الثورة.. الغضب

Apr 7 2011
آخر تحديث 14:43:45
حينما تزايد بخار الغضب داخل الناس لم يجدوا متنفساً فحدث الانفجار
حينما تزايد بخار الغضب داخل الناس لم يجدوا متنفساً فحدث الانفجار

امتلأت ملامح صفوت بالغضب على نحو يصعب إخفاؤه وهو يجلس أمام نشأت في ذلك المساء، فالتقي حاجبا هذا الأخير وهو يقول:
- ضابط أمن الدولة الناجح لا يكشف انفعالاته على سطح وجهه هكذا.

قال صفوت عاجزاً عن كتمان مشاعره:
-  أي نجاح هذا يا باشا؟! لقد بذلت جهداً خرافيّاً طيلة العام الماضي، وانتظرت الترقية التي وعدْتَني بها، وتوقعتُ سماعها بعد خطاب سيادة الرئيس في عيد الشرطة، ثم فوجئت بأن حازم هو من حصل عليها.

قال نشأت في صرامة:
- كان المفترض أن تحصل عليها أنت.

وصمت لحظة ثم مال نحوه مضيفاً:
- ولكن كانت هناك شكاوى عديدة ضدك، بعضها عجزتُ عن تفسيره.

قال صفوت غاضباً:
- المفترض ألا يمنع هذا الترقية.

اعتدل نشأت وهو يقول في صرامة:
- ولكنه فعلها.

انقلبت سحنة صفوت مع انعقاد حاجبيه ومطّ شفتيه؛ فقال رئيسه في صرامة أكثر:
- لسنا في روضة أطفال حتى تتصرَّف على هذا النحو.

قال في عصبية:
- سأتقدَّم باستقالتي.

أجابه نشأت وسط زمجرة غاضبة:
- كفى عبثاً طفولياً، وعُدْ إلى مكتبك!

هتف صفوت مستنكراً:
- ولكن..

قاطعه نشأت بزمجرة أكثر قسوة:
- هذا أمر.

رفع صفوت إليه عينين غاضبتين؛ ولكنه قال في انكسار:
- أمرك يا باشا.

في نفس اللحظة التي غادر فيها الحجرة، كان خالد يقول للمجموعة وهم يقفون عند كورنيش النيل على مقربة من مبنى التليفزيون:
- غداً موعدنا.. الرئيس ألقى خطابه اليوم مشيداً بالشرطة التي عذّبتنا وأهانتنا وأهدرت كرامتنا، ولكننا سنخرج غداً لنخبر العالم كله -بأسلوب سلميٍّ تماماً- أننا نرفض ذلك الأسلوب الذي تتعامل به الشرطة معنا.

التقط علاء نَفَساً عميقاً وقال:
- كم انتظرتُ هذا اليوم في شوق!

تساءلت علياء:
- هل تتصوَّرون أن الشرطة ستسمح باستمرار التظاهرة.

غمغم سامي:
- أظن هذا.. ما دامت سلمية.

قال فتحي في قلق:
- وماذا لو اندسّ فيها بعض المخرّبين؟!

بقي سؤاله بلا جواب وهم يتبادلون نظرة متوترة، قبل أن يقول أحمد:
- سمعتُ أن الشرطة تستعين ببعض البلطجية؛ لكي يهاجموا المواطنين أو يشتبكوا معهم، دون أن يوجد دليل واحد على تبعيّتهم لها.

أجابه تامر في حزم:
- هذا صحيح.. لقد فعلوها في تظاهرات سابقة وفي انتخاباتهم الأخيرة المستفزة.

بدت نهى جادة للغاية وهي تقول:
- هل تعرفون أن لديّ نظرية خاصة في هذا الشأن؟!

سألها خالد:
- وما مضمونها؟!

أجابته في حماس:
- إنها أشبه بنظرية حلة البخار.

ضحك علاء وهو يقول:
- نظرية أنثوية إذن!

قالت في جدية:
- بل نظرية فيزيائية يمكنها أن تنطبق تماماً على الأحوال السياسية في الآونة الأخيرة.

غمغمت علياء في اهتمام، وهي تحتضن كف خالد:
- دعينا نسمعها.

أشارت نهي بسبَّابتها في جدية شديدة وهي تقول:
- حلة البخار هي حلة مغلقة بإحكام، توضع على الموقد، فتتجمع داخلها أبخرة حارة تساعد على سرعة الطهو، وفي أعلاها توجد فتحة رفيعة مهمتها أن تفلت قدراً من البخار الزائد كلما ارتفع ضغطه داخل الحلة تجنّباً لانفجارها.. ولقد كانت صحف المعارضة والقنوات الفضائية غير الحكومية أشبه بتلك الفتحة التأمينية؛ حيث يتزايد بخار الغضب في النفوس بسبب كل ما يحدث من تجاوزات وطغيان وفساد، ثم تأتي صحف المعارضة والقنوات غير الحكومية لتنفث شيئاً من هذا البخار عبر كشفها لبعض بؤر الفساد.

قال فتحي وقد استوعب الأمر:
- ثم جاء النظام وأغلق تلك الفتحة.

أكمل تامر:
- أغلق صحف المعارضة، وأرسل إنذارات للقنوات الفضائية غير الحكومية، وتهديداً ووعيداً وإرهاباً لكل من يحاول التعبير عن رأيه في وضوح.

غمغم أحمد:
- باختصار أغلق الفتحة التأمينية.

هتفت نهى في حماس:
- وهكذا نتّجه إلى النتيجة الحتمية.

هتفت علياء وهي تباعد ذراعيها في انفعال:
- الانفجار.

غمغم خالد في حزم:
- والثورة.

" هذا يقلقني يا خالد .."..
نطقت بها أم خالد في توتر واضح؛ فابتسم محاولاً تهدئتها وهو يربت على كتفها قائلاً في حنان:
إنها العاشرة والنصف فحسب، والشوارع ليست خالية كما تتصوَّرين.

ترقرقت عيناها بالدموع وهي تقول في مرارة:
- ولكنني أقضي الوقت في انتظارك والقلق يكاد يلتهم أعصابي بعد تلك التجربة البغيضة السابقة.

ربت عليها مرة أخرى قائلاً في حنان أكثر:
- عندما جاءوا أتوا مع الفجر وليس في المساء؛ لأنهم مثل الخفافيش لا يرتاحون للعمل في الضوء، ويخشون أن يراهم الناس؛ ففي أعماقهم يدرك كل منهم أنه يقوم بعمل غير مشروع، ويتجاوز كل مواثيق الحقوق والحريات، ولا يمكن فعله على نحو واضح ومباشر.

غمغمت مرتجفة:
- هذا يزيدني خوفاً.

شد قامته وقال في حسم:
- اتركي الأمور لله سبحانه وتعالى، وآمني بقدره مُسبقاً يطمئن قلبك بالإيمان.

غمغمت ودموعها تسيل على وجنتيها:
- ونِعْمَ بالله!

ربت عليها مرة ثالثة ومنحها أكثر ابتسامات الأرض حناناً؛ فمسحت دموعها وحاولت أن تبتسم وهي تقول:
- لا تنسَ أنك ولدي الوحيد، والأمل المتبقي في عمري.

قبّل جبينها مغمغماً:
- منحك اللهُ -عـزًّ وجـلَّ- طولَ البقاء.

غمغمت مبتسمة في شحوب:
- مع الصحة والستر.

ضحك ضحكة قصيرة متمتماً:
- يا رب.

ربت عليها مرة أخيرة، ثم اتجه إلى حجرته، وجلس أمام شاشة الكمبيوتر، وانتقل إلى موقع فيس بوك عبر شبكة الإنترنت، وراح يعمل..
الجميع كانوا هناك..
 علياء وسامي و فتحي وعلاء ونهى وتامر وأحمد..

الجميع تشاركوا الصفحة نفسها..
والفكر نفسه..
وجميعهم اتفقوا على الانطلاق غداً (الخامس والعشرين من يناير عام ألفين وأحد عشر) في تظاهرة سلمية تستهدف مطالب ثلاثة..
حرية.. ديمقراطية.. عدالة اجتماعية..
مطالب عادلة شعبية سلمية، طالت لهفة الشعب إليها..

وفي أعماقه وُلد حماس قوي..
حماس للفكرة..
وحماس للأمل..

ومرة أخرى التقط نسخة الدستور، وراح يقرؤها وهو يصرخ في أعمق أعماقِه دون أدنى صوت:
- غداً موعد الحرية.. غداً تصبح حقيقة!

وفي ارتياح غامر ضم إليه نسخة الدستور..
والأمل.

 

مشاركات القراء

رائع يا دكتور نبيل.

رائع يا دكتور نبيل.

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.