أفلام الحافظة الزرقاء.. باسم الأب

Jun 16 2011
آخر تحديث 14:28:52
هذا في الحقيقة فيلم عن الأب.. الأب الذي أنجبنا وعلمنا كل شيء
هذا في الحقيقة فيلم عن الأب.. الأب الذي أنجبنا وعلمنا كل شيء

لست ناقدًا سينمائيًا؛ لكني أعرف جيدًا تلك الأفلام التي هزّتني أو أبكتني أو أضحكتني أو جعلتني أفكّر طويلاً... أعرفها وأحتفظ بها جميعًا في الحافظة الزرقاء العتيقة التي تمزّقت أطرافها، وسوف أدعوك لتشاهدها معي لكنها أثمن من أن أقرضها! معظم هذه الأفلام قديم مجهول أو لا يُعرض الآن، لكنها تجارب ساحرة يكره المرء ألا يعرفها من يحب.

الظلم مَقيت.. كريه في كل زمان ومكان. وفي هذا الفيلم نرى القصة الحقيقية لرباعي "جلدفورد".. (أربعة أيرلنديين اتُهموا ظلمًا بالقيام بعملية إرهابية شنيعة) وكما يحدث عندنا معظم الوقت، فإن البوليس البريطاني -التواق إلى حل ألغاز القضية- يلجأ إلى سجن أربعة أبرياء وستة أفراد من أسرة واحدة.. لا يعترفون!

هناك حل عبقري اسمه التعذيب الذي يمكن أن يجعل أي واحد فينا يعترف بقتل يوليوس قيصر..

هذا هو محور فيلم "بسم الأب" الذي عُرض عام 1994 فهز العالم. وفي رأيي أنه من الصعب فعلاً ألا تسيل ولو دمعة واحدة على خدك إذْ تشاهد هذا الفيلم الرائع..

هذا في الحقيقة فيلم عن الأب.. الأب الذي يتحدث عنه عنوان الفيلم ليس الأب بمعناه في العقيدة المسيحية، والذي تخاطبه صلاة "أبانا الذي في السموات" المعروفة، ولكنه أبو كل واحد فينا.. الأب الذي أنجبنا وعلمنا كل شيء، وفي لحظة بعينها يموت بين أيدينا..

 

أخرج الفيلم (جيم شريدان) وهو مخرج أيرلندي عظيم، ارتبط بشكل واضح بالممثل المذهل دانييل داي لويس، ولهما فيلمان شهيران هما "الملاكم" و"قدمي اليسرى". قصة الفيلم لجيري كونلون وهو واحد من رباعي جيلدفورد الذي سجن ظلمًا وكتب كتابًا يثبت براءته بعد خروجه من السجن. كتب شريدان السيناريو عن هذا الكتاب بالتعاون مع تيري جورج. كل عناصر الفيلم مختارة بعناية، وبالطبع نذكر منها موسيقى تريفور جونز، والتصوير الساحر لبيتر بيزيو.

لكن يجب أن نعترف بأن الفيلم لم يكن ليوجد من دون دانييل دي لويس، الممثل الظاهرة الذي يعدّ لكل دور يمثله لمدة عام أو أكثر.. وهو الذي استعد لهذا الفيلم بليالٍ طويلة في السجن، حيث يلقي عليه الحراس الإهانات والقاذورات. واستعد لفيلم "سيكون هناك دم" بستة أشهُر من العمل في المناجم في الصحراء. إنه تلميذ الطريقة (Method) أو "استوديو الممثل" بشدة، والتمثيل بالنسبة إليه تجربة مرهقة تأكل الكثير من جسده وأعصابه.

يبدأ الفيلم بمشهد عنيف جدًّا لتفجير حانة جيلدفورد قام به أعضاء جيش التحرير الأيرلندي عام 1974، وتسبب في موت أربعة رجال شرطة بريطانيين. وعلى الفور تبدأ أغنية المقدمة الرائعة التي يغنيها بونو والتي تحمل اسم الفيلم (بسم الأب).

 

شاهد المقدمة هنا


إضغط لمشاهدة الفيديو: 
See video

يقدم لنا الفيلم ذلك اللص الظريف الوسيم جيري كونلون.. شاب أيرلندي مستهتر فعلاً، لكنه لا يستطيع قتل دجاجة. وفي مشاهد ساحرة نرى فراره من رجال الشرطة البريطانيين، بينما يحميه كل الشارع الأيرلندي، وكل الأُسَر وحتى أطفال المدارس. الواقع أنك سوف تتذكر على الفور مشاهد الفلسطينيين والإسرائيليين. وجوه تشابه الشعب الأيرلندي مع الفلسطيني أثارت انتباه كثيرين.

 

شاهد هذا المشهد الطريف المليء بالحيوية هنا


عندما يقع الانفجار يبحث البوليس البريطاني جاهدًا ومحمومًا عن شخص تُلصق به الاتهامات. يقودهم البحث إلى اتهامه هو لأنه كان في رحلة إلى لندن، ويتهمون أصدقاءه وستة من أسرته بالتورط في هذه العملية.

هنا ندرك أن طرق البوليس البريطاني ليست علمية جدًا.. إنهم يعذبونه معنويًا، حيث يهددونه طيلة الوقت بأنهم سيقتلون أباه.. وهكذا يضطر إلى الاعتراف بما لم يفعله..

يبدأ الجزء الثاني من الفيلم، حيث نرى الأب والابن في زنزانة واحدة بالسجن البريطاني، وهو يعرف أن هناك خمسة آخرين من أفراد أسرته في السجن. الأب هو الممثل بيت بوسلثويت، الذي يقدم مع دانييل داي لويس أداءً مذهلاً. لأول مرة يقترب الأب المتدين الكاثوليكي من ابنه الهيبي المستهتر إلى هذه الدرجة.

وفي الوقت نفسه تجاهد المحامية الباسلة جاريث بيرس التي تقوم بتمثيلها إيما تومسون، كي تعيد التحقيق في القضية.

 

هذا الفيلم يتعامل مع السجن وعلاقة السجناء ببعضهم بحساسية بالغة. إنه يقترب جدًا من النسيج الإنساني بدلاً من أن يرينا مجموعة بلطجية. ونعيش مع المساجين لحظات طويلة خاصة عندما يحدث تمرد يسيطرون فيه على السجن بضعة أيام، والمشكلة هنا أن جيري يقابل في السجن رجلاً أيرلنديًا يعترف له بأنه هو الذي دبر انفجار الحانة!.. لكنه لا يستطيع تبرئة نفسه ولا أبيه.

يكون على جيري أن يتحمل أن يمضي في هذا الكابوس 15 عامًا، وأن يموت أبوه المريض بداء الصدر بين ذراعيه.

تأمل أداءه الخالي من الصخب وشديد الهدوء. وإذ يخبرونه بأن أباه قد مات؛ يظل ساكنًا في الوضع السابق ذاته، ويقول بطريقة أقرب للامبالاة: "أوه.. شكرًا لك"..

ولكننا نعرف جيدًا كيف يشعر، لهذا تبدو هذه العبارة قوية جدًا.. إنها مؤثرة أكثر بمراحل مما لو راح يصرخ ويبكي ويتلوى على الأرض..

تتصاعد عبر نوافذ السجن صيحات: لقد مات جيسيبي يا رجُل!!

هنا يشعل كل سجين ورقة ويلقي بها من النافذة، وهكذا تنهمر الأوراق المشتعلة من النوافذ في جنازة رهيبة.. مشهد لا يمكن أن يوصف ما لم تره، حيث يتداخل التصوير والأداء مع الأغنية الرائعة.. وكما يقول الأمريكان: لو لم يتجعد جلدُك لرؤية هذا المشهد فجلدك ضيق عليك جدًا!

 

وفي النهاية تكتشف المحامية ورقة تثبت أن جيري كونلون لم يكن في لندن وقت الانفجار.. والأدهى أن البوليس البريطاني تأكد من هذا، وكتب على المذكرة: "لا تُعرض على دفاع المتهم!".

لقد تآمر النظام القضائي البريطاني بالكامل على هؤلاء الأربعة، وسرق منهم خمسة عشر عامًا من عمرهم، لمجرد أنهم أيرلنديون..

تكشف المحامية هذه الحقائق أمام المحكمة وهي تنفجر بالبكاء، ولا يجد القاضي البريطاني سوى أن يعترف ببراءة الجميع ويطلق سراحهم في مشهد مُزلزِل..

 

يواجه جيري الصحافة ليعلن أنه لن يغفر للبوليس البريطاني هذه الأعوام في السجن، وأخته التي دخلت السجن فتاة نضرة وتغادره امرأة في منتصف العمر، وأباه الذي مات في السجن دون أية رعاية طبية..
بسم الأب سوف يخوض معركته..

بسم الأب سوف يفضحهم جميعًا..

رُشح الفيلم لسبع جوائز أوسكار لكنه لم ينل أي شيء، وهذا طبعًا بسبب أنه تنافس مع فيلم "قائمة شندلر" الذي يحكي عن عذاب اليهود والمحرقة، وهو موضوع مضمون لحصد جوائز أوسكار في الخارج. لكن الفيلم قد نال عشرات جوائز الأوسكار لدى كل من رآه.. فهو من عالم تلك السينما الراقية التي تجعلنا أفضل..

كان هذا فيلمًا مهمًا من الحافظة الزرقاء..


مشاركات القراء

شكرا على مجهودك يا دكتور أحمد

شكرا على مجهودك يا دكتور أحمد . و انا فعلا بقيت بسانى كل أسبوع مقال حضرتك عشان اعرف عن الافلام اللى بحبها اكتر و كمان فى افلام مكنتشش أعرفها زى الفيلم ده . لكن حضرتك بتعرض مجموعة من احمل افلام السينما العالمية على مر العصور
أحمد مصطفى - الاسكندرية

شكرا على اهتمامكم .. محمد

شكرا على اهتمامكم .. محمد صابر عبده . اقتراح وجيه ومهم وسوف انفذه، على الأقل في الحالات التي أطلع فيها القراء على نهاية الفيلم ...

افتكر من حوالي سنة شفت بداية

افتكر من حوالي سنة شفت بداية الفيلم .. اللي فيها بتطارده الشرطة علي انه مسلح
فمكملتش الفيلم واعتقدت انه فيلم سخيف قديم بيكلم عن الصراع الأنجليزي الأيرلندي
فجاش في بالي ان دي احداثه او ان ليه نهاية مؤثرة بالقوة دي

فيلم رائع جداً .. من الافلام

فيلم رائع جداً .. من الافلام الجميلة اللي اتكلمت عن نفس الافكار فيلم لدينزل واشنطن .. الظلم الفاحش ,العنصرية,السجن والحرية في النهاية .. اسمه الاعصار The Hurricane

داي لويس مريض بمرض التمثيل

__
اكتر ما يحزنني في سلسلة المقالات ان كلها spoiler وللاسف اللي مشافش الفيلم هتضيع عليه متعة اكتشاف الاحداث مسبقاً لانه ميقدرش يفوت مقالة للدكتور احمد خالد توفيق

اتمنى ان يتم تقسيم المقال جزء يهتم بمعلومات وتاريخ ونقد الفيلم وجزء يهتم بالاحداث نفسها ويكون الجزء الثاني عليه تحذير لمن لم يشاهد الفيلم حتى لا بفسد الاحداث

وشكراً

Daniel Day-Lewis مثل في حياته

Daniel Day-Lewis مثل في حياته 29 فيلم بس واترشح لاوسكار 4 مرات كسب اتنين وخسر اتنين بجد من احسن الممثلين مبدع فعلا وليه فيلم جميل اسمه The Last of the Mohicans فيلم رائع و soundtrack بتاع الفيلم اكثر من رائع وانا بشكرك يا دكتور علي الفيلم الجميل ده

فعلا فيلم ملووش حل والشعب

فعلا فيلم ملووش حل
والشعب الايرلندى كفــاحه مر اوى
ونضاااالى اوى لابعد الحدود
اما دانييال دى لويس
فدا حالة غريبة من الممثلين
حد كدا زيه زى ساميل ل جاكسون ,
بيقنعك باى حاجة بيعملها
كان فعلا جزار فى
GANZ OF NEW YORK
وكان معادى للأيرلنديين على فكرة
فى الفيلم دا

ابويا كان قرب الامتحانات

ابويا كان قرب الامتحانات بيعمل حركة غريبة ,كان بيشيل التليفزيون من البيت ,كنا نفضل حوالي شهر منتفرجش علي التليفزيون ,كان البيت بيبقي غابة من الهدوء والكآبة, علشان التركيز يعني , في يوم من الايام قررت اعمل عملية سطو لغرفة ابي ,وفعلا تمت العملية بنجاح بعد منتصف الليل بقليل ,اشعلت التليفزيون علي برنامج (حدث بالفعل),كان الفيلم قد بدأ بالفعل رأيت في هذا اليوم فيلما غريبا ,عن مجموعة من السجناء ظلما ,ما ادهشني حقاهو اداء احد ابطال الفيلم ,كنت في هذا الوقت صغيرا نسبيا ولم اكن قد رأيت مثل هذا الاداء من قبل ,خصوصا في هذا المشهد حين يلف شريط الكاسيت حول وجهه في جنون ,لم استطع ان انسي هذا المشهد قط وشعرت بأني أولد من جديد وانا اشاهده في سكون المنزل ,شاهدت فيلم (بسم الاب) في ظروف غريبة في وقت غريب وفي مزاج غريب ,باختصار كانت الاشياء مرتبة لكي يستقر هذا الفيلم في الذاكرة , شكرا شكرا شكرا علي هذا الفيلم .

اسعدنى الحظ ان اكون اول من

اسعدنى الحظ ان اكون اول من يقوم بالتعليق على هذا المقال الرائع, حقيقى يا د.احمد لقد اصبحت انتظر الجديد فى هذا الباب, لاقوم بالبحث عنه وتحميله من الانترنت, واسعدنى اكثر فى هذا الفيلم انه من بطولة دانييل دى لويس, فمنذ رأيته اول مرة فى فيلم عصابات نيويورك للرائع سكورسيزى, وانا لم اترك له فيلما بعدها, شكرا لك وفى انتظار القادم بمشيئة الله.............

أنا شفت الفيلم ده وأنا صغيرة

أنا شفت الفيلم ده وأنا صغيرة في نادي السينما، والفيلم فعلاً كان مؤثر لدرجة مرعبة رغم صغري وقتها إلا أني أتأثرت بجنون ومع مشهد إعلان برائتهم كنت مش قادرة أتخيل ممكن يعملوا أيه في البريطانين بعد 15 سجن وكل ما حدث لهم ده وبعدين بالبساطة دي؟؟ ييقولهم أنتوا كنتو ابرياء لا وكنا عارفين، رغم أني كنت تقريباً عندي 9 أو عشر سنين لكن الفيلم فضل محفور في ذاكرتي بلا اسم.. ولم اعرف اسمه سوى الآن.. ألف شكر يا دكتور أختيارتك دائماً رائعة

فهو من عالم تلك السينما

فهو من عالم تلك السينما الراقية التي تجعلنا أفضل..

أبي الحبيب "دكتور أحمد" شكراً لك لأنك تجعلني أفضل

شارك برأيك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.