قصة تبحث عن تعليق: "ثورة الجياع"

Aug 22 2010
آخر تحديث 11:02:20
جال ببصره في أركان الغرفة التي تلطخت بالدماء
جال ببصره في أركان الغرفة التي تلطخت بالدماء

"قصة تبحث عن تعليق" باب جديد ينضم إلى الورشة.. سننشر فيه القصص بدون تعليق د. سيد البحراوي، وسننتظر منك أن تعلق برأيك على القصة..

وفي نهاية الأسبوع سننشر تعليقك بجوار د. سيد البحراوي؛ حتى يستفيد كاتب القصة من آراء المتخصصين والمتذوقين للقصة القصيرة على حد سواء.. في انتظارك.

 

 

"ثورة الجياع"

 

ساد قاعة السينما صمت وترقب وعيون الجميع تتعلق بالمستطيل العملاق الذي ستتساقط عليه عما قريب صور العرض.
لم يكن العدد داخل القاعة بالكثير وجعل تناثرهم في أنحاء القاعة كأنهم اقل مما يبدو.

نظر إلى ساعة يده في تذمر فوجدها التاسعة والربع مساء، مضت ربع الساعة ولم يبدأ العرض بعد، نظر حوله متطلعا، ستتلاشى هذه الوجوه عندما تظلم القاعة.

بدت مصابيح القاعة وكأنها تنصت لأفكاره عندما توالت في الانطفاء مجموعة تلو الأخرى حتى عم الظلام وازداد تعلق الأبصار بالمستطيل العملاق.

كان يتابع ويترقب في اهتمام أكثر من غيره أحداث الفيلم المتتابعة أمام عينيه، كان أكثر من غيره يهوى أفلام القراصنة، كان لا يمل مشاهدتها، وكيف يمل رؤية البحر بمائه الأزرق الذي يبعث في نفسه الإحساس بالحرية و اللا حدود، كان يعلم من معلومات البحار والبحارة الكثير.

حتى حين بدا للجميع في القاعة هذا المشهد الذي جمع فيه البحارة التائهون في عرض البحر على ظهر سفينتهم و الإعياء و المرض والخوف يصبغ وجوههم وأجسادهم الهزيلة جميعا فبدوا متشابهين دون تفريق، اقترع البحارة فيما بينهم فأصابت القرعة احدهم.

علامات الفزع وشبح الموت يسرى في أوصاله حتى يكاد يطل من كل مسامه، تجمع البحارة حوله وعيونهم تلمع وأيديهم متحفزة على سيوفهم وخناجرهم، المسكين يتراجع والخوف يزداد ويزداد حتى تكاد تسمع دوى دقات قلبه المرعوب تسرى في خلاياك.

اصطدم في تراجعه المحموم بالصاري خلفه فهجموا عليه دفعة واحدة، حاول أن يتسلق الصاري فنبشوا أظافرهم في لحمه وسحبوه دون رحمة، أظافره تشق الأخاديد في أرضية السفينة ودمائه تفيض فيها لتروي أرضية السفينة الظامئة وصرخاته وهو يستجديهم ألا يأكلوه تعبر السحاب المنكب على نهاية المحيط الذي لا نهاية له.

فزع الجميع من هذا المشهد ومن رؤية البحارة يلتهمون صديقهم الذي أصابته القرعة.
لكنهم لم يكونوا يعلموا مثلما يعلم هو أن هذا الأمر لم يكن من خيال المؤلف، وانه واقع كان يحدث عندما ينقطع بالبحارة السبيل و ينفذ منهم الزاد، كانوا يقترعون على احدهم ليأكلوه.

انتهى الفيلم وذهب مع من ذهبوا. غادر القاعة و مشهد البحارة و هم يتلمظون أشلاء الرجل الذي أصابته القرعة لم يغادر خياله.
لهذا الحد قد يصل الإنسان به الجوع.

ولكنه حدث نفسه ولما لا !
ألم تطالعه الأخبار عن شخص وضع السم في الطعام لأسرته ليموت هو و عائلته جميعا من الفقر قبل السم.
ألم يلق شخص بنفسه تحت عجلات القطار ليتخلص من الفقر و الحاجة، فلماذا لا يأكل الناس بعضهم، ليموت البعض ويحيا البقية.

اختار أن يمشى لمنزله بعد أن جاوز الوقت منتصف الليل، كانت الشوارع مظلمة تقريبا باستثناء بعض البقع المضيئة أسفل أعمدة إنارة لم تتهشم بعد تناثرت على طول الشارع.

تجمدت الدماء في عروقه عندما اصطدم به فجأة شخص برز له من أحد الشوارع الجانبية، كان الرجل يلهث بأنفاس متقطعة وثياب تمزق أكثرها وصبغت بالدماء، بدت على ملامحه في الظلام مظاهر الإعياء و الهلع وكأنه يفر من الشيطان، خرجت منه كلمات غاص أكثرها في أنفاسه المتقطعة

- اهرب ، اهرب، إنهم جياع، انسعروا.
قالها وانطلق يعدوا مترنحا بخطوات يبدو بها وكأنه سيسقط في كل خطوة منها،
وقف لبرهة يفكر في حديث هذا الرجل.
هذا الرجل يهرب من شيء مفترسا حتما كأنها كلاب ضالة أو ما شابه
أو هو مجنون هائم في الشوارع ،أو شيء آخر.
بدا له الأمر الثالث أقرب و إن كان لا يدرى لماذا.
لم يخطو سوى بضع خطوات حتى تناهى إلى مسمعه صوت صرخات تأتى من حيث ذهب الرجل منذ قليل.
الصرخات تعلو وكأن صاحبها يتلظى في السعير أو يتمزق بين أنياب الشياطين.
اهتز قلبه خوفا و انهارت أعصابه دفعة واحدة وهو يتذكر الكلمات التي كان الرجل يرددها منذ قليل
- إنهم جياع أهرب انسعروا أهرب

شعر أن قدميه تهتزا وأن الأرض تلين تحت قدميه، خطواته تزداد ثقلا و هو لا يدري ماذا يفعل وأين يذهب، هل يعود أدراجه، هل يكمل طريقه، أم ينعطف إلى حيث ذهب الرجل.

بقى على منزله القليل فلن يعود أدراجه، وقد خمدت صرخات الرجل وسيشاركه حتما مصيره إن حاول الاقتراب ومساعدته، لذلك قرر أن يكمل طريقه دون أي شيء أخر، ولكنه عاد وعاتب نفسه عندما هم بالانصراف فربما وفق في إنقاذ هذا المسكين من بين أنياب ما يحاول افتراسه، أو يستدعى له الإسعاف أو النجدة فلن يغفر له ضميره أن يرى صورة هذا الرجل في صفحات الحوادث غدا.

سار بخطوات حذرة إلى حيث ذهب الرجل من قبل، الظلام يشتد و ليس ثمة ضوء في هذا الشارع، تحسس طريقه بعناء وهو ينصت لعله يسمع همسا أو حتى أنينا،
انبعثت فجأة في المكان رائحة الدماء زكمت أنفه.

أشعل عود ثقاب و أنحني به على الأرض فظهرت الفوضى و أثار الدماء في كل اتجاه، انتفض واقفا فسقط منه عود الثقاب على الدماء اللزجة لينطفئ.
عاد الظلام يعم كل شيء وهو يهرول مذعورا مغادرا الطريق يحدث نفسه، لقد انتهى هذا الرجل، يا إلهي. هذه ليلة لن أمر بمثلها أبدا.
رائحة الدماء و ملمسها اللزج يسري ويزحف من أنامله إلى سائر جسده فيصيبها بالخدر ويكاد يشلها عن الحركة.

قاوم خوفه وهو يسرع الخطى إلى منزله الغير بعيد حتى وصله وهو يلهث من الركض و الرعب الذي يتقاطر من جبينه، ولكنه لم يكد يمد يده ليفتح الباب حتى تسمرت يداه، كان الباب مفتوح على مصراعيه ورائحة الدماء تنبعث من خلفه، دقات قلبه تصارع صوت أنفاسه اللاهثة دون رحمة وهو يخطو داخل منزله بحذر.


آثار الدماء على الجدران و الأرضية تتجه نحو حجرة المعيشة، دارت به الدنيا وخارت قواه فاستند على الحائط وهو يجاهد ألا يسقط مغشيا عليه، وقف على مدخل حجرة المعيشة و جال ببصره في أركانها التي تلطخت بالدماء وتدلي من سقفها بسلسلة جسد الرجل الذي قابله في الطريق وقد اختفت بعض أجزاء جسده.


أتاه صوت من خلفه فالتفت مفزوعا إلى صاحب الصوت الذي سار نحوه حاملا ساطورا وسكينا ضخما يتقاطر منه الدم الذي لطخت به يداه وملابسه، فتجاوزه نحو الجسد المتدلي من السقف و هو يبتسم بطرف فمه قائلا وهو يكمل على بقية الجسد
- حسنا فعلت أنك لم تتأخر أكثر من هذا
- لقد كدت أن تفوت على نفسك طعام العشاء
- اذهب إلى المطبخ لتساعد أمك
قالها وهو يهوى على الجسد المتدلي بسكينه.

أحمد علي سعد

 


 

التعليق:
قصة رعب جيدة يمكن أن تكون واقعية رغم قسوتها، ربما يكون مفيداً أن يذكر أن الصوت الأخير هو صوت الأب. ثمة أخطاء لغوية كثيرة.

د. سيد البحراوي
أستاذ الأدب العربي الحديث بكلية الآداب، جامعة القاهرة



مشاركات القراء

يقال أنه أيام المحاعة التي

يقال أنه أيام المحاعة التي سميت بالشدة المستنصرية أكل الناس بعضهم لدرجة أنه لما أكل حمار الوالي شنق الفاعل و في اليوم التالي لم يجدوا الجثة على المشنقة.....و عليه فإن القصة تحمل بعضا من الواقع.
ترى..في ظل موجات الغلاء التى تضربنا هل نصل إلى هذه الدرجة في يوم من الأيام

قصة لذيذة ...أعتقدأن أحمد

قصة لذيذة ...أعتقدأن أحمد متأثر إلى حد ما بدكتور أحمد خالد توفيق.
النهاية متوقعة"الضحية هي الجاني" ..و لكن في النهاية القصة جميلة و مشوقة لا يمكنك تركها إلا بعد كلمة تمت ..و شكرا يا أحمد؛..

أىقصة موجعة هى كمية الدم و

أىقصة موجعة هى كمية الدم و العنف الصادم فيها كبير..

أقصي الكوابيس هى ما يتحول إلى حقيقة
ربنا يحفظنا .. واقعنا فعلا مش بيخلي تفكيرنا يروح غير لكده واقعنا مؤذي جدا .. ربنا يحفظنا
القصة جميلة جدا .. و حاسة لغتها و أسلوبها حلو جدا

أىقصة موجعة هى كمية الدم و

أىقصة موجعة هى كمية الدم و العنف الصادم فيها كبير..

أقصي الكوابيس هى ما يتحول إلى حقيقة
ربنا يحفظنا .. واقعنا فعلا مش بيخلي تفكيرنا يروح غير لكده واقعنا مؤذي جدا .. ربنا يحفظنا
القصة جميلة جدا .. و حاسة لغتها و أسلوبها حلو جدا

اكل لحوم البشر والتلذذ به

اكل لحوم البشر والتلذذ به نمارسه يوميا وهى وجبة شهية فى المجالس الخاصة والعامة بما فيها من مشهيات من سيرة فلان وفلانة احساس مقزز من رائحة الدم والخوف من الطلام قصة تصيب بالاكتئاب نحج الكاتب نقل هذا الاحساس لنا وانتظروا ثورة الجياع قربيا بعد مشكلة القمح قصة كئيبة

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.