
الدكتورة (وفاء) زبونة دائمة لدينا. أعثر عليها دائماً في الطاولة البعيدة، منهمكة ما بين أوراقها المبعثرة على الدوام، وما بين لوحة المفاتيح وشاشة الحاسب.
لم يكن الفضول يوماً أحد مساوئي، ولم يشغل بالي من قريب أو بعيد ما قد تكون الدكتورة (وفاء) تمارسه على طاولتها ما دامت لا تتصفح واحداً من المواقع إياها، في شاشة مصغرة، توهمها أنني لا أراها، وما دامت لا تحتم عليَّ أن أخفض صوت السماعات، كما اعتاد كل ذو لحية وجلباب، وكل ذات نقاب وإسدال، لأن الأغاني حرام.
ورغم أن قائمتي لا تخرج عن (فيروز) و(عمر خيرت) أحياناً كنت أجادل فيما مضى.
ثم فقدت البال الرائق والنفس الطويل والقدرة على الترفع عن تفاهات البشر، دعك من أنني أعتبر المكان مملكتي الخاصة التي لا يمكن لأحد من عامة الزبائن أن يفرض فيها قانونه الخاص، لذلك صار التجاهل والسماجة ملاذي الأخير.
الدكتورة (وفاء) تأتي دائماً وحدها. تتأفف من ضوضاء المراهقين ودخان سجائرهم ومزاحهم الثقيل، فضلاً عن رقاعة الفتيات، و(قلة الحيا) كما كانت تهمس لنفسها -وكأنها تبصق- بينما ترمقهن متقززة.
طبعاً لن أحكي لك عن رد فعلها بينما بعضهن يشرن لي من على الباب إلى أعلى، قاصدين (الصندرة) حيث أجهزتنا المزودة بالكاميرات وأحدث الميكروفونات.
صاحب المكان يصر على تخصيص (الصندرة) للفتيات فقط. لم أعرف أياً من أسبابه، حتى شاهدته ذات مرة يراقب الأجهزة كلها عبر أحد برامج التحكم.
من يومها أدمنت المشاهدة، وأدركت أن أفكار الدكتورة (وفاء) عن أن (الصندرة) لابد وأنها وكراً لـ(قلة الحيا) كانت صحيحة، ربما أكثر مما تتخيل هي، أو كنت أتخيل أنا. كانت متابعتي لهن على الشاشة تسليتي غير الوحيدة في المكان.
كما كانت مصدراً لتعميق أزمة الثقة ما بيني وبين فتيات الجيل، اللاتي لا زلت أصر على تسميتهن (حريم)، ودعني أصارحك بحقيقة غير مجحفة: لا يوجد (بنات) هذه الأيام، وإنما يوجد (حريم). وأترك المجال لخيالك لما قد تعنيه كلمة (حريم).
على أن الدكتورة (وفاء) لم تكن من هذا الطراز. كانت ملامحها خائفة على الدوام. عيناها متسعتان في رعب على الدوام.
لا زلت أذكر يوم أن امتدت يد أحد الشباب ذي الشعر المكهرب بالجيل إلى يدها عن طريق الخطأ – أعتقد – انتفضت وتكورت على نفسها كقط مذعور. يفح صوتها: إنـ. انت بـ. بتعمل إيه؟!!!
ويقول الشاب الرقيع نافياً التهمة وقد مسه الذعر، ربما أكثر منها: آسف مش قصدي. بينما لسان حاله يقول: امنحيني سبباً واحداً يغريني بلمسك!
أراقب المشهد في شغف، ولربما تعاطفت مع الفتى، فالحقيقة أن الدكتورة (وفاء) لا شيء فيها يغري بالنظر، فضلاً عن اللمس. أما عن يدها تحديداً فلا شك لدي بأن كيماويات المعامل سوف تشهد لها في أي مقابلة عمل! دعك طبعاً من أن الشباب الرقيع لم يعد يميز هذه الأيام، ولم تعد مسألة الشكل ضمن أولوياته بحال.
الدكتورة (وفاء) لم أكن أعرف عنها أي تفاصيل قبل أن تجلس إلى جواري طالبة كتابة سيرتها الذاتية. وقتها أدركت حقيقة كم السنين الذي تحمله على كتفيها، وكم الشهادات التي يزدحم بها ملف بلاستيكي لا يفارق يديها، ولن أندهش لو كانت تضعه تحت وسادتها ساعة أن تنام.
كانت لحظة الحقيقة، ولحظة الرعب التي تنتهي عندها حدود أحلامك ومدى طموحك. الدكتورة (وفاء) أنهت شهادتي ماجستير وشهادة دكتوراة، ولا زالت تكتب سيرتها الذاتية، وتبحث على صفحات الإنترنت عن وظيفة لا تأتي.
أتأمل انعكاس وجهي على الشاشة. ذقني نصف النامية، وقميصي نصف المفتوح. أزدرد لعابي، وأوقن أنني فأر وقع في المصيدة. أقول: لا أمل.
وتقول الدكتورة (وفاء): علمونا كيف نحول الحياة معادلات. لكن أحداً لم يعلمني كيف أنفخ الروح في معادلتي لأصيغها حياة..
أتركها وأهرع إلى سماعة الهاتف حيث صديقتي التي أحبها، لكنني لن أتزوجها لو كنت تفهمني:
- قلتيلي هتعملي ماجستير؟!!!
- آه قلت.
- بلاش عشان خاطري. بلاش بيوكيميا.
- أنا فسيولوجي! - ما هو كله ماجستير.. - مالك؟!
- مش عايزك تبقي.... - أبقى إيه ؟!!
سكت.
لم أعرف كيف أجيبها، تشتتني تفاصيل خوفي ومبررات اعتراضي. يخفت صوتي وأستسلم لأسباب ضعفي ودوافع تخاذلي: مش عايزك تبقي دكتورة.
الدكتورة (وفاء) في زيارتها الأخيرة كانت تبدو مختلفة نوعاً.
لم تكن حافظة أوراقها معها. ولم تطلب طاولتها البعيدة المنزوية في ركن بعيد. وكنتُ من أصحاب نصف المخ الأيمن، الذين لا يدركون أن كلمة (أحمر) ليس بالضرورة أن تكتب حروفها حمراء.
لذلك استغرقت وقتاً أطول لأعرف أنها لا ترتدي نظارتها، وأن وجهها تغير من الأبيض والأسود، إلى أسود في العينين، وبضعة ألوان للمساحات الأخرى. أدركت هذا متأخراً، حين توقفت خطواتها عند عتبة الباب، بينما تشير سبابتها إلى (الصندرة): افتح لي جهاز بكاميرا ومايك فوق لو سمحت.
أحمد عبد المولى
التعليق:
قصة جميلة مكتملة الأركان ولغتها سليمة تماماً وهو أمر نادر. فرغم سياحتها في عالم الإنترنت لترينا الوجوه المختلفة من حياتنا، نجح الكاتب في الإمساك بالخيط المركزي للشخصية وأزمتها التي يبدو أنها انتهت بحل وهمي أو افتراضي.
د. سيد البحراوي
أستاذ الأدب العربي الحديث بكلية الآداب، جامعة القاهرة









