان اسمه (المركز الخزعبلاتي للأبحاث الاقتصادية).. كان في بيت متهالك في شارع مجهول متفرع من شارع مجهول أكتر منه، وبعد كل ده يقولوا لك مركز أبحاث. المركز ده كان في الدور الثالث في بيت من ثلاثة أدوار مافيهوش حد يدل الغرقان على البر!!.. وبعد ما وصلت للدور الثالث لقيت شقتين شقة بابها مقفول، وشقة بابها مفتوح ومسنود بكتاب. طب وبعدين إيه المواقف البايخة دي؟ أعمل إيه؟ أعمل أيه؟ ممكن تكون شقة عادية، ويبقى موقف بايخ لمّا يلاقوا واحدة داخلة عليهم. والمصيبة إن مفيش جرس حتى!! المهم بالصدفة واحدة كانت معدِّية لقيتني أضرب أخماساً في أسداس، ولسّه هاسأل: "هو ده مش البتاع ده... أصلي عندي "إنترفيو"، وقعدت أدوّر في أدغال الشنطة عن الورقة اللي فيها اسم المكان، فقالت لي: "ثانية واحدة"، وسابتني على الباب زي ما أكون جاية أكشف على العداد!، وشوية وخرجت وسمحت لي أدخل، وأنال شرف الجلوس على أحد الكراسي اللي اشتروها من سوق الكانتو، وتذكرت في هذه اللحظة كيف كانت الدكتورة اللي بتدرِّس لنا في آداب إنجليزي -الكلية التي تخرجت فيها- تطلب منا أن نقوم بتحليل الشخصيات التي تسكن في منزل ما من خلال وصف المؤلف لقطع الأثاث، وطبقا لهذا الأسلوب فهذا الأثاث يعكس شخصية بخيلة تحب الاسترخاص في كل ما تقتنيه، وبالتالي ده هيطلَّع عيني فِصَال في المرتب. بس ليه التشاؤم والروح الانهزامية دي؟.. أستنَّى لمّا المقابلة تتم، وبعدين أتشائم ويجيلي إحباط!!!..
أفقت من استطراداتي وتخيلاتي على صوت "مدام فلانة" المنفوخة!، والتي تعمل كما كان متوقعاً كسكرتيرة، وتريد أن تفهّمني من الأول إن من حقها تشيل التكليف، وتنده لي باسمي، لكن أنا المفروض لمّا أكلمها أقول لها: يا "مدام فلانة".
"مدام فلانة": تعالي بكرة الساعة 10.
أنا: بس... أصل إحنا ما اتفقناش على...
"مدام فلانة": أما هتيجي هتعرفي.
انتهت المكالمة وأنا من ناحية مبسوطة إني هاشتغل أحسن من قعدة البيت، بس من ناحية تانية متخيلة السيناريو اللي هيدور، فالبشائر لا تدلُّ على خير أبداً، شقة مفروشة بأثاث قديم كل كرسي شكل وبلاط مخلع، وسكرتيرة تكشَّر عن أنيابها من أولها. ليه يا رب أنا ماكنتش بنت وزير بدل ما اللي يسوى واللي ما يسواش... لأ هو اللي ما يسواش بس يبيع ويشتري فيَّ.
المهم.. كانت ليلة ليلاء و(يوماً أيوم)!! ظللت طول اليوم أعيد في دماغي شريط المقابلة، وأطبّق عليه نظريات التحليل الأدبي اللي درستها في الكلية. أقدر أقول إن الدكتور "عبده البطيخي" رجل محنك يعرف من أين تؤكل الكتف، بل يبدو من حجمه أنه أكل الخروف كله مش الكتف بس!! في الشريط -أقصد المقابلة الأولى- بصّ في السيرة الذاتية بتاعتي، وقال لي: كنتِ بتشتغلي في (معهد البحوث والدراسات البتنجانية).. ده بيعمل إيه؟ ردِّيت: "مايغُرَّكش الأسامي.. ده حضرتك شقة تحت سقف البحر زي..." كنت لسّه هاقول له: زي المركز بتاعك بس لحقت نفسي، قال لي: "وطردوكِ منه ليه؟" ردّيت بسرعة: "لا لا لا.. أنا اللي سِبتهم... أصل ما كانش عندهم (سيستم)". فقال: وبتاع مين بقى البتاع ده؟" قلت له: "ده بتاع أمير من دولة ميكرونيزيا الشقيقة؟" بَدَتْ عليه أمارات التعجب وصرخ غير مصدق: "يااااااه؟" فبادرته قائلة: "آه.. و.. والله." -ما علينا- راح مديني كتاب ضخم عليه صورته كمؤلف للكتاب، وقال لي: ترجمي.. ما هي الشغلانة كانت مترجمة اقتصادية، فدست ترجمة ما بقاش ملاحق عليّ. وبعد ما شاف شغلي سألني: "بابا بيشتغل إيه يا "دينا"؟ استغربت السؤال.. يكونش الراجل غيَّر رأيه وهيتقدم لي! بس ده كبير عليّ.. يمكن عايز يخطبني لابنه، وماله مصلحة برضه؟ ردِّيت على استحياء: "بابا صيدلي يا أنكل"، رفع عينه من على الورقة وبصّ لي باستنكار، مش عارفة هو بيكره الصيادلة، ولاّ زعلان إني قلت له "أنكل" من أولها. "طيب يا "دينا" هنتصل بيكي بعدين"..
جاء اليوم الموعود.. لبست طقم الإنترفيوهات، ورحت، واستنيت لحد ما الدكتور "عبده" جه، وعمل لنفسه قهوة -يبدو أنه مؤمن بالاقتصاد في كل حاجة ممكن يقتصد فيها ومن هذا المنطلق مش مشغّل فراش- وجرت المقابلة على هذا النحو.. كلمني عن نظام الشغل، وأنه توسم فيّ خيرًا إن شاء الله، وأنهم بيربط بينهم الحب مش المادة والشغل، وبيعامل الناس اللي بيشتغلوا معاه زي ولاده... إلخ إلخ..... كل ده وأنا عايزة أجَرِّي الشريط لحد ما ييجي الجزء اللي يهمني: المرتب كام. وأخيراً جت الحتة المهمة، وأنا في غفلة نزل عليّ الخبر مثل الصاعقة... أكيد أنا ما سمعتش كويس.. معقولة 250 جنيه؟؟؟ صحصحت وفقت عليه يقول: "... هو يمكن يكون قليل شوية بس في المقابل الشغل مش هيكون متعب 8 ساعات بس، وإجازة يوم بحاله مش هانزِّلك من البيت يوم الجمعة..."، رديت عليه: "لأ ده فعلا كرم بالغ من حضرتك بس مش شايف إن 250 جنيه غير متواكبة مع ارتفاع الأسعار، وبعدين أنا معايا خبرة وعاملة دبلومة ترجمة وحركات؟" فرد في استنكار: "وإنتِ عايزة الفلوس في إيه.. هو باباكي مش بيشتغل وإنت مسئولة منه؟" إيه ده هو هيقر على أبويا؟!! لا ده أنا شكلي هاقلب على الوش التاني.. الوش الشرس.. فقلت في خنوع: "طب.. طب حضرتك دول شوية والله، دول ما يكفوش حتى أجيب ساندوتش فول أفطر بيه من (نجف)"!! رد عليّ: "وتجيبي من (نجف) ليه؟ ما تفطري على العربية زي بقية خلق الله؟".. ابتدا صبري ينفد.. إيه شغل الفكهانية ده.. استغلَّ صمتي وشرودي في كيفية (تدبيقها) بـ250 جنيه لآخر الشهر، وقال: "كل اللي جه اشتغل هنا ابتدا بـ250 جنيه، وإنتِ أحسن منهم في إيه؟ وبعدين دبلومة إيه اللي من جامعة القاهرة طالعة لنا بيها السما؟".. وراح نادِه على مترجمة من اللي بيشتغلوا عنده لا سحر ولا شعوذة، وسألها إيه آخر أخبار الدبلومة اللي بتعملها في الجامعة الأمريكية، وسألها أول ما جت كانت بتاخد كام؟ فردّت في استفهام: "كان تقريباً 250 جنيه؟" فقال وهو ينظر لي في اشمئزاز: "أصل إحنا هنا مش ماديين، أنا فاتح المركز ده لله وللوطن".
وطلعت في الآخر أنا اللي مادِّية، والناس كلها بتشتغل بهدف الخير للبشرية.. أتاري ربنا مش موفَّقني بسبب ضميري الوحش.. أنا فعلا لا أليق بهذه الجنة.. أنا شيطان. وكأنه سمعني.. ما هو رجل محنك بقى!! فقال لي: "أنا كنت هاعاملك كويس، ما كنتش هاخدك قلمين كل يوم. أنا مش فاهم أنتِ بتفكري ازاي؟"!!.. لملمت أغراضي وغادرت المركز الخزعبلاتي غير أنها لم تكن المرة الأخيرة التي أسمع فيها صوت الدكتور "عبده البطيخي"؛ فقد اتصل بي بعدها بأسبوع بعد أن وجدت عملاً في (الجمعية الخيالية لنشر الثقافة في أرجاء كوكب الأرض) وهي غير هادفة للربح، ويعمل بها موظفون غير هادفين للدخل. اتصل وكله أمل ألاّ أكون وجدت عملاً، ورغم أني كنت ناوية (أديهم له) إلا أنَّ أدبي الجم تغلب عليّ، واكتفيت بإخباره أني وجدت عملاً بمرتب يضاعف ما عرضه عليّ.


