
إذا سُئلت أي أوقات يومك تعشقين؟ لأجبت دون تردد إنه الوقت من السابعة والربع صباحا.. حيث أرى (أحمد) وقد نزل لشراء الفطور.. حتى السابعة والنصف تقريبا.. وقت عودته إلى بيته! يوميا أضبط منبه هاتفي على تمام السابعة. فأستيقظ مهرولة نحو نافذة غرفتي.. لا أخرج من حجرتي.. حتى لا تتذكر أمي أن لها ابنة من المفترض أن تقوم –فور استيقاظها– بأداء المهام المنزلية الشاقة. فأتعطل عن ذاك اللقاء الذي ما أحببت الاستيقاظ من النوم إلا لأجله!
أنظر من النافذة وعلى محياي شرود ونظرة حالمة.. أستنشق الهواء النقي العليل.. أعلم أنني لن أستشعر كم أن الهواء عليلٌ لولا أنني أكون في انتظاره. فأشعر بأن كل ما حولي جميلٌ.. حتى بائع الجرائد عندما يمر مناديا على صحفه أستشعر كم أن صوته نديٌ.. خاصة عندما يمتزج بصوت آلات التنبيه الخاصة بالسيارات!! أقف الآن في انتظاره.. شاردة.. مبتسمة.. ياإلهي.. هل يُعقل أن تكون كل تلك المشاعر المكبوتة داخلي وحيدة الطرف؟!! أركل تلك الفكرة بعيدا عن قلبي متمنية استئصال عقلي الذي يشطح دائما نحو تلك المنطقة من الأفكار! أنا أخاف الأفكار المظلمة أكثر من خوفي من الظلام نفسه! وفكرة (أحمد لا يشعر بحبي) شديدة الظلام حقا!! لا يعقل أن يكون هذا صحيحا أبدا.. بالتأكيد هو يبادلني ذات المشاعر.. ولكن الظروف لا تسمح له بأن يصرح لي خاصة وأنه صديق أخي. فجأة.. تنتزعني عيناي من خواطري انتزاعا وقد رأيت (أحمد) على أول شارعنا في طريقه لشراء الفطور كعادته.. لكم تمنيت أن أكون بائعة بالـ(سوبر ماركت) الذي سيشتري منه أحمد فطوره! أراه فيخفق قلبي بعنف حتى أنني أحيطه بذراعيّ حتى لا يقفز من النافذة تحت قدميه فيفضحني.. أتأمل طريقة مشيته.. بساطته.. تلويحاته لبعض ممن حوله محييا.. بل ويسلم على بواب عمارتنا.. أنا أحب كثيرا هذا التواضع! عيناي مثبتةٌ به.. وأذناي أصبح غاية أمانيها أن يصل إليها صوته وهو يحادث رجلا استوقفه يسأله عن شيء ما فأحسد ذلك الرجل كثيرا!! يكمل المسير حتى يكاد أن يختفي من ناظري.. وتحاول عيناي -في محاولات يائسة- أن تتشبث به أكثر وأكثر.. ولكنه ينجح أخيرا -دون قصد- في أن يفلت من ناظري بعد أن تدخلت عمارة جانبية ضدي فحجبته عني نهائيا.. لكم أتمنى أن يصدر قرار إزالة لتلك العمارة! ولكني أعزي نفسي بأنه بالتأكيد سيعود إلى منزله مارا بنافذتي. وأصبر نفسي بالنظر إلى آثار أقدامه!!
بدأ الأمر معي كما لكم أن تتوقعوه.. كان يزور أخي لماما.. وكنت بفضولي أسمح لأذني أن تلتقط ما يصلها من حديث بينهما.. أُعجبت كثيرا بأسلوبه وطريقة كلامه.. أعشق خفة دمه غير المتكلفة.. تأسرني بعض تعبيرات وجهه الطفولية البريئة.. أعشق تلقائيته الشديدة والتي تشعرني بأنني أمام شخص نقي.. شفاف.. أعجبت أكثر بأشياء أخرى فيه ليس باستطاعة عقلي أن يستوعبها فضلا عن عجز لساني أن يمسك بها. مع الوقت أصبحت أترقب ذهابه ومجيئه.. وأصبِّر نفسي فقط بمراقبته حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.. مرارا وتكرارا أتذكر ذلك الحوار الوحيد الذي دار بيني وبينه عندما تأخر أخي كثيرا وقلقت عليه أمي أكثر. فطلبت مني أن أتصل بأحمد في بيته أسألهم عما إذا كان أخي معه أو حتى ما إذا كان يعرف طريقه. سررت كثيرا بطلب أمي هذا.. واتصلت على الفور وكلي أمل في أن يرد أحمد. كانت من المرات القليلة التي يحدث معي ما يُفنِّد (ليس كل ما يتمناه المرء يدركه)! وما يرد على (تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن)! باختصار.. لقد ردّ عليّ أحمد بنفسه!
- أيوة يا أحمد أنا سارة أخت عمر..
- ازيك يا سارة.. خير؟؟!!
- عمر اتأخر أوي ومقالش انه هيتأخر.. كنت بتصل فاكراه معاك أو تعرف مكانه.. تليفونه مقفول.. وماما قلقانة عليه أوي..
- هو قال لي انه رايح عيد ميلاد واحد صاحبه.. وأكيد تليفونه فصل شحن.. قولي لمامتك متقلقش.. ولا أقول لك.. أديهاني أكلمها..
- أوكي ثانية واحدة.. خليك معايا..
تمنيت حقا أن يفهم (خليك معايا) هذه كما أقصدها أنا! ناديت على أمي وقلبي يرقص طربا لأنني تحدثت معه.. وإن كنت أتمنى أن تطول المكالمة أكثر من هذا! حدثت تلك الواقعة منذ عام تقريبا.. ومن وقتها وأنا دائما ما أتذكر تفاصيل ذلك الحوار.. كلمة كلمة.. دون أن تسقط من ذاكرتي تفصيلة واحدة! وأتخيل دائما مصادفات أخرى كتلك تسوقه إلي وتجعله يتحدث معي مرة أخرى!!
ها هي عيناي تتلقفه مرة أخرى وقد ظهر عائدا إلى بيته فيعيدني إلى عالم الواقع التخيلي الذي أعيشه دائما كلما أراه. ما أجمل أن تغرق في تلك الخواطر التي أغرق أنا فيها الآن.. والأروع من هذا أن تفيق من خواطرك الجميلة تلك على القوة الدافعة الخواطرية.. مصدر تلك الخواطر.. أحمد.. لا أدري لماذا يساورني إحساس قوي بأنه يبادلني ذات المشاعر.. لا إنه ليس إحساس.. إنها حقيقة.. أنا على يقين من هذا.. حتى إنني متأكدة من أنه ما أن يقترب من عمارتنا حتى يشعر بي ويرفع عينيه نحو نافذتي.. فينظر إلي نظرة تغنيني عن ألف كلمة.. ولكن.. ترى ماذا سأفعل عندما ينظر إلي؟؟ ياللهول.. لا أعتقد أني سأصمد.. قد أتهاوي.. قد أغلق النافذة خجلا.. أم سأظل مكاني وقد أصابني الشلل بعد أن توقف عقلي عن إصدار الإشارات إلى جهازي العصبي من هول المفاجأة؟؟ لا زلت أرقبه.. وأرقب تلك اللحظة التي أنا على يقين من أنها ستحدث بعد قليل.. لحظة رفع عيناه نحوي.. ها هو يقترب من نافذتي أكثر.. وأكثر.. فأكثر.. الآن سينظر إلي.. أنا متأكدة من هذا.. فجأة.. أجدني أغلق نافذتي وأستلقي على السرير وقد ضممت ذراعيّ حول صدري حتى يهدأ قلبي.. نعم.. فأمي تندايني الآن.. وإذا علمت أنني لم أعد الفطور وأقف هكذا ستقتلني لاشك!! ولكن السؤال الذي يلح عليّ الآن : هل أغلقت النافذة في وجه أحمد؟؟ ويبقى السؤال هل هذا مجرد إحساس قوي؟ أم قوة إحساس؟؟
عبد الله شعبان
التعليق:
قصة ممتازة، ورغم الإطالة في وصف حالة البطلة في لحظة (تمر كأنها ساعات)، ينجح الكاتب في أن يأسرنا برهافة المشاعر وعمق المعاناة سلباً وإيجاباً.
ثم تأتي النهاية كاشفة عن عمق الأزمة؛ تلك التقاليد التي تمنع البطلة من التعبير عن حبها الذي يمكن أن يكون متبادلاً.
اللغة جميلة وسليمة إلا من بعض المفردات أو الجمل التي تحتاج إلى دقة مثل كلمة (الخواطرية)، كما أن الجملة الأخيرة لا ضرورة لها. أنتظر نصوصاً جديدة.
د. سيد البحراوي
أستاذ الأدب العربي الحديث بكلية الآداب، جامعة القاهرة









