سارة محمد شحاتة

سأتحدث اليوم عن شيء غريب.. سأتحدث اليوم عن شيء نادر الوجود.. سأتحدث اليوم عن كائن شارف على الانقراض.. سأتحدث اليوم عن كائن يصرّ على الحياة رغم استحالتها.. سأتحدث اليوم عن أحد المواطنين المصريين!
هو.. مواطن مصري عادي من الذين تقابلهم في الشارع، وفي الحافلة.. وربما كان جارك أو زميلك في العمل.. أو للصدفة السعيدة ربما كان أنت دون أن تدري ذلك!.. شخصية رائعة للغاية.. دمث الأخلاق إلى حد مذهل، وأصله عريق من العائلات المعروف عنها السمعة الطيبة.. كان في صغره يحيا في بيت العائلة الكبيرة ذات الحديقة.. آمناً مطمئناً مع عائلته الكبيرة وإخوته وأخواته.. وتمر السنون، وتؤول ملكية البيت إلى الورثة الذين كالعادة يقومون ببيعه كأول شيء يفعلونه!.. وسنون أخرى تمر ليصبح زوجاً وأباً لأبناء عدة حملوا نفس الصفات الجميلة من الطيبة وحسن الخلق.. كان يحيا حياة معتادة ككافة المصريين.. ليست هي بشظف العيش ولا هي بالحياة المترفة.. أي مثل معظمنا.. حياة مستورة تؤمّن له مستقبلا آمنا إلى حد ما، لكنها لا تعِدُه بأي رفاهيات.. وكان يعمل في وظيفة جيدة.. أي أنه كان من الطبقة المتوسطة بكل معانيها المادية والأدبية والأخلاقية.. وكان تبادل الحوار معه يدب الحماسة بداخلك لذا فإنه كان شخصية ناضجة تسرّ للحديث معها، وكان ذا شخصية اجتماعية للغاية..
كل هذا عرفته منذ صغري وحتى أيام قريبة.. وبما أن دوام الحال من المحال ولا بد من رياح شرسة لا نشتهيها تهب بقوة فتقلب قواربنا.. وتتغير تضاريس الحياة من حولنا.. لظروف ما كان القدر صاحب الدور الأصغر فيها ولعب الفساد -كالمعتاد- دور البطولة.. انقلبت حياته، وصار عليه أن يترك شقته بالعمارة التي يقطن بها؛ وذلك لأنها مخالفة وتحمل خطراً على السكان.. وهي برج ضخم يضم حوالي مائة أسرة!.. كلهم أصبحوا في العراء في ليلة واحدة.. ولا تسأل طبعا: ما ذنب السكان في أن هناك من زوّر وبنى أدوارا مخالفة، ومن ارتشى؛ ليساعده على ذلك.. لكن كالعادة يتحمل العواقب -كما هو الحال دائماً- المواطن المسكين المقهور.. والآن صار عليه أن يتنقل بين بيوت الأقارب والمعارف الذين بالطبع يختفون في أوقات الشدة.. وصارت عائلته الكبيرة والأبناء في مختلف المراحل الدراسية معرضين بين كل لحظة وأخرى لتمضية الليل في الشارع بعد أن كانوا معززين مكرمين داخل بيتهم.
ويمر الشهر تلو الآخر دون أي إجراء من الحكومة التي تجاهلت أمر السكان وكأنه لا يعنيها.. ليستمر ذلك الحال طويلاً بانتظار تقارير الخبراء والمهندسين لتقييم حال البرج دون أي تعويض بالطبع للسكان.. فمنذ متى يُصرف تعويض عن الكوارث في وطننا؟!.. ويستمر التدهور.. إذ بدأ العمل في الندرة كالعادة في بلدنا ومصاريف الأبناء في ازدياد حتى وصل الأمر إلى الاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم عبارة عن الفول!.. كل هذا ولا يظهر أي شيء عليه.. فلا ضيق ولا شكوى.. فهو رجل عزيز من أصل معروف لا يستطيع تحمُّل نظرة شفقة أو عطف أحد المعارف أو الأصدقاء وبالتالي يرفض أي مساعدة بكبرياء مردداً أنه بخير. وهاهو يحاول أن يفر في أول فرصة تتاح له ويسعى للحصول على عقد عمل بالخارج.
هذه القصة الصغيرة هي نقطة في بحر من آلاف القصص المشابهة بالطبع في بلدنا؛ فالكثير بالفعل تحولوا من عزيز قوم إلى أذلة؛ لظروف لا دخل لهم فيها ولا ذنب سوى الفساد الذي يهيمن علينا.. الطبقة المتوسطة تتآكل بشكل سريع لا تقدر على استيعابه، والأمور تضطرب وتختلط ببعضها البعض.. ولا أحد ينظر ما الذي أصاب غيره طالما أن الإصابة لم تطله بعد.. ولم يعد هناك أي أمان أو ضمان لك كمواطن.. فلا لك حقوق ولا حتى يُنتظر منك واجبات سوى أن تكون مهذبا وتموت في صمت دون أي جلبة أو إزعاج.. ففي يوم وليلة قد يجد المرء نفسه في حال غير الحال وتنقلب حياته رأساً على عقب لتتدمر تماماً، ولا يجد حوله أي قشة يتعلق بها أو بادرة نجاة.. بل يتركه الكل يغرق.. حكومة وشعبا، والكل يحمد الله أنه ليس في موقعه، وهو لا يفكر أنه قد يأتي عليه الدور بعد فترة طالت أو قصرت.. والأكثر إثارة للفزع أنه لا يوجد لديك أي شهادة ضمان تمنح لك في هذه الحياة.. فلا مستوى تعليم ولا وظيفة تؤمّن لك الغد، وحتى لو كان لديك كل أساسيات الحياة من شقة وعمل يؤمن لك مأكلك ومشربك وملبسك فهذا لا يعني بالضرورة أنك في أمان أو أنك بعيد عن الخطر.. ففي لحظة كل هذا معرض للزوال دون أي سبب سوى مزيد من الحال المائل والإهمال والرشاوى وغيرها.. لتجد نفسك بعدها في وضع لم تكن أبداً تتخيل وجودك فيه..
فيبدو أنك كمواطن مصري تحيا على مسئوليتك الخاصة!!.. فكل يوم يمر عليك وأنت ما زلت مصرّا على البقاء لا يعني سوى اقترابك من حافة الخطر أكثر. فالحكومة يبدو وكأنها ترفع يدها عن مسئوليتك وتتركك وحيداً تصَرِّف حياتك التي تحرص عليها كما استطعت.. ويا ليت الأمر يقف عند هذا الحد، فلو حتى تنازلت وزهدت في عون الحكومة الذي لن تجده أصلاً.. فإنهم لن يتركوك تحاول ترميم حياتك بل يشتركون بالمعاول في هدمها؛ لتتحول الحياة بفضل الغلاء المتوحش والفساد الأكثر توحشا إلى حلبة سباق من يسقط فيها يدُسْه الآخرون..
ففي كل مرة أتذكر الرجل الذي لم يعد بشوشاً كما كان لكنه ظل متماسكاً؛ ليحفظ كبرياءه.. أشعر بآلاف الخناجر تمزقني حين أدرك أننا أوشكنا أن نصبح جميعاً -إن لم نصبح بعد-.. عزيز قوم...... ذل!


