
لست ناقدًا سينمائيًّا؛ لكني أعرف جيّدًا تلك الأفلام التي هزّتني أو أبكتني أو أضحكتني أو جعلتني أُفكّر طويلاً.. أعرفها وأحتفظ بها جميعًا في الحافظة الزرقاء العتيقة التي تمزّقت أطرافها، وسوف أدعوك لتشاهدها معي لكنها أثمن من أن أقرضها! معظم هذه الأفلام قديم مجهول أو لا يُعرض الآن، لكنها تجارب ساحرة يكره المرء ألا يعرفها من يحب.
لو كانت قيمة الأفلام تعتمد على عدد المرات التي قُدِّم فيها الفيلم برؤية أخرى، أو سُرق بدم بارد؛ فإن فيلم "الساموراي السبعة" يصير أعظم فيلم في التاريخ بلا جدال. إن عدد المعالجات التي قُدِّمت لهذه القصة المحظوظة بلغات عديدة لأمر يصعب حصره؛ في مصر عندنا "شمس الزناتي" والكل قد رآه ويعرف قصته بالتأكيد، كما أن فيلم "العظماء السبعة" الذي أخرجه جون ستيرجس لأشهر من نار على علم؛ إن ستيرجس قد أخذ مَشاهد بحذافيرها من الفيلم الياباني وقدَّمها في جو رعاة البقر.
للمخرج الياباني العبقري أكيرا كوروساوا عالمه الخاص الياباني جدًّا؛ حيث تشعر أن كل كادر نقش ياباني أنيق. وإن لم ينكر أنه تأثّر بشكسبير كثيرًا.. وقد قدّم هذا المبدع أفلامًا يعرفها الغرب جيّدًا ويعرف قيمتها؛ ومنها: "راشمون"، و"كاجيموشا"، و"ران"، و"أحلام"، و"الساموراي السبعة" إلخ... ومع كل فيلم يفتح الغرب فمه في ذهول، ويقتبس شيئًا من عالم هذا العبقري.. لو لم يوجد كيروساوا لما وُجِد: جورج لوكاس، وستيفن سبيلبرج، وروبرت ألتمان.
لا كرامة لنبي في وطنه، لهذا واجه كوروساوا مشكلات عديدة في تمويل أفلامه في اليابان، لدرجة أنه حاول الانتحار ونجا بمعجزة، وهكذا قام تلاميذه الأمريكان المليونيرات المخلصون -من عينة سبيلبرج ولوكاس- بمنحه شيكًا على بياض ليخرج أي حلم يخطر بباله، وكانت هذه عودته مع فيلم "كاجيموشا" أو "ظل المحارب" الذي سوف نتكلّم عنه في حلقة قادمة.
كما في كل فيلم له يُقدِّم كوروساوا كمؤلف أو مخرج ابتكارًا جديدًا، وفي هذا الفيلم مثلاً يُقدِّم أسلوب "تجميع الأبطال من أجل مهمة معينة"، ومنذ ذلك الحين رأينا "المهمة الإيطالية" و"الأحد عشر لدى أوشان".. إلخ.. كما أنه جرّب طريقة تصوير المشهد بأكثر من كاميرا من عدة زوايا لينتقي اللقطات الأفضل.. من المعروف أن السينما تستعمل كاميرا واحدة، لكن كوروساوا استنّ هذه السُّنة الجديدة. هناك طريقة الاعتماد الكامل على الشمس في الإضاءة التي تعلّمتها السينما الأمريكية منذ ذلك الحين. هناك كذلك تيمة "البطل غير الراغب في البطولة" و"فتاة من القرية تقع في حب أصغر الساموراي سنًّا".
عُرِض فيلم "الساموراي السبعة" عام 1954، وكل إنسان يعرف القصة تقريبًا.. القرية التي تخضع لسطو وإرهاب قطاع الطرق، ثم يُقرِّر سكانها أن يستعينوا بمجموعة من فرسان الساموراي الشجعان الأقوياء كي يُدافعوا عنها.
في البداية يُفكِّر اللصوص في مهاجمة القرية، ثم يُقرّرون تركها بعض الوقت لتستريح.. طريقة ترك البقرة بعد حلبها بعض الوقت، على أن يُهاجموها بعد الحصاد.
عندما يعرف سكان القرية هذا، يُقرّرون أن عليهم أن يُدافعوا عن أنفسهم، لكن أَنَّى لهم ذلك وهم فلاحون لا يُجيدون فنون القتال؟
الحل الوحيد هو استئجار بعض الساموراي؛ وهم قوم مهنتهم القتال؛ مثل المماليك عندنا، لكن المشكلة هي أن أهل القرية لا يملكون مالاً يمنحونه للساموراي.. الحل الوحيد هو تقديم الطعام لهم كأجر، وينصحهم الزعيم بأن يجدوا الساموراي الجياع.
يذهب وفد من الفلاحين للمدينة بحثًا عن ساموراي، فيجدون واحدًا قويًّا اسمه كامبي، ويلحق به شاب اسمه كاتسوشيرو، ويبدأ كامبي في جمع مجموعة متباينة من الساموراي بطباع مختلفة تُذكّرنا بمن كان عادل إمام يجمعهم في "شمس الزناتي".. وبالطبع لا بد من أن يضم الجمع مهرجًا لا قيمة له، وهو سوف يُؤكّد قاعدة أن مَن تستهين به قد يكون هو الأخطر، وهكذا يصير الساموراي سبعة.
يصل الساموراي للقرية فينكمش القرويون خوفًا منهم؛ المشكلة هي أن الساموراي الذين لا قائد لهم مشهورون باغتصاب النساء، وهكذا يغلق كل الفلاحين أبوابهم على نسائهم.
تتوطد العلاقة ببطء بين سكان القرية والساموراي، ويُقدِّم أهل القرية الأرز للساموراي علامة على الحفاوة.
يتمّ التأهب للقتال والحصار القادم.. هنا نكتشف أن القرويين ليسوا جبناء؛ إنهم يُحاربون حربًا عاتية مع الفقر والحاجة لإطعام أُسرهم والخوف من الغد. والآن يُحطّم الفلاحون حاجز الخوف ويتعلّمون القتال.
يحدث شدّ وجذب وسوء فهم لا يتوّقف
يقوم الساموراي بغارة ناجحة على معسكر اللصوص، وينجحون في قتل الكثيرين، لكنهم يفقدون واحدًا منهم. ويُهاجم اللصوص القرية ليكتشفوا في دهشة أن هناك تحصينات، وأن القرويين استعانوا بخدمات الساموراي.
تدور معارك شرسة، وينجح الساموراي في اتّباع تاكتيك حربي يجعل كل لص يدخل القرية وحده ليقع في كمين، لكن المعركة كانت عنيفة حقًا. وفي النهاية لا يبقى من الساموراي سوى ثلاثة، ويموت قائد اللصوص.
يراقب الساموراي الفلاحين السعداء وهم يبدأون الحصاد، لكنهم لا يشعرون بالسعادة بعد مَن فقدوه. لقد هزمنا مرة أخرى وفاز الفلاحون.
آخر لقطة في الفيلم تظهر القبر الذي ابتلع الساموراي الذين ماتوا في الدفاع عن القرية.. إن مَن يعيش بالسيف يموت به، ولا يبقى في النهاية إلا مَن بذر بذرة الحياة في قلب الأرض.
الفيلم قطعة من نسيج ناعم فائق الحساسية، مع تصوير ساحر بالأبيض والأسود لأساكازو ناكاي. أنتجت الفيلم استوديوهات توهو اليابانية الشهيرة؛ وهي التي نعرفها نحن بأفلام جودزيلا، وقد أوقف الاستوديو التصوير مرتين؛ لأن الميزانية تجاوزت الحدود، لكن كوروساوا في كل مرة كان يذهب لصيد السمك عالِمًا أن الاستوديو تورّط بما يكفي في الإنتاج، ولا بد أن يستمر فيه للنهاية.
في النهاية حصد الفيلم عددًا هائلاً من الجوائز، وغزا الغرب بالمعنى الحرفي للكلمة. العبقري الياباني أكيرا كوروساوا يكشف للعالَم مَن هم اليابانيون حقًا.
شاهد إعلان الفيلم (التريلر) هنا
طبعا عارفه ,بس للاسف ماشفتهوش
طبعا عارفه ,بس للاسف ماشفتهوش حاولت احمله بس اللينكات كانت مضروبة,فيلم (شمس الزناتي) حلو يرضه ,هيه الفكرة حلوة اساسا وتستحق تتعمل في معالجات كتير .شكرا علي الفيلم .
اختيار رائع للغاية دكتور
اختيار رائع للغاية دكتور احمد..
ممكن فقط ان اكمل معلومة ان كوراساوا حائز على اوسكار افضل مخرج اجنبي عن كامل سيرته المهنية..










