أفلام الحافظة الزرقاء.. المحادثة

May 5 2011
آخر تحديث 17:19:48
"المحادثة" فيلم جميل.. يمكنك أن تشاهده كقصة بوليسية ممتعة
"المحادثة" فيلم جميل.. يمكنك أن تشاهده كقصة بوليسية ممتعة

لست ناقدًا سينمائيًا؛ لكني أعرف جيدًا تلك الأفلام التي هزّتني أو أبكتني أو أضحكتني أو جعلتني أفكّر طويلاً... أعرفها وأحتفظ بها جميعًا في الحافظة الزرقاء العتيقة التي تمزّقت أطرافها، وسوف أدعوك لتشاهدها معي لكنها أثمن من أن أقرضها! معظم هذه الأفلام قديم مجهول أو لا يُعرض الآن، لكنها تجارب ساحرة يكره المرء ألا يعرفها من يحب.

عندما قدّم فرانسيس فورد كوبولا -المخرج الأمريكي الكبير ذو الأصل الإيطالي- فيلم "المحادثة"، لم تكن هذه فرصة منحتها شركات الإنتاج في لحظة كرم حاتمي لشاب جاء من فراغ. الحقيقة أن كوبولا كان قد قد قدّم فيلمًا أسطوريًا اسمه "الأب الروحي"، وقد شجّع هذا الشركات على أن تسمح له بأي ميزانية يطلبها، خاصة أنها كانت قبل "الأب الروحي" متشككة وقلقة، والأدهى عندما منح دورًا كبيرًا في الفيلم لشاب لم يسمع عنه أحد، اسمه آل باتشينو. لكن هذا ليس موضوعنا على كل حال.

"المحادثة" (1974) فيلم جميل.. يمكنك أن تشاهده كقصة بوليسية ممتعة، أو تشاهده كفتح سياسي خطير، أو تشاهده كدراسة نفسية معقدة عن الشكّ في الآخرين.. هو إذن من تلك الأفلام التي تحوي شيئًا يروق لكل واحد.

كَتَب السيناريو كوبولا بنفسه عام 1966، وإن لم يستطِع الحصول على مَن ينتجه إلا بعد 8 أعوام، وبعد نجاح "الأب الروحي" كما قلنا. وقام ببطولة الفيلم جين هاكمان؛ وجين هاكمان "ممثل شخصية" خطير يمكنه أن يقنعك بأي دور يقوم به، ويقول دومًا إنه سعيد أنه ليس وسيمًا وإلا لاضطرّ لتمثيل أدوار النجوم فقط.. بملامحه هذه يمكنه أن يكون أي واحد.

 

الفيلم يرينا كيف أن وسائل التكنولوجيا الحديثة قد جعلت التلصص على الآخرين أسهل.. وفي الوقت ذاته يمكن لهذه التكنولوجيا أن تعطينا صورة خادعة تمامًا!. طبعًا يتكلّم الفيلم عن وسائل الاتصال عام 1974.. يمكن أن نتخيّل كم ازدادت المشكلة تعقيدًا مع تكنولوجيا اليوم.

إن الفيلم يبدأ بداية شهيرة جدًا؛ حيث نتابع المتنزّهِين في متنزه عام في سان فرانسسكو في لقطة واحدة طويلة جدًا.. تركّز الكاميرا بالذات على رجل وامرأة يتبادلان حديثًا عابرًا.. لا نسمعه بوضوح في البداية.. لكن هذه المحادثة ستكون محور الفيلم بعد ذلك، ولسوف نسمعها عشرات المرات بشكل أوضح.. هذا هو المشهد الوحيد الباقي من عمل المصور هاسكل وكسلر قبل أن يختلف مع المخرج فنيًا ويترك الفيلم، وبعده جاء باتلر الذي عمل مع كوبولا في معظم أفلامه بعد ذلك.

 

شاهد المشهد الافتتاحي هنا


إضغط لمشاهدة الفيديو: 
See video

هكذا نتعرّف على جين هاكمان -خبير التنصت الذي يعرف الجميع براعته، ويستأجره الكثيرون لتسجيل محادثات معينة- وبما أنه يعرف قدرات أجهزته فإنه يعيش في حالة بارانويا دائمة.. شقته خالية من الأثاث تمامًا ليسهل عليه اكتشاف أي جهاز مدسوس، ولا يستعمل إلا أجهزة الهاتف العمومي فقط؛ فلا يحتفظ بهاتف في شقته. وهو مولع بالعزف على الساكس في شقته على أسطوانات الجاز التي يملكها.

 

شاهد عملية تنقية الصوت في هذا الفيديو الساخر


إنه متجرد تمامًا، أو هكذا يحاول أن يكون.. يتصرّف كعاملة الآلة الكاتبة التي تنسخ دون أن تستوعب حرفًا مما تنسخه؛ لهذا لا يهتم أبدًا بمحتوى ما يقوم بتسجيله.. فلا تشغله إلا دقة الصوت وأن يكون "نقيًا كالكريستال".

كلّفه أحد العملاء بتسجيل محادثة الرجل والمرأة في المُتَنَزَّه، وهي مهمة يقوم بها بنجاح تام، وبطريقة معقدة فعلاً.. ألم يعلّمونا أن خير طريقة لتجنّب تسجيل المحادثة هي أن تدور وتدور ولا تقف في مكان واحد؟ نكتشف أن هذه خرافة.. لقد سجّل المحادثة بدقة مذهلة، لكنه لا يفهم شيئًا مما يتكلّمان عنه.. فقط يقوم بتنقية الحوار أفضل فيلتقط عبارات مريبة:
- "سوف يقتلنا لو نال الفرصة لذلك".
من هو؟ ولماذا يقتلهما؟

يُحاول أن يتجنّب تسليم الشريط للزبون.. من الواضح أن هناك مذبحة ستتم لو تم تسليم الشريط له، فكل شيء يوحي بأن الزبون زوج يريد التجسس على زوجته. يشعر هاكمان أن حياته تتحوّل إلى جحيم؛ بسبب الملاحقة والتنصت عليه.. هناك مَن يتابعه باهتمام، وفي النهاية يسرق أحدهم الشريط منه.

إن هذا البحث المضطرب وحالة عدم الفهم هذه، يُذكراننا بفيلم آخر هو "تكبير" لمايكل أنجلو أنطونيوني.. ولا ينكر كوبولا أنه تأثّر بالفيلم الأخير، الذي كان يتعلّق بمصوّر محترف يلتقط صورة مريبة.

ينتظر حدوث مأساة.. في الحقيقة تحدث مأساة فعلاً، لكن المعطيات كانت خاطئة تمامًا، وما توقّعه هو العكس..

 

الرجل والمرأة كانا يتآمران على قتل الزوج وليس العكس كما اعتقد


يجن جنون هاكمان، ويبحث في شقته عن جهاز تنصت في أي ركن.. يمزق كل شيء ويُدمّر كل شيء، وينزع لوحات الأرضية في هذا البحث المجنون، ويأتي مشهد النهاية لنجده جالسًا منهكًا على الأرض، يستعمل الأداة الوحيدة السليمة الباقية في شقته.. الساكس.. الجهاز الوحيد الذي يثق به..

 

هذا مشهد لا ينسى


عندما عرف العالم تفاصيل فضيحة ووترجيت التي كان الرئيس الأمريكي نيكسون يستعمل فيها أجهزة التنصت على خصومه السياسيين؛ فوجئ مخرج الفيلم كوبولا عندما عرف أن نيكسون استعمل أساليب التنصت نفسها المستعملة في الفيلم. وبرغم هذا فإن الفيلم تمّ الانتهاء منه قبل أن تنشر الصحف الفضيحة، لكن الفيلم عُرض بعد استقالة نيكسون فعلاً، وهو ما دعا الجمهور لأن يعتقد أن الفيلم يعبّر عن فضيحة ووترجيت.

نال الفيلم استحسان النقاد، وضمّته مكتبة الكونجرس إليها لأهميته، فلم يستطِع فيلم سابق الدخول إلى عالم التنصت المرعب بهذه الدقة.. وقد فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان لعام 1974. ورُشّح لثلاث جوائز أوسكار وإن لم ينل أيًّا منها.. الفارق بين الترشيح والفوز طفيف جدًا على كل حال.

بعد أعوام طويلة (22 عامًا) قدّم جين هاكمان ما يُعتبر الجزء الثاني من هذا الفيلم، واسمه "عدُوّ الولاية". يمارس عمله في المختبر الصوتي نفسه ويلبس الثياب نفسها تقريبًا.. وفيه مشهد افتتاحي ضخم يُذكّرنا بالمشهد الافتتاحي في "المحادثة".

كان هذا فيلمًا رائعًا آخر من أفلام الحافظة الزرقاء.


مشاركات القراء

الفيلم جميل بالطبع .لكن برجاء

الفيلم جميل بالطبع .لكن برجاء الافادة عن المواقع التى يمكن منها تحميل روائع الحافظة الزرقاء رجااااااااااااااااء الافادة عن ذلك

شكرا علي الفيلم , (state

شكرا علي الفيلم ,
(state enemy)ده كان معاه ويل سميث متهيألي ,علي فكرة انا شفت (لورنس العرب) يوم الخميس اللي فات .

المفاجأة الكبرى أن يكون هذا

المفاجأة الكبرى أن يكون هذا الفيلم هو الجزء الأول من فيلم
Enemy of the state

هذا سوف يحمسني بالفعل لرؤية هذا الجزء.. رغم أن قصة الفيلم نفسها تحفز على ذلك بدون أي سبب آخر.. شكرًا يادكتور أحمد :)))

اعجبني جدا رغم اني لم اراه ،

اعجبني جدا رغم اني لم اراه ، اشكرك علي الاسلوب الراقي في عرض احداث الفيلم وماوراء الستار من احداث وشخصيات

يا راجل عدو الشعب الجزء

يا راجل عدو الشعب الجزء التاني....و لا كنت أعرف يا دكتور بس انتا كدة حفزتني عشان أجيب الفيلم و اتفرج عليه...
دكتور أحمد...معلش...انا في حاجة مخوفاني من ساعة ما حضرتك عييت آخر عيا...بقي عندي قلق و خوف عليك طول الوقت لدرجة اني كل ما أقرالك مقال أقعد أعيط جنبو.....
انا حاسة انك حلم جميل....و يا خوفي ف يوم أفوق منه علي كابوس..ياخوفي

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.