لكل مشمشي (إخوتي)..
دعاء سمير
![]()

كانت أمنيتي ألا أدخل يدي في غياهب شنطتي بحثاً عن المفاتيح. نفسي أتدلل عليهم في البيت وأدق الجرس في انتظار من يفتح لي الباب، فيستقبلونني كالأميرة لأخطو خطوات متئدة متأنقة على البساط الأحمر ذي الوبرة المخملية الطويلة التي تصل لأصابع قدمي الحمراء تداعبها فتبردها وتريحها..
وصلت.. ورفعت يدي متثاقلة نحو الجرس لكن إحساس أحد مشمشي بوقع أقدامي كان أسرع. فتح لي مشمش العسول الباب وعلى شفتيه يرتسم ظل ابتسامة. سلم عليّ بفتور مرغماً عليه. استغربت ولم أعلق.. ارتديت ملابسي وخرجت لأجده على باب غرفتي في انتظاري. ابتسم بكسوف، سلم عليّ سلام الحبايب وقبّلني وكأن نفسه لم تطاوعه أن يكون سلامه فاتراً هكذا بلا سبب وأنا لم أره منذ الصباح. برهـافـة حـســي عـرفـت أن في الأمر إنّ ّ ّّ ّ ّ.. ســألته: مــالك؟ رد عـليّ باقتضــاب: "مفــيش".. فتأكـــدت أنــه "فــيييييه" وأنه أمامي طريقاً غير ممهد لأعرف لماذا يعقد الحاجبين الجميلين العاليين. سألته إن كان جائعاً فلم يرد. بينما أنا كنت قد قررت، وفتحت الفريزر وسحبت الكفتة.. توابل، وبهارات، وقليل من الماء، مع حيل "دعاء" للتخلص من الدهون الضارة، وعلى نار هادئة وشيء من الحب، واستوت الكفتة.
يحبها حارة مع الكاتشب والجبن الرومي في عيش فينو ساخن. الفينو الموجود ليس ساخناً ولا طازجاً. ناديت عليه من المطبخ: "عايزين عيش فينو طازة يا مشمش".. تململ وكأنه لا يريد النزول.. ولو كنت انتظرت عليه قليلاً كان سيتحرك. لكنني كنت قد قررت للمرة الثانية: "خلاص يا حبيبي خليك هانزل أنا". وفي ثوان كنت أشتري له ما يحب وما أحب له؛ الشوكولاتة بالبندق لعله يبتهج. صعدت جرياً على السلم وأنا أحضر مفاتيحي. فكان هو أسرع لفتح الباب وقد علت وجهه الابتسامات.
أخذ المشتريات.. واقترب مني وأنا أعمل له سندويتشات وهو يقول بصوت متردد: عايز أقول لك على حاجة.. ماشي؟
* * * * *
سميت الله وبدأت طقوس صباحي التي أضفت إليها فواحة برائحة الياسمين قبل الشروق والزنبق بعد الضحى. فتحت الميل لأجد من مشمش ثاني الأبيضاني خفيف الظل والطلة -الذي كان معي منذ ساعتين في البيت- رسالة "صباح الأنوااااار"... يصبح عليّ ويسألني عن صباحي وحالي مرسلاً لي لينك برنامج أحتاجه، ومتمنياً لي يوماً جميلاً مثل أشياء فيّ وأشياء أخرى أفعلها. فرحت بكلامه وتدليله وتعبيره عن حبه.. فرحت فرحة من يكتشف شيئاً جديداً مع أنه ليس بجديد!! فأنا ومشمش هذا إخوات من حوالي عشرين سنة، علاوة عن مدة سنة وشهرين أخذتها حتى أقف على قدمي ويبدأ هو في التكون داخل رحم ماما رحمها الله. اتسعت فرحتي ولم أمنع استغرابي منها أن يقلل من شأنها، فمددت عنقي نحو صديقتي التي تسكن في مكتب بجواري، وسألتها بسعادة: "تفسري ايه لما الواحد يفرح بحاجة عادية وكأنها جديدة؟؟!!" لم تعلق واكتفت بالابتسام لأنها تعرف طبائع السائلة.
كان فرحي شقيّاً وكدت أمدّ يدي لأحتفل بأكل الشوكولاتة التي اشتريتها لنفسي بالبندق. ثم تذكرت أنني لم أهديها له منذ فترة، فأخذتها ووضعتها في الشنطة..
* * * * *
رفع يده، مشمش ثالث، وهو يشير إلى شارع جانبي كنا نمر عليه أثناء ركوبنا الأتوبيس العطلان تكييفه! سألني إن كنت أعرف اسمه أم لا؟ ولم أكن أعرفه..
فاجأني صوته لما اكتسى بنبرة تعليمية -تكاد تكون أبوية- محببة وهو يسألني ويجيبني بهدوء. فاجأتني نبرته وألجمتني وأسعدتني. ولم أستطع التعليق بهزار بأن خلاص مشمشي كبر وصار يرشدني. ولم أتكبر على جهلي لكي لا أفسد مفهوم الأخت العارفة. واستمعت إليه: "أهو ده بقى المكان اللي لما إن شاء الله ترتبطي هنيجي نشتري لك منه جهازك". لم تمنعني دهشتي المتوردة من الفرحة وكأن ذلك جديد عليّ!!
كانت فرحتي حلوة المذاق؛ بطعم الشوكولاتة لما تذوب في فمي مع حبات البندق. صحيح أننا لسنا أخوة من عشرين سنة مثل مشمشي السابق، لكنه أكبر من سنين عمره عندي. وكم أغتاظ من مشاعري لما تتواجد في مكان عام لا يليق بها، خارج البيت ودرج مكتبي، لا يليق بها فلا أجد لها مخرجاً. كنت مأخوذة ولم أجد قلمي ومكتبي لأستند عليه وأسكب بعضاً مني فيه.. ولا يوجد لدى جالكسي من يوصل الشوكولاتة -دليفري- للمحطات السي.تي.إيه العطلان تكييفه. كان معي هذيان مطبوع، فلضمت مشاعري في سطوره وقرأته له. ولم تفلح حيلتي لأن هذياني أصابه فكثرت عليّ ديوني خصوصاً وأنني قبلها قلت له إنني سأريه ربات الفن في خانة خشب الصندل المشغول ولم نجدهن فأخرته على مشوار. ولم يسامحني مشمشي الحبوب.
وعلّها تكفر عني، أعطيتها له في إحدى العصاري، الشوكولاتة بالبندق..
* * * * *
كنت أسرح شعري ولمحته في المرآة يقترب مني، مشمش رابع، وهو يكرمش أنفه ويلعب بملامحه فيما يشبه الأسف والاعتراف بالذنب. سكتُ في انتظار ما ستـُفضي إليه عملياتُ التقلص والفرد التي يفعلها بوجهه.
قال لي: "أنا محتاجك في العربي بس بعد ما بابا يخلص لي الإنجليزي".. فاستنكرت أنه لا يزال يذكر حيث كان المفروض أذاكر له النحو والأدب من ربع قرن. لكنه مرتان يتكاسل، وثلاث مرات لا يريد، ومرات يقول "مش دلوقت"، وأنا -لأكون أمينة- مرة لا أكون في الفورمة.
أعطيته جملة مركبة يـعربها لأرى إلى أي نقطة نزل مستواه. وتذكرت ماما الله يرحمها -وهي درعمية- لما كانت تقول لي: "النحو كالبناء، والإعراب يحلل البناء ده، وعشان تحلليه صح لازم تكوني فاهمة موضع كل طوبة في البناء ده فين، ولازمتها إيه.. وده مش هيكون بدون فهم المعنى بدقة". وكانت تقول لي إن من يحسن الإعراب، يجيد فهم النحو. وأذكر أنني كنت أحياناً أخطئ في تشكيل كلمة أثناء تلاوتي للقرآن الذي علمتني قراءته، ويكون الخطأ نفسه متكرراً وكأن الكلمة مستعصية عندي على النصب فأرفعها وهي منصوبة! فكانت تجعلني أفكر في الآية كجملة، وتصحح لي الكلمة مُبينّةً محلها وتعرب لي الآية كلها..
لم يطاوعني مشمش اللعبي.. فغضبت منه ولكي يصالحني في اليوم الثاني أرسل لي الصبح رسالة قصيرة بالإنجليزي مفادها أنه "يتمنى لو يقطع من ضلوعه ويعمله قلم، ومن جلده صفحة، ومن دمه حبر عشان يكتب لي إني واحشاه". ولأنها بالتأكيد مرسلة له لأن مشمش هذا رقيق وحبوب مثل باقي مشمشي، شكرته فقط وسألته باستهجان يتوارى في ثوب الاستظراف: "إذا كان التعبير عن الحب والشوق فيه تكسير ضلوع، وبالعنف ده، أمال لما يجي وقت الشدة هيكون باقي لنا من الإحساس الجميل ايه نتقوى بيه يا مشمش؟؟!".
ولكي لا أقع في مأزق الإرشاد ذكرته برسالة أمورة وجميلة كان أرسلها لي قبلها بالعربي. وإذا به في ساعتها يرسل لي أجمل منها: "صباح النور يا دودو، معادنا النهارده بعد المغرب.. وبوسة".. فنويت أن أشتري له شوكولاتة بالبندق لعله يحسن الإعراب وكتبتها على ورقة لصقتها أمامي لكي لا أنسى..
* * * * *
هل تدرين أني أثق فيكِ لدرجة التسليم؟!
أحياناً ينوء بي الحكي فيتساقط من جيوبي الكلام وأنا أجري وراء قلبي لأمسك بتلابيب التعابير. وفي الآخر، لا أجد غيرك، حينما ينفرط مني عقد المشاعر. فأسكنها فيكِ؛ بين ذرات الكاكاو والسكر، وبين أنصاف فلقات البندق. أذيبها فيكِ، في نهير اللبن الممزوج بكِ، وأعطيكِ لحـبّات قلـبي.. لمشـمشي.. لعلك توصلين لهم ما لم أستطع، وما لا يعرفه المنطوق، ولا تفسره نظرات العين، ولا تشرحه الرسوم، ولا تسعه الأحضان. لعلهم أثناء ذوبانك على طرف لسانهم، تسري في عروقهم مني بعضاً مما أكنـّه لهم ذائباً في ستة ألوان؛ لون من قلبي، ولون منكِ، ولون من حبي، ولون من عمري، ولون من خوفي، ولون منهم.
أظن أنكِ تستطيعين، فهل أنتِ قادرة؟ أم أنكِ في حاجة لأبعث لهم قطعة منكِ مسجلة بعلم الذوبان والإحساس؟؟ أم أنهم في حاجة لقراءة ما كتبتـُه ليفهموا مهـمتك فتستحقين وسـام الشرف لتبليـغـك الأمـانة يا عزيزتي.. يا شوكـولاتـي الحـبوبة المـُبندقة؟؟! (:


