history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

محمد هشام عبيه

قيمة هذا الكتاب ليست فقط في أنه بتوقيع الكاتب الراحل الكبير "رجاء النقاش" صاحب الأسلوب العذب المختلف؛ وإنما لأنه آخر أعماله على الإطلاق حتى أنه لم يره مطبوعا وإنما تركه مع زوجته حتى تسلمه لـ"نوال مصطفى" رئيس تحرير سلسلة (كتاب اليوم) لتقوم بنشره في الوقت المناسب؛ لأنه كان قد وعدها بتسليمها نسخة نهائية منه لكن ظروفه الصحية التي ساءت حالت دون ذلك.

هكذا المعادلة. كتاب يجمع قصص الحب من الشرق والغرب، ويتناولها بالرصد وتحليل تفاصيلها ويعطيك رحيقها ويستخرج لك منها مواطن الجمال والوجع. ومؤلف يكتب كتابه عن الحب هذا بكل الحب الذي يجعله يحرص على نشره حتى بعد وفاته... هذا كتاب يستحق القراءة والاقتناء إذن.

يضم "أجمل قصص الحب من الشرق والغرب" ما يزيد على ثلاثين قصة حب من تلك التي وقعت عادة بين المشاهير، ولهذا ستقرأ مثلا عن أول قصة حب في حياة "نجيب محفوظ"، وهي قصة غريبة تليق بطبيعة أديب عالمي، إذ يروي "محفوظ" لـ"النقاش" أن أول حب في حياته أتاه وهو في عمر الثالثة عشرة، يومها كان يلعب كرة القدم مع أصدقائه في حي العباسية، عندما لمح فتاة جميلة تطل من إحدى الشرفات المطلة على "الملعب الافتراضي" فانجذب لها بشدة خاصة أنها -على حد تعبيره- كانت تختلف عن كل البنات اللائي عرفهن من قبل؛ فلم تكن تقليدية مثل بنات العباسية بل كانت تميل إلى الطابع الأوروبي في مظهرها وتحركاتها وهو طابع لم يكن مألوفا في ذلك الوقت "أوائل العشرينات"، لكن "نجيب محفوظ" لم يتحرك خطوة واحدة تجاه حبه هذا، ظل هكذا يكتفي بطلّتها من الشرفة دون أن يسعى إلى لقائها أو التحدث معها أو إخبارها بأي وسيلةٍ كانت بأنه يحمل تجاهها مشاعر الحب، لهذا كان منطقيا جدا أن تتزوج الحبيبة وأن ترحل من العباسية كلها، وأن يصاب أديبنا الكبير بصدمة، وألا يزول حبها من قلبه أبدا حتى بعد أن كبر وتزوج، حتى حدثت تلك الصدفة القدرية عندما قابل "نجيب محفوظ" -بعد أكثر من ربع قرن على أول دقة قلب- شقيقة الحبيبة الأولى في مصيف "رأس البر"، ويومها منع الخجل أديب "نوبل" من أن يسأل عن أحوال "فتاة الشرفة" وانتهى اللقاء وهو لا يعرف عنها شيئا وإن أعاد هذا اللقاء ذكرى الحب الأول الذي لا يموت، ذلك الحب الذي كسر محافظة "محفوظ" وميله لعدم خلط أحداث رواياته بتفاصيل حياته الشخصية، فجسد جزءا من هذه العلاقة في رواية "قصر الشوق" إذ كان في شخصية "كمال عبد الجواد" جزء كبير من شخصية "محفوظ" الحقيقية الذي ختم حديثه لـ"رجاء النقاش" قائلا في أسى: "ولكن "كمال عبد الجواد" استطاع الوصول إلى حبيبته أما أنا فلم أستطع!"..

ومن الشرق إلى الغرب، وإليك قصص الحب "أي نعم وليست قصة واحدة!" للفنان الأسباني العالمي "بيكاسو" الذي يعترف حلاقه الخاص وصديقه المقرب بأنه -أي بيكاسو- كان يضع "الفن" في مرتبة أعلى من كل شيء بما في ذلك الحب، ولهذا كان متعدد العلاقات النسائية بشكل كبير ليس لأنه "زير نساء"؛ وإنما لأنه سريع الملل، ولهذا فقد تزوج ثلاث مرات وانفصل مرتين، فأصيبت زوجته الأولى بالجنون المطبق وطفقت بعد طلاقها منه تسير في الشارع لتقول بعلو الصوت: "أنا مدام بيكاسو"!، وانقلبت عليه زوجته الثانية والوحيدة التي أنجب منها أطفالا، ونفذت ضده أكبر حملة لتشويه سمعته كان بها كثير من الصحة خاصة وأنه كان جاحدا بالفعل على ولده منها، قبل أن يهدأ "بيكاسو" ويعثر أخيرا على الحب الذي يهدهده ويتوافق مع طبيعته المتمردة وهو في عمر الثمانين! -لم تخطئ في القراءة.. ثمانين عاما كان عمره!- وقتها تزوج من "جاكلين روك" التي عاشت معه عشر سنوات كاملة فاستطاعت أن تمنحه ما يمكن وصفه بـ"راحة المحارب".

يعود بك "رجاء النقاش" بأسلوبه الساحر إلى الشرق من جديد، وهو يروي بعضا من تفاصيل قصة حب غامضة جمعت بين اثنين من نجوم الستينيات الشاعر الكبير "كامل الشناوي" والمطربة ذائعة الصيت "نجاة الصغيرة"، الثابت في هذه القصة هو أن "الشناوي" -الذي لم يتزوج قط- أحب "نجاة الصغيرة" حبا كبيرا لكنه كان يدرك أن الفارق العمري بينهما -أكثر من ثلاثين سنة- سيكون حاجزا صعبا من المستحيل تجاوزه لتتويج هذا الحب بزواج، دعك من أن "نجاة الصغيرة" اعترفت لـ"النقاش" بأنها كانت تحب "كامل الشناوي" حب الابنة للأب فقط ليس أكثر ولا أقل.

في كل الأحوال فإن حب "كامل الشناوي" لـ"نجاة الصغيرة" -من طرف واحد فيما يبدو- أثمر قصيدة من أهم وأشهر القصائد التي تحدثت عن تلك العلاقة المركبة بين الرجل والمرأة: (لا تكذبي) والتي تغنت بها "نجاة الصغيرة" في فيلم (الشموع السوداء)، ويكشف "النقاش" في كتابه أن "كامل الشناوي" كتب هذه القصيدة الممتلئة بموسيقى الغضب الشعري ضد الحبيبة وضد غريم ما استولى على قلبها، لا يملك "النقاش" أن يحدد اسم ذلك الحبيب الذي خطف "نجاة الصغيرة" من "كامل الشناوي" لكنه يطرح الأسماء الثلاثة التي كانت متداولة "شِفاها" آنذاك حول هذه القصة، والأسماء جميعها مهمة ومشهورة.. "نزار قباني".."صباح قباني" -شقيق "نزار" ومدير التليفزيون السوري- و"يوسف إدريس".. من إذن من هؤلاء الثلاثة الذي أشعل النار في قلب "كامل الشناوي" حتى يكتب "لا تكذبي"؟ يجيب "النقاش": الله أعلم!

ستقرأ أيضا قصة الحب النادرة التي جمعت بين أديب روسيا الفذ "تشيكوف" وحبيبته "أولجا"، كان "تشيكوف" فنانا حقيقيا ولهذا لم يكن يريد أن يرتبط بأي فتاة؛ لأنه مصاب بالسل -وقد كان في أواخر القرن الـ18 مرضا بلا علاج- حتى لا تضيع سنوات عمرها مع رجل محكوم عليه بالموت، وهو ما دفعه لأن يقول ذات يوم لصديق له: "أعدك أن أكون زوجا رائعا ولكن أريد زوجة تشبه القمر.. لا تسطع في سمائي كل يوم!" وفي السابعة والثلاثين من عمره جاء هذا "القمر" لـ"تشيكوف" في صورة "أولجا" ممثلة المسرح التي ارتبطت بالأديب الروسي في أواخر حياته وكانت فعلا كالقمر؛ لأنها لم تترك العمل في المسرح، فكانا يفترقان بحسب طبيعة عمل كل منهما، ثم يعودان للقاء فيجمعهما الحب ويقويهما معا في مواجهة السل الذي انتصر في المعركة أخيرا بعد ثلاث سنوات فقط من زواجهما.

الكتاب ممتع بالفعل ورغم أن عنوانه عن الحب إلا أنه يؤكد بأن حياة كل هؤلاء المشاهير لم تكن سعيدة في مجملها وأن من طالته منهم "لطشة الفن" هرب منه الحب في أحيان كثيرة لسبب أو لآخر.. بقيت الإشارة إلى أن لوحة الغلاف سيئة بالفعل -لأ وحشة بجد!- ومرسومة بروح كاريكاتيرية صحفية رديئة لا تنسجم مع جوّ الكتاب العام، ثم من قال إنه يمكن تلخيص الغرب في سيدة ترتدي "برنيطة" حمراء، وأن الشرق ليس سوى "واحدة معصعصة" ترتدي ملاية لف؟!

الكتاب أجمل قصص الحب في الشرق والغرب
المؤلف "رجاء النقاش"
الناشر دار أخبار اليوم - كتاب اليوم - العدد 506
الطبعة الأولى - مايو 2008




الاسم
البلد
البريد الإلكتروني