
سنة أولى قصة.. باب جديد ينضم إلى ورشة "بص وطل" للقصة القصيرة سننشر فيه بالتتابع القصص التي تعدّ المحاولات الأولى للكتّاب في كتابة القصة البسيطة.
تلك الكتابات التي لا تنتمي لفن القصة القصيرة بقدر ما تعد محاولات بدائية للكتابة.. سننشرها مع تعليق د. سيد البحراوي حتى تتعرّف على تلك المحاولات وتضع يدك على أخطائها..
وننتظر منك أن تُشارك أصحاب تلك المحاولات بالتعليق على قصصهم بإضافة ملاحظات إضافية حتى تتحقق الاستفادة الكاملة لك ولصاحب أو صاحبة القصّة..
"الخرائب"
سائراً وحيداً مع جمله الهزيل فى تلك الصحراء القاحلة ، واللون الأصفر يحيط به من كل مكان حتى صار يمقت هذا اللون ، أيام عديدة وهو على هذه الحال ، أحياناً تجده راكباً الجمل وأحياناً راجلاً ، والجمل التعيس يتبع صاحبه أينما ذهب ..
توقف قليلاً وأخذ يلهث ، لا توجد حتى نخلة واحدة يحتمى بظلها ، أخرج قارورة ماء كانت معلقة حول وسطه وقربها من شفتيه الجافتين كحجر البازلت ولكن لا شىء ، هزها عدة مرات ولكن لا قطرة واحدة ، ها هى الحال تحولت من سىء إلى أسوأ وهو مهدد الآن بالموت ظمئأ ً .. ألقى القارورة أرضاً بيأس و .. كان يتطلع إلى خط الأفق عندما لمحها ، مدينة بعيدة بدت كنقطة سوداء .. نقطة خلاص وسط بحر العدم هذا ..
هلل وصاح: (هيا يا جملى ، سُمح لنا بالعيش يوماً آخر.) واتجه نحو المدينة ..
منذ اللحظة الأولى التى فتحت له فيها أبواب المدينة المتهالكة وخطا أولى خطواته للداخل .. شعر به .. إحساس بالكآبة لم يشعر به مطلقاً من قبل .. كآبة القبر .. كآبة غابة مظلمة .. كآبة روح عابر سبيل فى ليلة عاصفة .. كآبة لها كيان .. !
استوقف أحد المارة وسأله: (أخى الكريم .. هل تدلنى على مكان لراحة المسافرين.)
كانت إجابة الرجل بليغة جداً ً.. أشار إلى مبنى ضخم نسبياً ومضى فى طريقه.. كانت هذه هى اللحظة الأولى التى يلاحظ فيها الصمت ، صمت مطبق على كل شىء .. صمت ثقيل يطبق على الأنفاس .. نظر حوله ، لا أحد يتكلم!
حتى عملية البيع والشراء تجرى بالهمس .. هز رأسه مندهشاً ومضى إلى المبنى المعد للمسافرين ، مرت ساعتان كان قد استراح وملأ بطنه بالطعام والشراب ووُضع الجمل فى ما يشبه اسطبلاً ملحق بالمبنى لرعاية دواب المسافرين .. قرر أن يتجول قليلاً بالمدينة عله يكتشف شيئاً جديداً يزيح ذلك الستار من الغموض الذى يحيط بالمدينة ...
كانت كل الطرق ضيقة وتشبه بعضها إلى حد كبير والمنازل صغيرة أعلاها يصل ارتفاعه إلى طابقين ، كان يسير فى أحد الشوارع عندما وجد نفسه فجأة فى ساحة واسعة ، على أقصى يمينه بدت خرائب كئيبة المنظر ، خرائب تمتد إلى مسافة كبيرة ثم بعدها بمسافة قصيرة عدة بنايات وقصر نصف مهدم .. بدا المنظر غريباً وأشعل فضوله ، اتجه بتؤدة إلى البنايات التى تعقب الخرائب لم تكن كثيرة ربما كانت عشر بنايات أو أكثر إلا أنها لا تتعدى الخمس عشرة بناية.
ربما على الجانب الآخر من المدينة كان الصمت ثقيلاً ولكنه لا يقارن بالصمت هنا ، الصمت هنا أقل ما يقال عنه أنه ينتزع الروح ذاتها.. كانت الشوارع شبه خاوية وكآبة عجيبة توجد فى المكان كآبة لزجة إن صح التعبير.. وصل إلى القصر ويبدو أنه قد كان قصراً فخماً قبل أن يتهدم نصفه
وعلى أحد سلالم القصر وجده ..
رجلاً جالساً وقد وضع رأسه على كفه المستندة إلى ركبته وكن يهتز بكاءاً ، اقترب منه بتؤدة وربت على كتفه سائلاً: (لماذا تبكى يا رجل ؟؟)
رفع الرجل رأسه ناظراً إليه وكان عجوزاً ملتحياً ورد سؤاله: (من أنت؟؟... أأنت من الجانب الأخر؟)
أومأ برأسه نفياً: (لا.. أنا غريب عن هذه المدينة.. اسمى (سالم) ، يمكنك أن تسمِنى تاجراً صغيراً..)
قال الرجل بأسى: (وما الذى أتى بك إلى هنا؟..ألم تجد غير هذه المدينة لتتاجر فيها؟)
جلس(سالم) بجوار الرجل ورد قائلاً: (لقد كنت تائهاً فى الصحراء ولم أجد مدينة غيرها... ولكن لماذا كنت تبكى؟؟)
أعاد الرجل رأسه لوضعها الأول وقال: (إنها قصة طويلة لن تهمك..)
هرش (سالم) رأسه غير فاهم ثم قال: (مدينتكم هذه غريبة للغاية.. لم كل هذا الصمت؟.. حتى ال....)
قاطعه الرجل قائلاً بوهن: (أسئلتك كثيرة يا بنى.. وأنا شيخ فان ، لن أستطيع إجابتك..!)
قال (سالم) برجاء: (أرجوك أيها الشيخ الكريم ، أجب عن أى شىء...)
تطلع العجوز إلى (سالم) ملياً ثم قال بأسى: (طالما أنك غريب عن هنا فمن حقك أن أعلمك و أعظك ..... لقد كانت هذه المدينة من أعظم وأبهى المدن ، مضى الحال هكذا عدة سنوات إلى أن توفى آخر الملوك العِظام وكان له أربعة أبناء.. أربعة أبناء ملأ الحقد والجشع قلوبهم واختلفوا فيما بينهم عن حاكم المدينة ، اجتمعوا فى نهاية الأمر على اقتراح... اقتراح مشئوم... اجتمعوا على تقسيم المدينة أربعة أقسام كل ابن يحكم قسمه بعيداً عن الآخر....)
توقف الرجل ليجمع أفكاره ، وردد(سالم) مخاطباً نفسه بدهشة: (مدينة تحولت إلى أربعة مدن!!؟)
أشار الرجل إلى الخرائب وقال: (أترى هذه الخرائب؟؟... لقد كان هذا هو قسمى مع هذه البنايات الباقية وهذا القصر..)
(سالم) بدهشة: (أنت أحد الملوك الأربعة ؟!..)
قال الرجل بصوت أشبه بالبكاء: (ليتنى ما كنت منهم ، ليتنا ما قسمنا المدينة)
سالم: (ماذا حدث بعد ذلك ؟؟... ولماذا أعطوك هذه الخرائب ؟؟ )
مسح العجوز دموعه وأكمل: (بعد أن قسمنا المدينة وكل واحد استقل بقسمه ، جائت هجمات الرمليين... وهم قوم عاشوا قديماً تائهين وسط رمال الصحراء إلى أن اجتمعوا مرة أخرى وصاروا كاللصوص يهجمون على القوافل ، لم تكن هذه الخرائب هكذا فيما مضى ، كانت بنايات يعيش بها سكان مدينتى ، ولكن الأموال أعمت قلوبهم وباتوا يبيعون بيوتهم للرمليين ، عام بعد عام صار الرمليون قوة وبدأوا يستولون على أرضى شيئاً فشيئا ، كل جزء ينهبونه ويهدمونه ، صارت الخرائب تتسع وتتسع إلى أن تبقى هذه العدد القليل من البنايات الذى اجتمع فيه من بقى حياً من هجمات الرمليين)
سأل (سالم) بإنفعال: (وإخوتك؟؟... لماذا لم يساعدوك؟؟؟)
ابتسم العجوز فى أسى وقال: (إخوتى؟؟... كل واحد مشغول بمدينته ، الحمقى لا يدركون أن الدائرة ستدور عليهم ، الرمليون كالطفيل لابد من جسد يعيشون عليه ، يتغذون منه ، ولن يتوقفوا عند مدينتى ، لن يهدأ لهم بال إلا وكل المدينة ملكهم..)
سالم وقد اتسعت عيناه دهشة: (ولكن كيف؟؟... ألم يقدموا لك يد العون مطلقاً؟؟)
العجوز مضيقاً عينيه: (كل ما فعلوه أن اجتمعوا بكبير الرمليين وأخذوا عليه عهداً بألا يستولى على أراض ٍ أكثر من ذلك ، ولكن منذ متى والرمليين لهم عهد؟.)
اتسعت عينا (سالم) أكثر وأكثر حتى لكأنها ستقفز من محجريها: (والناس؟...الناس فى المدن المجاورة لماذا لا يؤيدونك..لماذا؟؟)
(أى ناس؟؟... لعلك لاحظت صمتهم ، لقد فرض عليهم إخوتى هذا الصمت منذ زمن ، لقد صار الصمت كل حياتهم ، الصمت أو العقاب الصارم الرادع لمن يتكلم أو يعارض... أصبح الناس يائسين.. محبطين.. سلبيين )
عاد العجوز يبكى وقال: (ارحل يا ولدى ، ارحل مادمت تستطيع... ارحل فقد لُعنت هذه الأرض يوم تفرق أهلها...)
نهض (سالم) واتجه إلى مبنى المسافرين استعداداً للرحيل ..
سيرحل (سالم) بعيداً عن الإخوة المفككين....
سيرحل (سالم) تاركاً الخرائب خلفه تتسع شيئاً فشيئاً....
سيرحل (سالم) ناقماً .. شاعراً أن ظمأ الصحراء أفضل من العيش فى مدينة لا يتألم فيها الإنسان لألم أخيه....
سيرحل (سالم) ولكن.. هل يعود؟؟؟...
ممدوح ابراهيم ياسين
التعليق:
ممدوح يمتلك القدرة على الكتابة (رغم الأخطاء اللغوية) والقص، لكن النص قام أساساً على فكرة تهدف إلى تقديم رسالة ضد الفرقة والإنقسام (والمغزى واضح). وهذا ليس هو هدف القصة القصيرة التي تجسد تجربة تمتع وتفيد.
د. سيد البحراوي
أستاذ الأدب العربي الحديث بكلية الآداب، جامعة القاهرة
ممدوح يمتلك القدرة على
ممدوح يمتلك القدرة على الكتابة (رغم الأخطاء اللغوية) والقص، لكن النص قام أساساً على فكرة تهدف إلى تقديم رسالة ضد الفرقة والإنقسام (والمغزى واضح). وهذا ليس هو هدف القصة القصيرة التي تجسد تجربة تمتع وتفيد.""
انا لا اتفق معك يا استاذ, انا اعرف هذا الفتى جيدا , انه موهوبا بحق
The story is great. I loved
The story is great. I loved the way you let the reader read between the lines.
شكر عميق للموقع و للتعليقات
شكر عميق للموقع و للتعليقات أكيد هتفدنى و تشجعنى فعلا انى أكمل .. شكراً ..









