
أنا لا أحب مهنتي..
كلما مررت بموقف مشابه، دارت ذات الفكرة في ذهني. أنا لا أحب مهنتي.. قليل من الناس ممن عرفت يحب مهنته، ما لم يشعر بأنها رسالة مقدّسة كما يفعل المدرّس أو الطبيب أحيانًا، أو يجدها مجزية جدًا كما يفعل رجل الأعمال، أو هي فعلاً مهنة ممتعة، مثل ذلك الأخ راي هاري هاوزن الذي كان يصمم الوحوش في أفلام الرعب.. تخيل أنه يصحو من النوم صباحًا ويذهب لعمله ليصمم الوحوش حتى يحين موعد الانصراف!
أنا لا أحب مهنتي، لكني لا أعرف سواها. عندما يستدعونك لموقع الجريمة في الثالثة صباحًا، فإنك تلهث من البرد والتوتر وأنت تتوقع تقريبًا ما ستراه.. بعد كل هذه الأعوام ما زلت لا أتحمل منظر الجثث الممزقة وأمقت رائحة الدم..
اسمي عوني.. في الخامسة والثلاثين من العمر.. لا شك أنك عرفت مهنتي الآن.. أنا ضابط شرطة، وقد رأيت الكثير طبعًا، لكن هذا لا يعني تصريحًا بالبرود أو اللامبالاة..
هناك حوادث تزلزل وجدانك فعلاً، وتتحدى ثباتك المهني.. مثلاً عندما تجد الطريقة التي شوّه بها هذا السفاح ضحيته، والأسلوب السادي المريض الذي ترك به توقيعه، عندها لا بد أن ترتجف.. على أني كوّنت نظريتي الخاصة بعد أعوام: كل واحد يمكن أن يفعل أي شيء إذا اصابته حالة جنون وقتية، أو زال عنه قناع التحضر..
أما عن الطقس الرديء فموضوع آخر.. يصعب على المرء أن يتصور أن هذا عامل مهم في مصر، لكن بوسعي أن أخبرك بعشرات القصص التي رحنا نجري فيها التحقيقات في ظروف مستحيلة...
مثلاً قصة اليوم حدثت في عزبة خارج المدينة.. نحن قريبون من الإسكندرية جدًا لكن لن أعطي تفاصيل...
الآن يمكنك أن تتخيل ما يحدث.. أمطار غزيرة جدًا ..
في ليلة كهذه تتمنى فعلاً لو ظللت في فراشك، لكن جرس الهاتف يدق بإلحاح.. سوف تأتي السيارة لتأخذك حالاً.. هناك جريمة قتل..
أرتدي ثيابي، ومن تحتها بول أوفر ثقيل.. زوجتي تصر على أن أحترس من البرد، ولا أعرف كيف أحترس من البرد بينما كل ذرة في الكون باردة... "احترس من الطريق!".. كيف أحترس من الطريق وقد تحوّل لبحيرة، دعك من أن بسيوني هو الذي يقود وهو على درجة من العته!
في الطريق وسط حمّى الوحل والبرق الذي يشق السماء والمساحات، أعرف من بسيوني التفاصيل:
- "اتصلوا بنا وقالوا إن هناك رجلاً لا يعرفونه اقتحم العزبة، وقتل أحدهم بسلاح ناري.. ثم فرّ"
أقول له وأنا أرتجف من البرد:
- "ليست تفاصيل مفيدة جدًا.."
- "سوف نعرف كل شيء.."
رباه!.. أنا لا أحب مهنتي.. كلما تذكّرت أنني كنت في الفراش منذ نصف ساعة دافئًا أحلم...
أنا من ضباط الشرطة الذين يقفون في الركن.. في الزاوية الضيقة.. لم أشتم ولم أصفع متهمًا في حياتي، ولم أدسّ قطعة بانجو في جيب أحدهم، ولم أستغلّ سلطتي قط حتى في الحصول على رغيف خبز. وفي الوقت نفسه أنا بالنسبة للمواطن العادي ضابط مغرور سادي يستغلّ سلطته بالتأكيد.. لا أستطيع لعب دور الوغد، لكنهم يصرون على أنني كذلك...
باختصار أنا أنال النصيب الأسوأ من الجانبين..
السيارة تشق طريقها نحو تلك العزبة، وهناك عند ناصية الطريق يجلس ثلاثة من الخفراء يصطلون بالنار، وقد تدثّر كل منهم كرجل من الإسكيمو.. هناك خيمة من المشمّع لتحميهم من المطر الغزير، ويقف أحدهم ليصوب علينا نور الكشاف القوي، ويهتف:
- "لا يمكن الوصول إلى هناك يا باشا.. سوف يفيض المصرف.. بعد ساعة سيتحول هذا كله إلى نهر عميق ولن تعرفوا أين الطريق."
قلت له في عصبية:
- "صوّبْ هذا الكشاف على شيء آخر أولاً.. لا يوجد حل آخر.. لا بد أن يذهب أحد هناك.. لن ننتظر حتى يأتي الربيع!"
راح يصف لبسيوني طريقًا مختصرًا.. ثم دعانا لكوب شاي كنا سنرحّب به طبعًا لو كانت الظروف تسمح..
ننطلق من جديد نحو تلك العزبة، بينما خزانات السماء تفرغ ما فيها فوق رءوسنا..
يقول بسيوني في توتر:
- "هذه رحلة خطرة جدًا... ربما كان من الأفضل أن نعود.."
- "لقد تمادينا بما يكفي.."
لسان برق يشقّ السماء من جديد... أتفحص الهاتف المحمول فأدرك أن الشبكة قد غرقت في الماء وماتت...
فجأة هتف بسيوني:
- "إننا قد دخلنا العزبة فعلاً.."
هذا صحيح!
صحيح أن العاصفة توشك على اقتلاع كل شيء، والأمطار تجعل الرؤية مستحيلة، لكن لا أعرف مكانًا آخر يمكن أن يكون مزروعًا بهذه الطريقة.. دعك من صوت خوار البهائم المذعورة في جرن ما، ونباح كلاب تعتقد أنها نهاية العالم، وذلك البيت المبني من القرميد...
هذه عزبة فعلاً..
ترجّلنا محاولين أن نتماسك فلا نسقط في الوحل، وأضأنا الكشافات بينما تحسّست مسدسي.. تبًا.. لقد ارتفع الماء لدرجة لا تصدّق حتى إنني فتحت باب السيارة فتسرّب للداخل..
اتجه بسيوني نحو الباب الخشبي العملاق ودق بيده الغليظة عدة مرات:
- "افتح!.. بوليس!"
لحظات وانفتح الباب بشكل شحيح، وظهر وجه رجل مسنّ ريفي يرتجف:
- "بسم الله الرحمن الرحيم"
الإضاءة ساطعة هنا لحسن الحظ...
ومن خلفه ظهر وجه رجل ريفي وسيم متأنّق.. أعتقد أنه في الخمسين من العمر.. يلبس الجلباب الأبيض الفاخر المميز لأثرياء الريف. هذا سيد بلا شك.. سألته:
- "عزبة الليثي؟"
- "أنا محمود الليثي.. تفضلوا.."
عندما دخلنا إلى المدخل الأنيق المريح تنهّدنا الصعداء، وشعرت بحرج من أحذيتنا المتّسخة بالوحل، لكن نزع الأحذية ليس جميلاً من الناحية البوليسية..
- "خيرًا إن شاء الله؟"
قلت له في حيرة:
- "أعتقد أن هذه العبارة جديرة بنا.. أنتم اتصلتم وتكلمتم عن جريمة قتل."
نظر لي في دهشة.. ثم نظر للعجوز..
- "أعوذ بالله يا باشا.. لم يحدث شيء من هذا.."
بلاغ كاذب إذن؟ سيكون هذا أسخف مقلب شربته في حياتي.
لكن في الوقت ذاته كنت أنظر إلى الأرض.. إلى طرف الجلباب الأبيض.. هذه قطرات دم طازج. دم لم يتغير لونه بعد، ولا يمكنه إقناعي بأنه كان يذبح الطيور في هذه الساعة وهذا الجو..
البلاغ غير كاذب..
ويبدو أننا وجدنا القاتل بسرعة كذلك!
يُتبع
لقراءة الأعداد السابقة من "أكشن" اضغط هنا
الله إيه ؟!!!!!!! هو لسه حاجة
الله إيه ؟!!!!!!!
هو لسه حاجة حصلت؟
مش تصبروا للاخر؟
على الله ماتطلع زى الاحباط اللى كان على هيئة قصة اللى قبلها
السلام عليكم طبعا كالعادة
السلام عليكم
طبعا كالعادة بدايه مشوقة ورائعه يادكتور في انتظار البقيه
امطار وليل ..ياسلام .. هي دي
امطار وليل ..ياسلام .. هي دي القصص والا بلاش
القصة لسه بدري للحكم عليها .. بس شكلهم كده هيتحبسوا في القرية بسبب فيضان المصرف ده .. وحتى الآن فيه 7 شخصياتت في القصة اذا ما تجاهلنا زوجة عوني والقتيل اللي هنشوف يطلع ايه
عوني وبسيوني + 3 خفراء + المسن الريفي وسيده الليثي (واللي مش غريب عن العزبة لكن القاتل غريب عنها )
منتظرين الباقي
عطر فمك بذكر الله لا اله الا
عطر فمك بذكر الله لا اله الا الله محمد رسول الله
القصص الرائعة تعطيك انطباعا
القصص الرائعة تعطيك انطباعا دائما بالمتعة والاكثر جودة انك تشعر انه مع كل جديد هناك متعة اكثر.بكل صراحة من الحاجات الي علمتها لي تلك القصص انه يمكن دائما ان تحقق افكارا يعتقد البعض انه لايمكن تحقيقها
رائع يا د.احمد.. وصف رائع
رائع يا د.احمد.. وصف رائع للجو، كان من السهل أن أتعايش معه، في ظل البرودة التي نعيشها هذه الأيام.. في انتظار الفصل القادم بشوق.. بالطبع لم أتوقع أي شيء؛ لأنه يمكن أن يكون أي شيء.. شكراً د.احمد.
انا دائما وابدا باستمتع
انا دائما وابدا باستمتع باعمال الدكتوراحمد وكمان باستمتع ايضا بنفس القدر بقرائة ردود القراء الاعزاء ولا تستغربو ارجوكم
بصرف النظر عن الأختلاف الجذري
بصرف النظر عن الأختلاف الجذري للأحداث بس مود القصة بيفكرني بأجواء فيلم
مدينة الخطايا sin cityy
وفيلم المراقبون watchman
موسيقي الجاز او البلوز اعتقد مع صوت الرواي وهو بيتحرك في الكادر
أعجبت جدًا بهذا الفصل رغم
أعجبت جدًا بهذا الفصل رغم قصره الشديد، لكن لما فيه من وصف ممتع للمطر يذكرني بما عاصرناه في الإسكندرية منذ أسابيع..
لابد أن يكون الضابط اسمه عوني ومساعده اسمه بسيوني.. ولو أن هناك مخبر سيظهر فلابد أن اسمه بسطويسي.. هذه قواعد عوالم د. أحمد طبعًا..
مع فصل كهذا يصعب تخمين أي شيء.. ربما الليثي يأكل البشر.. أو مصاص دماء.. أو مذءوب.. أو نداهة أو أنه لا شيء من هذا ولديه ولع بذبح الجواميس ليلا والرقص برؤوسها على ضوء القمر.. هذه الأشياء تحدث..
لكنني أعجبت بشخصية عوني جدًا.. وشعرت بالبلل في قدميّ حين غادر السيارة..
نسيت أن أقول شيئًا هامًا.. هذه قصة تنتمي لدراما المكان الواحد كما يبدو حتى الآن.. وكم أنا عاشق لهذا النوع
الحمد لله ان فيه قصة جديدة
الحمد لله ان فيه قصة جديدة بسرعة ، عشان القصة اللى قبلها مش كفاية ابدا ان حضرتك تنهيها وتغيب علينا
بداية مشوقة كالعادة
بداية مشجعة لقصة رائعة يا
بداية مشجعة لقصة رائعة يا دكتور احمد
اكيد لازم يكون فيه اشتغالة فى اخر فصل ونكتشف ان الجانى هو رئيس الخدم الانجليزى
انت فين يا دكتور عن جريدة
انت فين يا دكتور عن جريدة الدستور الاصلى؟؟ وليه اتخليت عنها وبطلت تكتب فيها؟؟
معركة الدستور كانت فاصل بين الحق والحرية والخير والجمال وبين الراسمالية المتوحشه وكلاب السلطة
انا لم أقرأ الجزء لحين انتهاء
انا لم أقرأ الجزء لحين انتهاء القصة، ولكن أحب أن أقول لد.أحمد بعد قراءة قصة لست وحدك، أرجوك لا تتضايق من التعليقات المستفزة، وأحب أن أقول للقراء الأفاضل هناك فرق كبير جدا بين ألا تعجبك القصة وتعلن ذلك بطريقة مهذبة وبين الاستفزاز وجر الشكل كالأطفال
روعةاكيد باينة من اولها
روعةاكيد
باينة من اولها
ااااااااايوووووووووووةةةةةةةة
ااااااااايوووووووووووةةةةةةةةة
هى دى القصص اللى بحبها
احسن بكتير من مروان اللى طلع عفريت ف الاخر
هاكذا تكون الضباط .. تحية
هاكذا تكون الضباط .. تحية لضابطك عوني يا دكتور احمد
الذي يتلقي السوء من الجانبين في صبر ..
واتمني ان يكون كل الضباط مثله .. امنية مستحيلة التحقق بالطبع في عصرنا الأن لكنها تظل امنية ..
بأنتظار باقي القصة
وان كنت اتمني ان اقراء جزء ثاني لقصة مروان انطلاقا من تساؤل مراد الاخير ..
اكتر حاجه بحبها فى قصص حضرتك
اكتر حاجه بحبها فى قصص حضرتك وصفك الجميل للمطر والطقس السىء بحس بإحساس جميل اوى وانت بتوصف المطر المنهمر"....خزانات السماء تفرغ ما فيها فوق رءوسنا..) احلى تعبير سمعته عن شده المطر.. واضح انها قصه ممتعه كالعاده.
السلام عليكم دكتور أحمد. كيف
السلام عليكم دكتور أحمد. كيف حالكم. زادكم الله تعالى أدبا وعلما وفضلا. أتابعكم من كثب ودائما أتعلم الكثير منكم فأنت من أنبغ من قرأت لهم في حياتي. إلى الأمام أخي الحبيب. على فكرة أنا أرسلت لك على بريدك الإلكتروني ولم ترد لعلك لم تر الرسالة، وشاهدتك على قناة الجزيرة وقرأت لك في مجلة العربي وكلاهما كان عن أدب الرعب والخيال العلمي والحقيقة فشل البرنامج في الجزيرة في إلقاء الضوء على الجوانب الحقيقية لنبوغك فركز فقط على أدب الرعب ولم يبرز رؤيتك وفلسفتك في الحياة لأنك في المقام الأول مفكر كبير قبل أن تكون أديبا موهوبا.
أنا من ضباط الشرطة الذين
أنا من ضباط الشرطة الذين يقفون في الركن.. في الزاوية الضيقة.. لم أشتم ولم أصفع متهمًا في حياتي، ولم أدسّ قطعة بانجو في جيب أحدهم، ولم أستغلّ سلطتي قط حتى في الحصول على رغيف خبز. وفي الوقت نفسه أنا بالنسبة للمواطن العادي ضابط مغرور سادي يستغلّ سلطته بالتأكيد.. لا أستطيع لعب دور الوغد، لكنهم يصرون على أنني كذلك...
عبارة فى الصميم
ياريت متطولولش فيها زي المرة
ياريت متطولولش فيها زي المرة اللي فاتت
عشان اعصابي بتتعب >.>
بجد بجد اسلوب سرد رااااااائع
بجد بجد اسلوب سرد رااااااائع وبدايه مشوقه جدا
كنت خايف يا دكتور انك تكتفي
كنت خايف يا دكتور انك تكتفي بالقصة اللي فاتت و تغيب علينا تاني
أنا عايز أشتكيلك من سوء توزيع أعمالك و ياريت لو تقولنا على موقع نقدر نشتري منه الكتب و القصص أونلاين بما فيها ما وراء الطبيعة.
الحاجة الوحيدة اللي بتهون عليا يومي في الشغل اني أخطف كدة حاجة من كتاباتك من غير ما مديري يشوفني :))
بداية مشوّقة كالعادة يا
بداية مشوّقة كالعادة يا د.أحمد ...
منتظرين باقى الحلقات ...
D:
البداية مفتوحة على عشرات
البداية مفتوحة على عشرات الاحتمالات ننتظر الحلقات القادمة وأرجوأن لاتتأخر










