
لست ناقدًا سينمائيًا؛ لكني أعرف جيدًا تلك الأفلام التي هزّتني أو أبكتني أو أضحكتني أو جعلتني أفكّر طويلاً... أعرفها وأحتفظ بها جميعًا في الحافظة الزرقاء العتيقة التي تمزّقت أطرافها، وسوف أدعوك لتشاهدها معي لكنها أثمن من أن أقرضها! معظم هذه الأفلام قديم مجهول أو لا يُعرض الآن، لكنها تجارب ساحرة يكره المرء ألا يعرفها من يحب.
هذا الفيلم من مفردات ثقافة عصرنا بلا شك، ليس هناك من لم يرَه أو يسمع عنه. ومن القصص الطريفة أن الفنان وحيد سيف في السبعينيات قدّم مسرحية اسمها "لك يوم يا زوربا" تنتمي إلى مسرح القطاع الخاص، ووجّه دعوة لأنطوني كوين لحضور العرض الأول، لكنه لم يردّ طبعًا.
هناك مخرجان يونانيان عظيمان وضعا اسم اليونان على قائمة السينما العالمية؛ أولهما كاكويانس الذي نلقاه اليوم، وكوستا جافراسِ الذي قابلناه هنا في فيلم "مفقود".
كاكويانس -المخرج اليوناني العبقري- الذي رأيناه عندما جاء مهرجان القاهرة السينمائي، فوجده النقاد رجلا يونانيا لطيفا أشبه بالخواجات (الجريج) الذين عرفوهم في الإسكندرية (بالطبع حدث خطأ كالمعتاد، ووجد نفسه في الزحام وحيدًا بلا مقعد ولا مرشد ولا سيارة تعود به إلى الفندق.. لكنه ظلّ يبتسم)، وهو الذي قدّم أفلاما لا يمكن نسيانها؛ مثل: "زوربا اليوناني"، و"يومَ طَفَت الأسماك"، و"إيفجينا". وبالطبع كان وصوله للعالمية يمرّ بمحلية شديدة صادقة.. إنه يوناني جدًّا ولهذا تميّز، نفس ما يقال عن صلاح أبو سيف عندنا.
القصة لأديب يوناني عظيم يمكن أن تعتبره نجيب محفوظ اليونان؛ هو نيكوس كازندزاكيس، والموسيقى الشهيرة جدًّا هي لمناضل يساري اضطهدته حكومة الجنرالات في اليونان طويلاً؛ هو تيدوراكس..
طبعًا أنت تعرف اللحن المميّز "سيرتاكي" أفضل مني
تمّ عرض الفيلم عام 1964، وهو يحكي عن صداقة بين رجلين، أحدهما شبه بريطاني (آلان بيتس) يميل إلى التحفّظ والوقار، والآخر فلاح يوناني رأى وعرف كل شيء في الحياة تقريبا.. هذا هو زوربا اليوناني الذي لعب دوره أنطوني كوين.
لقد عرف زوربا نساءً بعدد شعر رأسه، وعمل في كل شيء تقريبًا، وسافر إلى عشرات البلدان.. يعشق الموسيقى ويرقص كالشياطين. أنطوني كوين مكسيكي لكنه أعطى الشخصية فيضًا من شخصيته القوية؛ بحيث وضع تعريفا عالميا جديدا لليوناني.
البريطاني -كما نعرف- أديب متعثر في العثور على إلهام جديد، ويُقرّر أن يفتتح منجم فحم ورثه عن أبيه في قرية كريتانية، على سبيل تزجية الوقت والبحث عن إلهام قصصي، ولسبب لا يعلمه إلا الله يقتنع بأن زوربا يُجيد التعدين، وهذه هي نقطة زوربا المهمة؛ إنه لا يُجيد أي شيء سوى الاستمتاع بالحياة، لكنه يُقنع من حوله بأنه خبير في كل شيء.
هكذا تبدأ الأحداث بوصول الرجلين إلى القرية التي يوجد فيها المنجم.. هنا الأنماط اليونانية التي صارت مقدسة في السينما العالمية، وسوف تجد لمحة منها في كل الأفلام التي تدور في قرى تقريبا. وسرعان ما يقيمان في بنسيون، تديره امرأة فرنسية كانت حسناء ثم فقدت مجدها (ليلا كدروفا).. زوربا يستطيع على الفور أن يشم العطر الخفي في هذه الزهرة الذابلة، ويقنع البريطاني بأن يقيم علاقة معها، لكنه يمتنع.. هكذا يقرر زوربا أن يبقيها لنفسه.
لا يمر وقت طويل قبل أن تهيم الأرملة به حبا
إن الخطط فاشلة تمامًا.. المنجم في حالة خطرة لا تسمح باستغلاله، لكن ما يحصل عليه البريطاني هو المزيد من دروس الحياة من زوربا الذي لا ييأس أبدا، ولا يصيبه الاكتئاب.
هناك أرملة شابة في القرية.. أرملة بارعة الحسن تلعب دورها (إيرين باباس). نفس هذه الأرملة موجودة في أعمال أدبية كثيرة جدًا، لأن معظم أهل القرية يشتهونها بقوة، وهذا الاشتهاء الشديد يتنكر في صورة اشمئزاز واحتقار؛ إذ يعتبرونها فاسدة الأخلاق! إنه النفاق البشري الشهير.. ومن عباءة هذه الأرملة خرجت شخصيات عديدة مثل (مالينا)، والغازية سهير المرشدي في فيلم (البوسطجي)..
وعندما يرسل البريطانيُّ زوربا إلى مدينة قريبة لشراء كابلات وأشياء للمنجم، فإنه يبدد كل ما ذهب به من مال في الحانات.. المشكلة هي أن البريطاني لا يستطيع أن يغضب منه ولا أن يصير رئيسًا حازمًا أبدًا. لكنه على سبيل الانتقام يخبر المرأة الفرنسية مديرة البنسيون بأن زوربا سيتزوجها فور عودته، وهذا يملؤها سرورًا.. كذبة يجد زوربا نفسه متورطًا فيها، لكنه لا ينكرها حتى لا يجرح شعور العجوز، بل إنه يبدأ في إعداد حفل الزفاف وثوب العرس أمامها حتى لا يجرحها.
في الوقت ذاته يقيم البريطاني علاقة مع الأرملة الحسناء، ويكتشف أحد الفتية من عشاق الأرملة ذلك؛ فيقتل نفسه!
تجتمع البلدة لجنازة الفتى، ثم تصدر حكمها بالإعدام على الأرملة.. هنا نرى كيف تتعامل النسوة بقسوة وحزم، والسبب طبعًا رغبتهن الصارمة في استئصال هذا الوباء الذي يسحر أزواجهن.. والرجال يريدون الانتقام.. وهكذا تجد الحسناء نفسها محاصرة وسط أهل القرية.. ويحاول زوربا إنقاذها بلا جدوى، وتموت مذبوحة بيد والد الفتى في مشهد شديد القسوة،
وإن كان كل المخرجين قد سرقوه تقريبًا
ليست هذه نهاية الأحزان؛ بل إن الفرنسية صاحبة البنسيون تموت، ويجلس زوربا جوارها في لحظات الاحتضار. وهنا يرينا كاكويانس تيمة أخرى مفضلة عنده، هي العجائز اليونانيات الشبيهات بالغربان اللاتي ينقضضن على البيت ليرثن المرأة وهي ما زالت حية.. فما أن تغمض عينيها حتى يكون البنسيون قد صار حطامًا لأنهن يأخذن كل شيء..
الآن جاء وقت افتتاح خط النقل -الذي شيده زوربا- بالحبال.. وتقف القرية كلها لترى المشهد، ويبارك القس المشروع.. وتُنقل أول شحنة عبر التلفريك فتسقط وتهدم كل شيء، وتوشك على إحداث كارثة! لقد كان المشروع فاشلاً تمامًا.. فرّ كل أهل القرية، بينما وقف زوربا والبريطاني يرمقان ما تبقى من كل هذا الجهد.. إنه العبث..
يطلب البريطاني من زوربا أن يعلّمه الرقص.. يبدأ الرجلان في خطوات الرقصة الشهيرة التي صارت من التراث اليوناني منذ عرض الفيلم. هذه هي حياتنا ذاتها.. نقيم مشاريع عملاقة وخططًا طَموحة، وفي النهاية ينهار كل شيء..
فلا يبقى لنا سوى أن نرقص على شاطئ خالٍ مقفر
هنا مشهد الرقصة بعد ما قام مشاهد متحمس بتلوينه (وإن كان رأيي الخاص أن تلوين تحف الأبيض والأسود جريمة!)
حفر الفيلم مكانًا عميقًا في السينما العالمية منذ عرضه، وقد نال أوسكار أفضل ممثلة مساعدة (ليلا كدروفا)، وأفضل إخراج فني، وأفضل تصوير أبيض وأسود (والتر لاسالي). واللغز الذي لا يمكن فهمه هو كيف لِمَ ينَلْ أنطوني كوين أوسكار أفضل ممثل؟
كما عرفنا كان هذا الفيلم نبعًا لا يكف السينمائيون عن الاغتراف منه.. ولا بد لكل مهتم بالسينما أن يراه أو يقتنيه..
كان هذا فيلمًا آخر من أفلام الحافظة الزرقاء..
merci دكتور على تذكيرنا بهذا
merci دكتور على تذكيرنا بهذا الفيلم الرائع
الفلم روعة واروع مافيها
الفلم روعة واروع مافيها موسيقاها والرائع انطوني كوين
د/احمد خالد توفيق شكرا لتذكيرنا بهذه الروائع
ممثل يستطيع تجسيد اي نوع من
ممثل يستطيع تجسيد اي نوع من الشخصيات الا وهو (انتوني كوين) ,فبلم راقي المستوي , واداء انتوني كوين ممتع بجد .
رددت عليك في الحلقة السابقة
رددت عليك في الحلقة السابقة يا زائر وقلت إنني ساتكلم عن سائق التاكسي إن شاء الله لكن لم ينشر ردي. العزيز بهاء .. لا أعرف عنوانك البريدي .. أرجو أن تنشره أو تراسلني على عنواني الذي لا أستطيع نشره هنا
د.احمد لماذا لا تذكر افلام
د.احمد لماذا لا تذكر افلام المبدع martin scorsese و خصوصا رائعته taxi driver .....انا اعتبره افضل مخرجي السينما الامريكيه
من أفضل الأفلام اللي شوفتها و
من أفضل الأفلام اللي شوفتها و انتوني كوين ممثل عبقري،
لو سمحت يا دكتور عاوز نشوات قديمة قبل أغنية السيدة ذات الثوب الأحمر










