"صرخة نملة".. إحنا النمل.. فين السكر؟!

Jun 8 2011
آخر تحديث 13:01:57
الفيلم محمل بأشهر أكليشيهات السينما المصرية وقوالبها الجاهزة
الفيلم محمل بأشهر أكليشيهات السينما المصرية وقوالبها الجاهزة

مواطن مصري سافر إلى العراق بحثًا عن لقمة العيش، فإذا بزملائه المصريين الذين كانوا معه يعلنون خبر موته بعد غزو الأمريكان، فأيُّ مصر ستكون في انتظاره بعد أن مضت على وفاته 10 سنوات؟!.. هذا ما يجيبك عليه فيلم "صرخة نملة".

الآن يكتشف "جودة" (عمرو عبدالجليل) أن المصري الذي صار ثمنه رخيصًا خارج مصر صار بلا ثمن أصلاً في قلب وطنه! لكنه يكتشف ذلك متأخرًا، كأهل الكهف الذين ناموا فاستيقظوا على زمن غير الزمن، ووجوه غير الوجوه، ليحاول عبثًا أن يلم شمل الماضي، وشتات الأسرة، فيكتشف أنه عاجز حتى عن حل أتفه مشكلاته الشخصية، فيوقن أن أساس كل ذلك هو الحكومة المستبدة، وعدم شعور أُولِي الأمر بما يعانيه المواطن المصري!

يحاول أن يتمرد.. أن يمارس حقه الطبيعى والدستوري في الاعتراض.. أن يلجأ إلى القضاء ليقاضي رئيس الجمهورية -دون أن يقصد لعب دور البطولة بقدر ما يبحث عن إنسانيته الضائعة، وآدميته المسلوبة- وعندها فقط يصل إليه الجواب من أعلى المستويات..
- "عشان النملة تعيش في سلام وأمان من غير ما جزمة تفعصها لازم تعمل إيه؟".
- "تمشي جنب الحيط يا باشا".
- "غلط.. كده برضه ممكن الجزمة تفعصها.. عشان كده لازم النملة تحفر خرم جوه الحيط وتعيش فيه.. ساعتها بس هتقدر تاكل السكر وهي متطمنة"

من هنا ترضى النملة بمصيرها، وقد عرفت قدرها وحجمها الحقيقي، لكنها لا تجد في المقابل أي سكر! فتخرج للمظاهرات مجددًا معترفة بأنها حشرة، لكنها لا تجد الفتات الذي تسعى إليه.. "إحنا النمل.. فين السكر؟"، لكن من ذا الذي يستمع إلى "صرخة نملة"؟!

تلك هي المشكلة
مشكلة "صرخة نملة" أنه جاء متأخرًا للغاية.. جاء بعد "هي فوضى"، و"حين ميسرة"، و"دكان شحاتة"، وقد تشبعت الناس بكل هذا الإشباع الفني المغموس في تراب العشوائيات وعشش المهمشين، وأوجاع أنصاف البشر.. جاء بعد ثورة أخرج فيها الناس أضعاف ما أخرجه أبطال الفيلم من صرخات ولعنات ضد الحكومة واللصوص والنظام الحاكم؛ حيث صرخت الجماهير الحقيقية بعلو الصوت بعد أن ودّعت عالم الحشرات والنمل، واستردت آدميتها المفقودة، ومثلما لم يشعر أحد في الفيلم بصرخات النملة، فلا أحد في الواقع ينتظرها أن تصرخ باسمه، وتعبر عن أوجاعه، وتنتصر لآلامه في عمل فني، بعد أن صرخ الجمهور وانتصر بنفسه كبني آدم على أرض الوقع، وليس كنملة!

بخلاف ذلك جاء الفيلم محملاً بأشهر أكليشيهات السينما المصرية وقوالبها الجاهزة التى تفتقر إلى الفكر والإبداع والتجديد، فالرجل الذي ظنه الجميع قد مات حتمًا ستتجه زوجته إلى العمل بالرقص بعد أن ضاقت بها الظروف، ثم -كالمعتاد دائمًا- تضطرها الظروف لتقديم المزيد من التنازلات لتبيع عِرضها. والطفل الذي تركه الأب حتمًا ما يترعرع في بيئة فاسدة بلا أب ولا أم؛ ليصبح سائق توك توك ويدخن السجائر ويعاني الحرمان. ونائب مجلس الشعب هو الرجل الفاسد الذي يدّعي الصلاح والتقوى، بينما لا يمد يد العون إلى أهل دائرته، لكنه حتمًا ما يختار أحدهم (جودة- بطل الفيلم) ليقحمه معه في اللعبة، ويغريه بالمال حتى يورطه في جرائمه ومخالفاته، ويجعله كواجهة لأعماله حتى يضحي به ككبش فداء إذا شاءت الأقدار وافتضح أمره؛ ليعلن للرأي العام طهارة يده وتورط مساعده في كل أعماله الحقيرة وصفقاته القذرة.

والغريب أن الزوجة التي اختفت أو بمعنى أدق "طفشت" تذهب إلى إحدى دول الخليج لترقص وتبيع نفسها، بينما يذهب الزوج مع عضو مجلس الشعب في إحدى صفقاته  إلى الدولة نفسها، ثم -يا سبحان الله- يعثر عليها بالصدفة في ملهى ليلي، تمامًا مثل الذي ضاع منه خاتمه في الماء، ثم اشترى سمكة فوجد بها الخاتم!.. (هل الفيلم عربي أم هندي؟).

لم أصدق أن المؤلف هو طارق عبد الجليل الذي كتب "عايز حقي" و"ظاظا رئيس جمهورية"، وقد بدت مشاهد "صرخة نملة" مشتتة وغير مترابطة -خاصة في نصفه الثاني- كمن يحكى حدوتة وتاه ونسي أحداثها وهو يحكيها؛ فأخذ يجمع موقفًا من هنا وحدثًا من هناك، بخلاف الحشو الخيالى وإقحام الفانتازيا في غير موضعها، ثم ركوب موجة الثورة في نهاية الفيلم بطريقة غير ذكية ولا متقنة، وهي جريمة متورط بها المخرج العبقري سامح عبد العزيز، الذي فقد صوابه وقدراته الإخراجية في هذا الفيلم، وبدا كمن يريد أن يطهو خروفًا في كنكة ماء!

يُحسب للفيلم أن أعاد إلى الأضواء فنانين افتقدناهم حقًا بما يتمتعون به من حضور وملامح لن تنساها الذاكرة رغم مرور كل تلك السنوات، وعلى رأسهم الفنان القدير حمدي أحمد، والعبقرى محمد أبوالحسن، بينما لازالت رانيا يوسف تصر على إبراز مفاتنها وأنوثتها ورقصاتها الساخنة؛ التي تلهي المشاهد عن موهبتها التمثيلية ودموعها المؤثرة!

نهاية رائعة
المشهد الأخير حقًا هو الذي جعلني أخرج من دار العرض متوازنًا دون أن أندم على ثمن التذكرة ولا أنصح من يقفون على شباك التذاكر بعدم دخول الفيلم باعتباره "فيلم أونطة"، إذ أظهر بإيجاز فني مختصر في ثوانيَ معدودة كيف ثار الشعب على النظام وطالب باسقاطه، في حين لم يكن هناك أصلاً نظام يحكمنا، ولا رئيس يشعر بنا طوال سنوات حكمه وكأنه كان مجرد سراب. لكن "النملة" تدرك ذلك بعد أن فات الأوان.

كلمات أخيرة
عمرو عبد الجليل: من "حين ميسرة" إلى "صرخة نملة"، مرورًا بـ "دكان شحاتة" و"كلمنى شكرًا"، وأنت سجين "الكاراكتر" نفسه والشخصية ذاتها بلا أي تجديد ولا تغيير، رغم أنك ممثل "بجد" في جعبته الكثير.. أفلا تتعظ من محمد سعد؟!

رانيا يوسف: جسدك العاري وملابسك الساخنة يغطيان موهبتك الفنية.

 

شاهد إعلان فيلم "صرخة نملة"


إضغط لمشاهدة الفيديو: 
See video
مشاركات القراء


انا متاكده هن ان شكل السينما

انا متاكده هن ان شكل السينما هيتغير مع الوقت واكيدفيه صناع السينماحاليا ابتدو في التغير



شكرا لرأيك الكريم يا د.فاطمة

شكرا لرأيك الكريم يا د.فاطمة وهو رأى فاضل أسعدنى للغاية وأتمنى من الله أن أظل عند حسن ظنك سيادتك دوماً.. تحياتى.. شريف عبدالهادي



مقالك رائع وكلامك فى محلة

مقالك رائع وكلامك فى محلة تماما لانى شاهدت الفيلم وانت ناقد فنى بارع ومتخصص..تحياتى ياشريف



بجد حلوة طريقة النقد بتاعتك

بجد حلوة طريقة النقد بتاعتك ياشريف بس المشكلة ان الافلام هذه الايام حرام نضيع وقتنا ونسمعها لأنها اولا ليس لها هدف واضح الى جانب عدم ترابط مشاهد الفيلم الى جانب انتشار العرى والاغراء فى معظم المشاهد مش زى افلام زمان زى فيلم الأرض من اجمل مااخرجت السينما المصرية ومن الاحسن لينا نعمل حاجة تنفع البلد وتكون افلامنا هادفة عن كده لأنها بتعكس مجتمعنا امام كل دول العالم ولى احدى الصديقات من احدى الدول الاسيويةوهى غير مسلمة وتكلمنا عن الاسلام واحرجتنى بقولها ازاى تكونوا مسلمين وكلكم عرايا بالمنظر ده وفكرتها اخدتها للأسف من خلال وسائل الاعلام والافلام المصرية التافهة اللى عكست صورة خطأ عن مجتمعنا وأتمنى ان تكون الافلام القادمة لها هدف وبعيدة عن العرى الفاضح .وشكرا ليك ياشريف على المقال الجميل ده واتمنى ان اقرأ مقالات جديدة لك عن قريب

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.